القصة القصيرة

في القطار…

صعد عمر القطار المتجه إلى فاس….أخذ مكانه في مقصورة قرب النافذة …لم يكن وحده بل كانت هناك امرأة أجنبية في عقدها الثالث ..لم ترفع رأسها منذ دخوله ..اللهم تلك التحية التي تبادلتها معه …كانت منشغلة بقراءة كتاب يبدو من عنوانه أنها رواية …

أخرج عمر جريدة من تحت إبطه وراح هو الآخر يتصفح صفحاتها ….لا جديد يذكر ….اغتصاب قاصر من طرف فقيه المسجد…نشر لوائح المحتلين للسكنيات الوظيفية و الإدارية على الموقع الرسمي لوزارة التربية الوطنية…القبض على عصابة متخصصة في سرقة السيارات…إحالة رئيس المجلس البلدي على القضاء بتهمة اختلاس المال العام والرشوة والتزوير..حكايات عن ظهور المهدي المنتظر في بعض المناطق المغربية…تكتل مجموعة من الأحزاب ليست في حاجة للتكتل…دخول مدرسي ساخن … تنامي ظاهرة المخدرات بكل أنواعها في المؤسسات التعليمية…الإعلان عن فتح خط أخضر للتبليغ عن الغياب من طرف كل من هب ودب…دموع ندم وحسرة لوزير حال…

ما زال القطار يقطع الكلومترات تلو الكلومترات ،ومازالت المرأة الاجنبية تلتهم صفحات روايتها وتدون بقلم الرصاص ملاحظاتها على الهوامش ، وما برح عمر يقلب صفحات جريدته اليتيمة ،وكثيرا ما يكتفي بقراءة العنوان فقط ،وكان ،مرة مرة ، يختلس النظر إلى رفيقة مقصورته..وكل مرة كان يهمهم في قرارة نفسه :
لماذا انحصر الجمال على القارة الأوربية وحدها ؟ أما باقي القارات فهناك استثناءات فقط ؟…

الساعة تشير إلى الحادية عشر ،لم يبق إلا دقائق محدودة ويصل القطار إلى مدينة الدارالبيضاء…

نظرت المرأة إلى ساعتها ،وضعت روايتها في جيب معطفها ،أزاحت خصلة من شعرها الأشقر على وجهها ،فازدادت بهاء وجمالا ،وقفت و سحبت حقيبتها البنفسجية من الرف ،التفتت إلى عمر وهي تبتسم وكأنها تقول له : وداعا و يوم جميل…
ثم غادرت المقصورة….

توقف القطار بينما لم يتوقف عمر عن متابعتها عبر النافذة حتى اختفت عن نظره… ولم ترجعه عن وجهته تلك سوى تحية من باب المقصورة…

رد التحية بمثلها وهو ينظر فيمن ألقى السلام…ثلاثة شبان يحملون حقائب ظهرية ،واقفون على مدخل المقصورة …
قال أحدهم وهو يبتسم :
– مسموح سيدي ..
قاطعه عمر :
– تفضلوا فأنا وحدي …
أجاب الثلاثة :
– شكرا سيدي …
– العفو…

يبدو من خلال وجوهم ولكناتهم انهم ليسوا مغاربة ،وأنهم على الأرجح من المشرق العربي …كانوا في عقدهم الثالث أو تجاوزوه إلا قليلا..
ما زالت الجريدة في يد عمر ،جعجعة بلا طحين ، عناوين لا تتغير ،ومضامين لا تختلف ،فقط الأماكن والصور والأزمنة والأسماء هي التي تتغير…نظر إلى أصابعه ..ابتسم وهو يخاطب نفسه بقول حافظ ابراهيم:
جرائِدٌ ما خُطَّ حَرفٌ بها لغيرِ تَفريقٍ وتَضليلِ
يحلُو بهَا الكِذْبُ لأَرْبابِهَا كأنَّها أوّل إبريلِ
ثم استطرد هامسا :
– ثمنها لا يفي حتى بتغطية مصاريف إزالة حبرها من اليدين …

طوى الجريدة ووضعها بجانبه … وقرر ألا يقتنيها مرة أخرى…

تحرك القطار مرة ثانية ..صوته يختلف عن كل الأصوات الأخرى …نقراته كنقرات أحد البحور الشعرية المنقرضة التي لو عاش الخليل الفراهيدي لأعاد إحياءها وتفعيلها من جديد…
يبدو أن الصوت أعجب الشبان الثلاثة …أخذ أحدهم يدندن برأسه وينقر برؤوس أصابعه على ركبتيه و كأنه يقلد صوت القطار أو يتلو شعرا يتماشى و نقرات هذا الأخير…
ثم بدأت اللعبة…
الأول:
وحيدًا أنا أيها الشعب ، شعبي العزيز
ولكن قلبي عليك وقلبك من حجر أو فلز
الثاني :
زَنْبَقُ المُدْن، ورَيحانُ القُرَى قام في كلِّ طريقٍ وقَعد
الثالث:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

طلب الأول ،ذو اللحية القصيرة ذات الشعر الأسود الناصع ،من صديقيه الانتظار ،فتح حقيبته الظهرية ، أخرج منها علبة ورقية بها بعض الفواكه الطرية وقليلا من الفستق واللوز ….

