القصة القصيرة

في النّبض قلاع مهجورة

” الشّتاء بارد على من لا يَملكون الذّكريات الدّافئة. ”
دوستوفسكي

أسدلت غالية السّتائر وأضاءت كلّ مصابيح البيت.
تظلّ ترعبها ظلال الوحدة كلّما لملمت الشّمس جدائل الضّياء وأقفر الشّارع من هديل أبناء الحيّ.
منذ سنين وهي تمتطي صهوة وحدتها، تضاجع الصّمت وتعتنق شريعة
الأبواب الموصدة في وجوه القادمين… لقد سكنها رهاب الفقد المرير.
ما كادت ترمي بجسدها على الأريكة وترتمي في حضن صفحة من كتاب حتّى علا رنين الجرس.
هبّت واقفة حائرة وجلة.. فما رنّ ذا الجرس يوما منذ حلّت بالحيّ.
عاد الجرس يناديها فجرّت خطًى تتعثّر بالسّؤال.. سألت:
– من بالباب؟
– أنا عمّك بشير العسّاس*
وقفت مشدوهة على ثغر الباب المفتوح في خجل..
مدّ لها العمّ بشير ظرفا وهو يردّد بتلعثم:” أرسله إليك المدير”.
أسرعت تفتحه. فغرت فاها وهي تُلفي بداخله دعوة إلى تلك الرّحلة.
ظلّت أصابعها تعبث بالظّرف، تتأمّل الدّعوة بعينين تاهتا في ضباب خلف خطى حارس المدرسة وهو يبتعد مردّدا:” الحافلة ستنطلق فجر الغد” وقد نسيت أن تشكره.
منذ أسبوع سمعت المعلّمين يتحدّثون عن رحلة ميدانيّة إلى قرية الأطفال فاقدي السّند. بعضهم يتذمّر من طول المسافة وآخرون يهلّلون لاكتشاف خبايا الوطن المنسيّة، وبعض آخر انجرفوا إلى حديث عن أولئك الأطفال في نبرات صوت لا يُدرك حروفها المشفّرة غيرها…
لا أحد منهم كان يعلم أنّهم يتحدّثون عن قريتها التي نشأت فيها منذ انتزعت الحرب منها عائلتها حتّى تخرّجها من الجامعة منذ سنين خلت.
فلا أحد يعرف عنها غير أنّها معلّمة عائدة من الخليج تركب سيارة الغولف الجميلة وتسكن بمفردها إحدى الشّقق حديثة المعمار، معانقة العزوبيّة والمال…
فما تخطّت جبال جليد الشّعور بالغربة بينهم يوما.
ولم تخض معهم في أحاديث الرّحلة قَطُّ.
ولم تكن تنوي مرافقتهم..
ولا أحد سألها إن كانت ترغب في ذلك.
لكنّها غرقت في أتون أسبوع من جمر الذّكريات وظلّت تتقلّب في لظى دقائقه وثوانيه.
تلك القرية كانت لها الأهل والوطن…
وكانت لهما في الوطن دار…
عشّش صرّار الحنين في نبضها…
أرّقتها ناياته الحزينة…
باتت تفترش حساكة الذّكرى وبها تتدثّر كلّ مساء.
مشهد من مسرحيّة عمرها الأوّل يأبى أن يتزحزح عن شاشة فكرها. يجالسها، يشاطرها المائدة والفراش والنّوم، يلاحقها حتّى وهي تصحّح دفاتر الصّغار فيندسّ بين الحرف والحرف، وذات هدأة قلمها يطلّ عليها مباغتا مشاكسا مبعثرا حبّات فكر كانت تنظمها عِقد معرفة لدرس جديد، ساكبا في حلقها مذاقات العسل قطرات قطرات…
و”ختمت يا بن عروس…”**
هاهم يدعونها إلى رفقتهم، إلى أوبة إلى الدّار الوطن، وهاهي بوّابات الذّاكرة تنفتح على طوفان حنين لا تعلم متى يهدأ مدّه.
لم تعلم كم ظلّ يسندها ضلع الباب المفتوح خجلا من شواردها الحارقة العذبة…
انتزعتها من شرودها قرقعة خطوات نسائيّة تصعد الدّرج فدلفت إلى الدّاخل تجمع ما انتثر من ذاكرتها، تهدهده، تسأله هدأة عساها في قناني الصّبر تسكبه، لكنّه يتعصّى، يلجّ، يفرّ إلى زوايا البيت، يعشّش فيها ويمسي هواء معتّقا تتنفّسه فتثمل به ولا تقوى على فعل أيّ شيء…
تمتمت غالية وخدر يسري في أطرافها:” الحمد لله أنّ غدا عطلة.”
