القصة القصيرة

في البدء كان الوسخ

.. صعد بين اغصان شجرة كبيرة، بعد عناءٍ من مجهودٍ اوشكتْ طاقته على النضوب.. اسند ظهره الى احد الاغصان الافقية، ومد رجليه بين اخرى. وحاول ان يتمدد فوق جذع الشجرة، بين فروعها.. الظلام لحنُ وحشةٍ غامقة على لسان ذئب يعوي.. النجوم عين جاحظة لاتبصرُ، في جفن سماء سوداء.. طنين الزيزان الآلي، الرتيب، يسمعه كما جرس بابه، فجر الليلة الماضية، الذي لم يخرس إلابعد ان فتحه، كما تخرس الزيزان بعد ان يفتح النهار مصراعيه على الليل.. وحين فتحه لم يتفاجأ، لانه ابصر من كوة مراقبة صغيرة، قائد فرقة الدرك ومرافقه يقفان، شاردين، قلقين، تحت ضوء شرفة الباب.! وادرك سريعا انهم مستعجلون في التضحية به، ككبش فداء، كي تصان الشبكة ولا تهترأ خيوطها، ولن يمنحوه مهلة ان يساوم اكثر.! لم يكن خائفا من دخول السجن، لانه كان يعرف انهم قادرون على توفير اقامة هانئة في السجن كما في فندق ذي نجوم.فقط كان يريد ان يساوم اكثر، وان يرتقي في درجات الشبكة والغنى اكثر.. لكنهم لم يمهلوه، ولن يهملوه..فبادروا الى القبض عليه، دون اتفاق مسبق، مما سيمكنهم من حجز كمية كبيرة من الحشيش..! ادرك اللعبة سريعا، وادرك معها انهم غاضبون من مساوماته، ولن يرحموه هذه المرة، هو الذي لايملك شيئا يواجههم به..! لكنه فتح الباب، وتصنع ابتسامة هادئة، وعبارات مرحبة. لم يكن وجه الضابط ومرافقه غربين عليه، فلطالما تبادلوا الكؤوس والهمس والفلس. لم يهتم لاعتذار الضابط، وهو ينظر الى وجهه الباهت كما فتاة ضبطت رافعة رجليها في الهواء. كان يعرف انهما عبدان مأموران لن يترددا لحظة في وضع القيد في يده، رغم كل الاموال والانخاب التي اغذقها عليهم..دعاهما الى الدخول، وحين هَمَّ ان يغلق الباب، اسلم رجليه للهرب، في حركة فاجأتهما. لكنهما سرعان ما اندفعا وراءه..!
عدّل جلسته بين الاغصان الصلبة الخشنة. إلتفت لا إراديا على صوت سرب حجل فر مذعورا، تدفق الظلام الى عينيه كما الماء الى حلق غريق. رفع رأسه الى سماء نائمة ونجوم حالمة. ادخل يده في جيبه، اخرج علبة سجائر، ولم يجد الولاعة.. اخرج سجارة، ألقمها فمه، وراح يمضغها بعناد..!
لم تكن هناك اي امكانية لتذكر الولاعة، او الهاتف، او اي غرض آخر..وحين هرب لم يكن يعلم بوجود علبة السجائر في جيبه، كما لم يتوقع ان يضطر الى الاختباء خلف شجرة زيتون ضخمة في ضيعته الشاسعة، والى إلتقاط حجر.! كما لم يتوقع ان تصدر صرخة قوية عن احد الدركيين، ارعبته.. لقد اسقطه الحجر، واسقط الآخر في العناية بالمصاب، والانصراف عن ملاحقته..
كما لم يتوقع ان يبيت كعصفور شارد بين الاغصان، بلا عش..!