أشار إلى عمر ودعاه إلى مشاطرتهم طعامهم ولم لا لعبتهم الشعرية…
اقترب عمر منهم أكثر ، أخرج هو الآخر كعكة أعدتها له أمه وقليلا من التمر…..تصافحوا و تعارفوا …وطن عربي واحد …ثقافات يكمل بعضها البعض الآخر…مآثر متباعدة زمانا ومكانا لكنها تتشابه بطابعها العربي الإسلامي الواحد …ملفات مطلبية واحدة ومظاهرات حاشدة واحدة …تعامل حكومي وأمني متشابه….

عمر وقد استحسن اللعبة الشعرية :
يرى الإشارة في وحي ؛ فيفهمها وَ يسمعُ الزجرَ منْ بعدٍ ؛ فيمتثلُ
الأول :
لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن
أنا حي خالد رغم الردى
أنا حر رغم قضبان الزمن
الثاني:
نفس أقام الحزن بين ضلوعه والحزن نار غير ذات ضياء
الثالث:
أمسيت حين لمستني بيديك لي ألف باصرة وألف جناح
عمر:
حتّى بَرَزْتَ لَنَا وَجأشُكَ ساكنٌ منْ نَجدَةٍ، وَضِيَاءُ وَجهك ساطعُ

واستمرت اللعبة باستمرار نقرات القطار …وكان يتخلل ذلك إما إشارة إلى مكان ما ،أواستفسار عن موقع معين ،او استحسان لأثر هنا وهناك ،أو ابتسامة لنكتة ما ،أو استهجان لموقف عربي ما من قضية عربية/إسلامية معينة…

الساعة تشير إلى الثانية عشر ،توقف القطار في محطة الرباط أكدال….نزل الشبان الثلاثة بعدما تبادلوا الشكر والاستحسان و التحية مع عمر الذي ظل جالسا وحيدا في مقصورته….ود لو مكثوا معه أكثر من ذلك …ولكن الرياح تسير من حيث لا تشتهي السفن….

تحرك القطار للمرة الثالثة …أخذ عمر ينظر من النافذة يتأمل الوجوه الآتية والذاهبة ..بعضها ناعمة لسعدها ساعية ،وبعضها مكفهرة لهمها غادية ، وبعضها لا هي من أصحاب اليمين ولا هي من أصحاب الشمال ، تذكر بعض آيات النعيم والجحيم ،استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ،و استرجى الله رب العرش العظيم…و ما كاد أن يشرع في قراءة ما تيسر من الذكر الحكيم، حتى دخل رجل في عقده الرابع أو يزيد قليلا أو ينقص قليلا ،قد أعفى لحيته ،وقص شاربه ، ووضع طاقية بيضاء على رأسه ،وارتدى جلبابا قصيرا كاد ان يصل إلى الركبتين ،ونعلا جلديا أسود …ورائحة المسك والطيب تفوح منه …سلم ثم جلس وذكر الله لا يفارق فاه ..

رد عمر التحية بأحسن منها ..أسند كتفه على النافذة وأغمض عينيه طمعا في قيلولة ….

خربشة …خشخشة …. حوقلة …. بسملة ….حنحنة …نحنحة…”ضغججة”…همهمة….”لحسسة”…”مصمصة” …كل الأصوات حركت طبلة أذن عمر و في وقت وجيز جدا…

فتح عينيه نظر إلى حيث تأتي تلك الأصوات….بقايا دجاجة محمرة و رقائق بطاطس مقلية وحبات طماطم صغيرة و قطع بصل أحمر وخبزة من الشعير … كل ذلك وضع على ورق أبيض ، والكل على جريدة كتلك التي بجانب عمر…ويد مقتدرة ،خافضة مرتفعة ،وكأنها في حرب ضروس محتدمة….

استوى عمر في جلسته …نظر إلى الرجل …نظر الرجل إلى عمر…تبادلا النظرات أكثر من مرة…

أخذ عمر الجريدة قصرا وذهب مباشرة إلى الصفحة الأخيرة لعله يجد فيها ما لذ وطاب من وصفات الأطعمة ….

انتهى الرجل من وجبة غذائه ،التزم بأداب أكله ،حتى أنه لم ينس أن يعلق أصابعه ويلحسها …ويحمد الله على نعمائه…

استوى هو أيضا في جلسته ،بعدما جمع كل نفاياته ورمى بها تحت مقعده…ثم نظر مرة أخرى إلى عمر وسأله و قد اختلطت رائحة المسك بما أكل :
– كيف هي أحوال الإيمان يا أخي ؟
– الإيمان يزيد وينقص ..وما أظنه إلا ناقصا هذه اللحظة…
رد الرجل وهو يداعب لحيته الكثة :
– صدقت …اللهم أجعلنا ممن يزداد إيمانهم في كل حين…لا سيما في هذا الزمن الذي انقطعت فيه الأواصر ،واستشرت فيه الأنا بكل تجلياتها وتمظهراتها…

لم يجبه عمر في أول الأمر وإنما وضع الجريدة في القمامة ، ثم حدق في الرجل وودعه داعيا له بمزيد من الإيمان إلى حد التخمة…و غادر المقصورة في اتجاه باب القاطرة بينما تناهى إلى سمعه شخير الرجل الذي غطى عن نقرات القطار…ابتسم عمر وهمهم في قرارة نفسه :
– شتان بين الشعر والشعير…

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
طنين
التالي
جريمة

اترك تعليقاً

*