وارتمت في الفراش خدرة كعاشق بعد وصال، دون أن تتناول عشاءها. لكنّها ما نسيت ضبط منبّه السّاعة على الرّابعة صباحا.
قضّت ما مرّ من اللّيلة في نوم متقطّع.
استيقظت قبل رنين جرس المنبّه. ظلّت متردّدة تقرع الحيرة طبول التّسآل فيها:
“هل ترافقهم؟
الأفضل عدم الذّهاب…
والدّعوة؟
إنّ عدم تلبيتها خذلان لمن اقترحها…
لكن من تُراه شاء أن تشاركهم الرّحلة…؟”
شردت خلف السّؤال قليلا ثمّ أخرست صوت الجرس الذي بدا خمولا وهو ينتفض يخال نفسه يوقظها وهي قد أنهت استعدادها وظلّت تنتظر منبّه الحافلة مجالِسَة ذاكرتها الموؤودة تحت كثبان سنين خَلت.
تقلّبت نظراتها بين عقارب السّاعة والنّافذة المندسّ بلّورها في عتمة اللّيل. داهمها ضجر وجرس الحافلة لم يقرع سمعها بعدُ. تمتمت:” لمَ عساهم تأخّروا…؟” وتاهت خلف تخمينات طفقت مخيّلتها الخصبة تزقّ بها فكرها الثّمل بعدُ بارتشافات النّوم القليلة التي ظفرت بها من ليلة طالت كثيرا..
آلمتها رقبتها فاسترخت في الفراش تدندن مع المذياع الصّغير “راجعين يا هوى راجعين..”
كانت الحافلة مزدحمة…
أصوات المرافقين تتنافس علوّا كأنّهم ناموا دهرا واستيقظوا مشتاقين لرنين الكلمات.
وحدها كانت تعانق الصّمت.
ووحدها كانت بلا جليس يشاطرها ضجيجهم.
وكم تبدو الطّريق بلا رفيق طويلة، وكم ازداد رفيق نبضها في النّبض لجاجة فاحتمت من حرائق الشّوق التي ألهبتها بالاندساس في حضن غفوة تمكّنت من استراقها من زخم الأحاديث والضّحكات والأغاني.
بعد مضيّ ساعة خالتها عمرا استيقظت غالية فزعة على جلبة…
أسرعت تشدّ بيدها على صدرها وجل رفرفة قلبها خارجه.
ابتسمت…
لقد كان الرّفاق يهلّلون لبعض القرويّين المارّين من الطّريق.
أطلّت من النّافذة وراحتها لاتزال متشبثة بصدرها ثمّ شهقت:”آآه… لقد وصلنا إلى قريتنا المنسيّة…”
مثقلة باختلاجات خافقها غادرت الحافلة.
تمتمت:” هل كان عليّ مشاركتهم هذه الرّحلة…؟”
كالغريبة تفحّصت عيناها المكان، بنظراتها المشتاقة لعقت أرجاءه توقا إلى ظفر بذرّات شهد فرح كتلك المعشّشة في فؤادها.
ركامات السّنين تهاوت أمامها ككثيب رجّته رياحٌ، وذرت عواصف الذّاكرة آخر حبيباتها العالقة بجدران الغياب.
شهقت وقدماها تلجان غرفة مفرغة إلّا من بعض طاولات مهترئة، غرفةً كانت فيئا لروحيهما الغضّتين كلّ مساء حين يؤوبان والصّحبَ من قاعات الدّرس إلى حوارات لا تنتهي وضحكات لا تنضب وأحلام تعرّش خمائلها سريعا، وسريعا تمتصّ رحيقها أفواه القدر …
هنا كان لها الأهل والوطن.
وهنا كانا يرسمان بالمنى على ضباب الغد عُمُد الدّار…
تغرغرت بالوجع، اختنقت، مدّت يدها إلى قميصها تفكّ الزّرّ العلويّ ونظراتها تتكسّر على جليد المكان…
رسم على رسم تراءت لها زوايا دارهما.
