القصة القصيرة

في الحديقة

الحديقة تعرف عشّاقها، تعرف من قام في الصباح وحنين الشوق يدفعه لنسيمة تعبر بصمت بين أغصان أشجارها، تعرف من دخل وعينه على بابها الآخر، يختصر مسافة خطاه. كلّما مطّ النهار بساعاته تزاحمتِ الأرجلُ في ممرّأتها الضيقة، هي حديقة صغيرة ، توسطتْ في زحمة البنايات الشاهقة ، والراقية، كجزيرة صغيرة مرميّة في عرض أحد المحيطات النائية. أشجارها تنوعت، ظل البنايات الخانق لنموها جعلها تبحث في الأعلى عن ضوء الشمس ، كالغارق يرتفع برأسه بعد جهد وعناء، يستنشق من الهواء ما يبقيه حيا ، وينتعش لديه الأمل في النجاة. أشجار السرو والصنوبر تفرّقت في أرجاء الحديقة، كالحارس يحمي ما صغر من الأشجار و الورود. الفيكس تنوّعت أشكالها، فهي أشجار ليّنة ، مطواعة، لكنني أكرهها، أكرها لونها البرّاق، وخضرتها الدائمة، كالضحكة المرسومة على شفاه عارضات الأزياء، بلا روح ، ولا معنى، أكره ذلّها العقيم، بلا زهر ولا ثمر. فما أعظمك يا شجر الصنوبر، لا تلين، ولا ترضى بحياة الظلّ، حتى ثمارك لا تنالها الأيدي، متمرّد، لك في الحياة بصمة.
حوض صغير، و نافورة ترشّ الماء للأعلى، تزيد للحن المكان نغمة جميلة، وحين تتوقف تشعر بالنشاز، فكل شيء في المكان يكمّل بعضه ، حتى ذلّ شجرة الفيكس له في العرض دور، هذه البطة التي تسبح لوحدها لم ترض أن يبقى الحوض فارغا، فرفيقتها تبحث تحت الأشجار عن رزق طمرته الأوراق، وهي تقدم رقصتها لأطفال وقفوا مبهورين برشاقة حركاتها ، تلتقط ما يُرمَى لها من أيديهم الصغيرة.
على مقعد اعتدت أن أجلس عليه، تحت نخلة الزينة الوحيدة في الحديقة، أتخذت جلستي المريحة، بسطت كلتا يديّ على ظهر المقعد، العين مني تسرق النظر لعشّاق المكان، أما العابرون الذين تسبقهم خطاهم فالعين ترفض أن تراهم. هذا شاب صغير مازال يحبو في الهوى، معه صاحبته تطرق على باب الغرام بوجل، حركاتهما، سكناتهما تنبئ بأنهما في أول صفحة من كتاب العشق… رجل و امرأة يجلسان بصمت، هل تعطلت لغة الكلام بينهما؟ هل كلّ مساحاتهما صارت مكشوفة؟ أشراع الكلمات الذي سيحملهما لشواطئ جديدة اهترأ، ولا مجاديف لحلم جديد؟. لعلهما يجلسان يستلذ كل واحد منهما بصمت، بأيّام خلت كانت لها في القلب طعم، ولذّة.
شيخ جالس لوحده، مُتّكئ برأسه على يديه الماسكتين بعكّازه، لا أعرف لماذا شعور فرض نفسه عليّ، بأنّ من قاسمته لذّة سنوات عمره سلكت طريق اللازمان، تركَتْهُ لوحده يتجرّع طعم الزمان المبتور، جاء هنا يسترجع لذّة الزمن المنقضي، علّه يكسر حدّة طعم المرارة، بعدما أُختيرتْ رفيقته لطريق طال عليه انتظاره.
يمرّ الوقت في الحديقة بصمت، كتسرّب الماء من بين أصابع الكفّ، تتساقط الساعات كتساقك الأوراق، فقدت دورها على الغصن فتهاوت. أقول في نفسي ألهذا وجدت؟ العمر نقضيه مرّة واحدة، ليس فيه دورة تدارك، لا مجال فيه للأخطاء، فكل خطأ نرتكبه يحيد بنا عن المسلك الذي خلقنا لنمشيه. من راقب خطاه، من تلمّس موضع الأقدام قبل وضعها، من عرف سرّ الطّريق الملتف خلف تلال السنوات القادمة، نجا بنفسه من مخالب الثواني حين تنهش ما تبقى من ستار الروح ، فتخرقها، وتهريها.
