القصة القصيرة

في الجون

صار منذ بضعة أشهر عصبيًّا، حادّ المزاج، يثور لأتفه الأسباب. ضحكاته الطفولية المجلجلة من القلب تاهت وضلت طريقها، صارت مجرد بسمات خرساء شاحبة ترتسم على شفتيه على استحياء، ثم تختفي كظل غاب عنه الضوء. لم تكن هذه ملاحظاتها وحدها. الأطفال أيضًا يتهامسون أنّ أباهم لم يعد هو أباهم: لا يسأل عن أحوالهم، يكلمهم بالقطارة، ولا وقت لديه لسماع أي منهم، غير أنه لا يزال يمدهم بما يطلبونه من مال…
تكاد تجزم أنّ في الأفق امرأة أخرى. لم تضع يدها على دليل إدانة ملموس، غير أنَّ غريزة الأنثى لديها لا تكاد تخطئ.
اعتاد أن يُفضي إليها بهموم العمل ويطلب مشورتها بصدق. وكم أسدت إليه من نصائح سديدة، شكر نتائجها بعد أن أخذ بها بأريحية. كان يعجبه سعة أفقها ويثني على حكمتها ورجاحة عقلها.
منذ فترة أصبح كتومًا، كمن فقد النطق أو قارب على فقده، منطويًا كطفل مصاب بالتوحد، وبات حديثهما أقصر ومن طرف واحد، فقد استبدل بالكلام الإشارات والإيماءات، وأحيانًا الصمت. كأنه لا يراها بعينيه، ولا يسمعها بأذنيه، ولا يعي حديثها بعقله.
تزوجا بعد قصة حب طويلة، تحدث بها زملاء الكلية على مدار أعوام الدراسة. انتظرته سنوات بعد التخرج، حتى أدّى الخدمة العسكرية كضابط احتياط، وافتتح عيادته الخاصة، رفضت من أجله الكثير من الأقارب، وزملاء العمل، والجيران، ومعارفهم. وتحملت من أجله اللوم والعتاب والتأنيب من الأهل والأقارب، والغمز واللمز من الصديقات.
حتى حان حفل زفافهما الأسطوري، فحسدتها عليه صديقاتها وبنات العائلة.
عاشا أعوامًا يرفلان في النعيم والرغد، يرفرف على عشهما الحب والسعادة، في جنة ليس بها شيطان، لا ترى عيناه من النساء غيرها، ولا يهيم قلبه إلا بها. فاجتازا العديد من الأزمات، وتعاونا على تذليل أصعب العقبات.
حتى الأطفال الذين يتوق لإنجابهم، تحمّل تأخر حملها بهم لسنوات، دون ضجر أو ملل. ما كان الأمر مصدر إزعاج لهما كما عند كثير من الأسر الناشئة، فلم يلمّح أو يصرّح بكلمة يجرح بها شعورها، ثم جاء الأولاد على تشوق بعد طول انتظار، فرشفا السعادة بهم أضعافًا مضاعفة، وراحا يتعاونان في تربيتهم، ويرسمان معًا ملامح مستقبلهم الواعد.
كانت أعقل من أن تطلق العنان لهواجسها، فلم تدفعها الغيرة الهوجاء إلى التفتيش في رسائله، أو التلصص على مكالماته، أو مفاجأته في مكان عمله، أيقنت أنّ المرء إذا أخفى أمرًا، فلا بد أن يظهر يومًا، ومهما بالغ في كتمانه، فستفضحه صفحات وجهه، أو فلتات لسانه.
لم يخطئ حدسها، فقد ساقت الأقدار إليها الحقيقة، على غير توقع منها، في صورة رسالة نصية قصيرة على هاتفه، بينما كان زوجها في الحمّام عقب عودته من يوم عمل شاق متأخرًا، عرفت منها أن مرسلتها المتيّمة ستنتظر، على أحر من الجمر، حتى مساء غد الجمعة، وأنها ستعد الثواني وليس الساعات، حتى يهلّ عليها القمر، ويتحقق حلم العمر.
تصنّعت الانشغال في المطبخ، فكأنها لم تر ولم تسمع، قدّمت الطّعام والشّراب بابتسامة خلابة، كان على غير العادة، مرحًا مبتهجًا، يطفح وجهه بالبشر، وتجلجل ضحكته القديمة التي ظنته قد نسيها.
أثنى على طعامها، تابع مباراة فريقه المفضل بحماسه المعتاد، وأبدى إعجابه بأداء بعض اللاعبين، بينما انتقد محاولات التسديد الطائشة، معللًا بأنّ هدف المباراة الوحيد جاء بتسديدة صائبة (في الجون)، هي أبرك من محاولات فاشلة عديدة خارج الشباك، هي ببساطة رغم جمالها مجرد مضيعة للجهد والوقت.
جاملته بلباقة. وبادلته مشاعره بلطف بالغ، ثم أويا إلى الفراش سعيدين.
استيقظ قبل الظهر بساعة طيب النفس، متلهفًا، فسبق إلى الحمام، ثم ارتدى بذلة فخمة، ورشّ عطره المفضل، فسألته في دهشة: إلى أين يذهب حبيبها في هذه الظهيرة القائظة؟
ضحك متهللًا، وقال وهو يتمطى في سعادة:
– سأصلى الجمعة ياحبيبتي، ثم أنطلق إلى المطار لتوديع بعض الأصدقاء، وقد أتغيب عدة…
لم يتم حديثه، فقد تناولت الحقيبة من يده، وهي تقول:
– يمكنك أن تعاود النوم إن شئت، فاليوم هو الأحد، وأصدقاؤك غادروا من أيام. بينما كان يحاول استيعاب كلامها، أردفت شارحة:
– بالمناسبة لقد اكتفيت هذه المرة بأربعة أقراص منومة في شرابك، أمّا المرة القادمة فستكون الجرعة قرصًا واحدًا (في الجون)، ربما لا تصحو منه إلا يوم القيامة.

السابق
كَنْزُُ
التالي
براءَةٌ..

اترك تعليقاً

*