القصة القصيرة

فيروس الحب

– أقرأ لك كثيرا، أقرأ لك باستمرار، لم أفهم يوما أي شيء مما تكتبه، أفهم الكلمات لكن فكري لا يساعدني على أن أنسل بين سطور نصوصك ولا خلفها.. فهمت شيئا واحدا.. أنك تحب العابرات.
هكذا كانت أول رسائلها، وضعتْ نقطة حذف ورحلتْ، لم أنتظر رسالتها التالية.. لا بل تركت رسالتها معلقة في غرفة ” طلبات المراسلة”.. آخر شيء فكرت فيه أن أرد على عرضها المغري، كان في حياتي حينها ما يمنع عن جسدي السقوط، كان في حياتي حينها ما يمنعني من أن أدير المفتاح في قفل الباب للعابرين.. كنت مزهوا بنصر اختار أن يرحل عني في اتجاه قاعة رقص أنثوي هناك بالناظور.. المدينة التي لن أزور..
ثم في ليلة مليئة بالفراغ، في ليلة قاتمة، في ليلة مناسبة للتعثر، للسقوط، للانهزام.. لم أجد ما أفعله، بدأت يدي ترتعش لسبب أجهله.. ربما الخوف، فقد صار يتكرر معي ذلك كثيرا في الفترة الأخيرة.. كانت ليلة غريبة قذفت بي لأرد على رسالة ظلت معلقة بغرفة ” طلبات المراسلة” لأزيد من شهرين.. فكتبت:
– ليست كل العابرات يصلحن للعبور، ليست كل العابرات يحظين بشرف المرور من هنا، ليست كل العابرات يستحقن عناء المخاطرة، ليست كل العابرات يستحقن أن أنظر لنفسي بازدراء بعد مغادرتهن، ليست كل العابرات يستحقن تعطيل حياتي لأربع ساعات من أجلهن..
ثم ضغطت زر الإرسال.. لم أنتظر الرد لأنها لم تمنحني فرصة للانتظار:
– أعتقد أني أستحق..
– أثبتي..
– عنوانك..؟ الخميس زوالا..؟
لا بأس أن نعاتب أنفسنا على كل الأخطاء التي نسقط فيها عن جهل أو عن اختيار أو حتى عن قناعة، لابأس أن نرفض مصالحة أنفسنا على كل تلك الزلات التي نرتكبها فلا نقدر بعدها على التطلع بملامحنا.. نخجل من أنفسنا.. نستحيي منها.. تلك أول خطوة نحو المصالحة.. مازلت للآن أبعد ما أكون لأخجل من نفسي، مازلت أنظر لنفسي بجرأة دون أن ينتابني إحساس بالخجل ولا بالذنب.. ليس قبل أن ألتقيها.. لم أكن لأتصور أنها ستُحدث رجة على مستوى الأخلاق عندي.. رجة على مستوى الضمير عندي..
عند الرابعة زوالا من اليوم الموالي كانت تطرق بالباب، لم أكلف نفسي عناء النظر عبر العين السحرية، كنت أريد أن أنتشي برؤيتها لأول مرة مجردة من كل الحواجز التي قد تحدث في نفسي نفورا منها.. بدت جذابة جدا أو لعلها جعلت نفسها جذابة من أجلي، من أجل لحظة عبورنا نحو عالم كاذب..
– تعرفين اسمي أكيد.. ماذا عنك؟
– اختر لي اسماً..
لم أفكر كثيرا في الاسم ووجدتني أناديها بساندرا..
– ساندرا يناسبك
– ساندرا؟ لماذا اسم غربي؟
– ملامحك ذكرتني بصديقة تركية تركتني بنصف الطريق.. فيك الكثير منها..
– أعجبني الاسم لكني لا أحب أن أكون بديلا لأحد..
لم أفكر فيها بطريقة البديل، فالغربية لن تكون بديلا للشرقية في يوم، للأنثى الشرقية ميزة التفرد بأشياء لا تتوفر في الأنثى الغربية.. لطالما آمنت أن الأنثى الشرقية تتميز بسنوات ضوئية عن مثيلتها الغربية.. مغربية كانت أو تونسية أو مصرية أو لبنانية أو فلسطينية.. هي دائما أكثر جاذبية وأكثر حمولة عاطفية عن الفرنسيات والتركيات والانجليزيات والأمريكيات.. الغربيات باردات في الحب.. الشرقيات ثائرات في الحب.. لذلك فساندرا التركية ليس فيها من ساندرا التي أمامي اليوم إلا ملامحها، أو البعض من ملامحها..