مالي أراني استكنت؟ أين تلك الأحلام التي قطفتُ ثمار لذّتها قبل النمو؟ كبرْتُ وكبرَتْ، تسامت في سماء أمنياتي، مدّت الجذر و الجذع، وتحت فروعها تفيأتُ، رسمت أياميَ القادمة بأجمل الألوان. لكنّ مركبها شطّ بي لموانئ بعيدة، غريبة، أرضها كالعهن كبّلتْ خطايَ من قبل المسير. لكنني كلما حاولت أن أكسر قيدي من سجن أحلامي، وجدت نفسي أزداد في الحلم يقينا، كلما نزفت روحي من طول انتظاري، ازددت في الحلم عنادا، صرت كالوعل في معلّقة الأعشى:
كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها…. فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
الحديقة لها في ذكرياتي ركن عامر لا ينهدم، عيني رأت حدائق كثيرة تنوعت في حجمها، وشكلها، لكن حديقتي المفضلة منارة في داخلي، مهما خطاي تنوعت خطواتها بين ممرات الحدائق، ترمي مرساتها هنا على مقعدي تحت هذه النخلة الباسقة، وإن عقمت ثمارها، فظلها يطعمني ثمارا بطعم السكينة.
الحديقة تعرفني دوما معها، نطرّز أوقاتنا بأجمل الضحكات، نجترّ ذكرياتنا البعيدة القريبة. أنا، وهي، نطير بجناح الأمنيات لعالم نرسمه كما نشاء، لعالم سحري، لا يقبل الأضغان، والأحقاد، والأعداء. نرسم حدوده، نلون بحاره، ونختار الشعب، والحكام. عالم خلقناه في داخلنا، نحكمه، يحكمنا. لكننا اكتشفنا أن هناك عالم آخر يخالف عالمنا، حدوده: صراع، وحروب، وبحره:حَرْقَةٌ، و غَرْقَةٌ، و حُرْقَةٌ. حكّامه شعارهم: ” ما أريكم إلا ما أرى” .
اكتشفنا أن هناك حياة أخرى غير التي نسجها خيالنا، أجنحة الأحلام فيها نُتفت ريشاتها، والضوء الساطع فينا، غيوم ما اكتشفنا من حياة خنقت شعاعه، صارت تتلاشى الضحكات، وملامح الفرح بقادم الأيّام من وجوهنا تغيّرتْ.
أيها المرميّ على المقعد لوحدك، كانت هنا معك، فرحكم فرح واحد، وحزنكم حزن واحد، الضحكة تجمعكما، الدمعة إن سالت في عين واحد منكما تناثرت في باقي العيون. لكنني الآن لوحدي، أراقب الأطيار في أوكارها، تفيق في الصباح، تلبس حريتها على الجناح، لتصبح لها السماء فضاء الانعتاق، و أبقى أنا هنا، على مقعدي مُمَسْمَرًا، لا حراك ، لا أحلام ، لا رفاق.
قررت أن أعيش، قررت أن أنظف مسارب روحي من الصور القديمة، أن أرمي كل الهدايا، وأحرق رسائل الغرام، سأبحث في هذه الشِّعَابِ عن مسلك يوصلني لحياة جديدة، كما سلكت هي قبلي مسلكا جديدا، تحررت من قيد ماضيها الذي مازال يقيّدني، ويأسرني.
استنشق الهواء، أشتم عطرا قادما أعرفه، غريب أنت أيها العقل المخبأ في داخلنا، إذا عشقت شيئاً، استحضرته رغم البعاد، استحضرت صوته، صورته، والعطر المفضل لديه… أحاول منه فكاكا، أشتت انتباهه بنحلة تنتقل بين الزهور، لتأخذ أجر تلقيحها للزهر أريجا تمتصه لتحيله شهدا مصفّى. كل ما في الطبيعة ، منظّم، مرتّب، متكامل. لكنّ ذاك العطر يزداد مني اقترابا. التفتُّ، رفعتُ العين لأرى العطر يحملها، ويزرعها وراء مقعدي كالسنديانة فارهة ، برقت دمعة في عيني، لأرى دموع من وقفت أمامي تغطي وجنتيها. نسيت كل ما كنت اعتقدت، بأنني قادر على كسر قيودي. آه…لله ما أحلى القيود، فالحياة بلا قيود، غيمة عقيمة تعبر صحراءنا، فلا ينمو للغصن برعم، ولا يصدح للطير لحن.

السابق
أوراق..
التالي
السرد الممتنع وفاعليته الدلالية في قصص الكاتب صالح هشام

اترك تعليقاً

*