استمر يمضغ التبغ المر.. استمر احساسه بان الاغصان تلفظه كما جسم غريب.. استمر طنين الزيزان كصوت محرك في قاطرة الليل.. كما استمرت الصور المندفعة كما سرب الحجل المذعور في التدفق : سيارته الرباعية التي اشتراها حديثا. عمارته الجميلة. المقهى الذي يملكه، والبار الذي الى جانبه. مجلسه الى جانب ارقى المناصب والنياشين، في ارقى علبة ليلية. الابواب التي تفتح امامه برمشة هدب. صديقته الطبيبة التي كان يحذرها، مازحا، من مغبة ان تبنجه وتسرق منه عضوه التناسلي، لتبيعه في سوق الاعضاء البشرية. زوجته في عمارة ضيعته القروية. ابنه الوحيد الذي يكره اشد الكره ان يلمح اثرا لوسخ عليه، ولطالما صفع امه لذلك…!
قلّبتْهُ صورة ابنه بين الاغصان. صارت غصنا انغرز في قفاه، ورفعه الى الاعلى. همس لنفسه، غاضبا :
– لو تمكنت من حمل بندقية الصيد، لقتلتهما معا، لعيونك ياولدي. لاشيء في هذا العالم يجعل ضعلة من قلبي ترتجف، غيرك ياولدي.. وغير المال..!
مضغ التبغ بحقد اكبر.اسند راسه الى غصن، وراح مع صورة ابنه، محلقا الى زمن ابتعد بلا رجعة..راى نفسه طفلا يافعا، مشعثا من الفقر والغبار، يحمل محفظة مرتقة، يرافق صديقه النظيف، الغني بالالعاب والالوان، الفقير في القسم، لما كانت المدرسة مجالا مختلطا للاغنياء والفقراء، الى منزله الكبير، اللامع كما لو كان في خزانة من زجاج، ليشاركه مرسمه وآلاته الموسيقية. لكن اظافر اُمّ صديقه الملونة، الطويلة، وهي تجلس في حديقتها الملونة بالازهار والمسبح، منشغلة باهدابها ومرآتها، اظافرها التي امتدت صوبه كما رصاصة، تصاحب صوتا قويا، جافا، صائحا :
– من اين جئتَ بهذا الوسخ.!؟ ألا تسمع، لطالما قلت لك لاتصادق ابناء المزابل..! هيا، هيا، اذهب الى خربتك، ايها الوسخ، ولاتعد ابدا..!
استقرت الاظافر في صدره كرصاصة صدمة، خفض عينيه في ذل لم يشعر به من قبل. وما إن خرج من باب الحديقة، حتى انطلق راكضا كأن تلك الاظافر وذاك الصوت القاسي يلاحقانه..!
سعلَ بعد ان تسرب اللعاب الممزوج بعصارة التبغ الممضوغ الى حلقه.عدّل جلسته العالقة بين الاغصان، وهمس لنفسه :
– بعد تلك الواقعة انقلبت حياتي.إذ غادرت المدرسة نهائيا، وصممت على الانتقام من الفقر والوسخ.!لم يكن العمل المياوم الشاق الا اعادة انجاب للفقر والوسخ. لهذا اتجهت الى تجارة المخدرات. وكان الدرب ناجحا، إذ صرت ركنا اساسيا في شبكة كبيرة نافذة، وانتقمت للوسخ والفقر..! لكن هاهم يعيدوني الى نقطة البداية، لاجد نفسي كما سطل قمامة وسِخ،
على الشبكة ان تتخلص منه، قبل ان تنتشر رائحته النتنة، وتفضح الجميع..؟ هل قدري ان اولد في الوسخ والفقر، واصارعهما طول عمري، ليصرعاني في الاخير.!؟ أي قدرٍ وسِخٍ وفقير هذا..!؟
ألقم فمه سجارة اخرى، وصاح بصوت مسموع :
– وهل سيكون قدري ان انتهي على هذه الشجرة، كومة زبل من جثةٍ حقيرة، سيُأَبِّنُها الذباب…!؟

السابق
حرباء
التالي
بكاء بلادموع

اترك تعليقاً

*