– ماذا لو أخبرتك أني أحتضر، أني أصارع الموت..
– إذن فلأكن خطيئتك الأخيرة يا ساندرا..
– أخاف أنك ضحيتي الأخيرة..
وهي تكمل جملتها أحسست بدوار غريب تلاه تعرق أعلى صدري، فغثيان شيد… أحسست بالدم يتجمع في مكان واحد من جسدي فباتت يداي و قدماي غير قادرتان على الحركة… تمنيت أن الذي فهمته لم يكن صحيحا، تمنيت لو أن ذكائي خانني تلك المرة، تمنيت لو أن الحياة انجلت قبل أن أكتب في لحظة رفاه جسدي أني أحب العابرات.. تنفست بعمق وقاومت جاهدا لأحرك يدي اليمنى، نجحت أخيرا في تحريكها ببطء وبصعوبة مطلقة.. ضغطت على بطني بكل ما تبقى في من قوة فشعرت بالنَفس يندفع خارجا وبهواء بارد يتدفق إلى داخلي.. ثم تذكرت أنه لم يحدث شيء بيننا بعد.. تذكرت أني اكتفيت بمصافحتها احتراما لغربتها عني.. عدت لحالتي الطبيعية بعد دقيقتين، نظرت إليها في شفقة ورحمة، ذاك أكثر ما استطعت أن أمنحها إياه، ما كان لي أن أنزعج منها ولا أن أغضب منها.. ابتسمت لها وقلت:
– لماذا أنا يا ساندرا؟
قابلت سؤالي بنوبة بكاء، ضمت وجهها بين يديها وانحنت برأسها حتى لامست ركبتيها، ظلت تنتحب لدقائق، احترمت دموعها فما كان لي أن أقاطعها.. تركتها لحالها بالصالة وولجت غرفتي، أخذت مذكرتي وكتبت ما حدث، لم يكن غرضي أن أكتب ما يحدث لأنه كان بإمكاني أن أفعل ذلك لاحقا، لكني فكرت أن أكتب كل ذلك في صفحة منعزلة من مذكرتي لأقدمها لساندرا لحظة رحيلها، لعل ما أكتبه يصالحها مع نفسها.. لعل إنقاذها لي يعيد لها الأمل في حياتها التي تراها منتهية.. هي منتهية حقا.. لا أدري..
استغرقت في الكتابة لدقائق إلى أن شعرت بها تدخل الغرفة، ما كان لها أن تخفي حمرة عينيها.. جلست بجانبي فوق السرير، فأغلقت المذكرة بهدوء..
– آسفة.. لست سيئة..
– ولا أنا قلت ذلك..
– تحتاج أن أخبرك قصتي..؟
– لا أبدا.. أفهم معاناتك، لا حاجة لي في تذكيرك بأحزانك.. فقط أريد أن أفهم لماذا أخبرتني؟ لماذا حذرتني منك؟ لماذا لم تكملي مهمتك؟
– أحببتك.. أعرف، لم ولن تصدقني.. لم أحضر هنا لأؤذيك.. كنت أعلم أني لن أستطيع فعل ذلك.. كنت أعلم أني أضعف من ذلك.. كذبت يوم أخبرتك أني لا أفهم ما بين وما خلف سطور نصوصك.. نصوصك أوقعتني في حبك، نصوصك هي أنا.. تبدو مختلفا في زمن تشابه فيه كل الرجال.. كنت ألج كل يوم للفيسبوك لأستطلع إن ما كنت قد أجبت على رسالتي.. شهرين دون جدوى حتى قلت أنك ما عدت تبالي بالعابرات.. كنت أعرف أنك لا تحب العابرات إلا حين تضعف، إلا حين تسود الحياة في وجهك، إلا حين يتراكم بؤسك.. استغربت كيف أنك كنت سعيدا وبخير لمدة شهرين.. هل كنت سعيداً حقا؟
– هل للحب أن يهزم الموت، ساندرا؟
– وإلا ما كنت هنا..
عانقتها بشدة ومطولا، لدقائق خمس أو أكثر، لم نقل خلالها شيئا، اكتفيت بأن أنصت لنَفسها وربما كانت تنصت لضربات قلبي..
غادرت مبتسمة بعد أن منحتها ما كتبت.. قبل أن تختفي خلف الباب، لفت بجسدها نحوي:
– على فكرة اسمي ميساء..
– ميساء.. بسمتك أقوى من الفيروس..

السابق
أوجاعٌ مُزمنَةٌ
التالي
غِيرةٌ

اترك تعليقاً

*