لملمت أوجاع خطاها العائدة بعد غياب ومضت تهدهد الجدران الخالية منهما، جدرانا تكفكف دمع الشّوق خلسة عن العابرين، أنّاتها تسري بين الآجر والجُلّيز ترنو إلى منافذ الحلم في عودتها وحيدة تجرّ أذيال الحنين.
هناك رأته…
في مفترق الدّرب كان ينتظرها، يصغي إلى ترانيم خبب لهفتها على الطّريق القديمة، يعدّ خطواتها إليه، يدندن:”بيننا حرفان وهمسة وبعض غيث قدر…”
وأجدبَ مفترقُ ذاك الدّرب ذات خطوات عجاف…
والحرف بات ساجدا يستسقي مُزن الهمس قطرا.
توقّفت.
كم بدا لها كسراب ذات قيظ، كلّما ازداد التّداني زاد التنائي…
شرقت بالحنين…
خذلتها حروف النّداء، توارت عنها الجمل ساخرة، ندّ عنها في غياهب الصّمت صوت مشروخ.
تلظّت الرّوح ظمأً…
رفرفت إليه في زوايا الدّار على جناح شوق أضناها طول لياليه…
ارتمت في فيئه…
رفعها طيب ريحه نحو الذُّرَى…
قطفت من نجوم الوصل باقات…
اعتلت صهوة القمر…
أرسلت جدائلها على أهداب الشّمس…
تدثّرت من برد الغياب بأبراد حضنه المشرعة أبوابه لها ولَهًا…
افترشت غيمة الحلم…
رفعت يدها عاليا إلى بواسق الفرح تنشد رطبها. ..
لوّحت بمنديلها مودّعة هواجر الحنين على ضفاف لقيا….
فجأة تناهت إليها أصوات الصّحب وهم يلجون الغرفة، يتفحّصونها، يتجادلون حول النّسيان المعشّش فيها.
صفعتها الحقيقة، وحدها هنا وعيناه في نبضها لا تريانها.
عصفت بها رياح القهر…
وابل رماها من عليائها إلى الوهد، وعلّقه هناك كمشنقة للأمنيات على ذروة جبل الغياب…
تلقّفها من وهاد شرودها صوت آت من خارج الغرفة:” أعتذر جدّا عن تأخّري… هذه ضريبة النّقل العام، تأخّرات بلا حدود…”
تحرّك الجمعُ تجاهه فجرّت أسمال خطاها خارجا تقفو خطاهم وقد خلّفت ذكراه وفؤادَها على المقعد المهترئ روحين تتلجلجان، لا هذه تصّعّد ولا تلك تتهاوى…
وفيها امتدّ على هشيم الوصال حريق مجنون.
التفّوا حول صاحب الصّوت.
قامتها القصيرة حجبته عنها، فأسندت ظهرها إلى الجدار تتابع ترحيباته بهم وهي تتساءل:” من تُراه؟ لا يبدو صوته غريبا…”
علقت نظراتها ببلاط البهو وهي تشحذ ذاكرتها…
تلك البحّة تشبه بحّةً تيَّمَتْها لكنّ هذه الخُنّة تنأى بالصّوت وصاحبه بعيدا عن تخوم ذاكرتها.
وتاهت عن الصّوت وكلماته خلف حيرتها حتّى تفاجأت بمرأى يد تمتدّ إليها مصافحة و ضحكات بعض رفيقاتها تفتضّ صمتها.
مدّت يدا مرتبكة وقد التهبت وجنتاها خجلا حاول المشرف على الرّحلة تخفيفه قائلا:” إنّها زميلتنا الوافدة حديثا إلى المدرسة لذلك تبدو خجولة…”
لكنّ صاحب اليد المصافحة أجابه:” بل هذا طبع ألفه فيها كلّ من عرفها…”
كسا الوجوه استغراب، وتشرنقت نظراتها إلى وجهه حيرة ثمّ فغرت فاها وابتسامته تفتح بوّابات الوصال…
شهقت:” فؤاد…؟”
وبصوته الرّصين أجاب:” أجل.. هو أنا.”
وبحركة سريعة وضع يده على كتفها وهو يقول لهم:” كنّا معا منذ العمر الغرّ لكنّ صروف الحياة باعدتنا…”
ثمّ أشار إلى أن يتوجّهوا إلى قاعة الاجتماعات مومئا إليها وهويدفع غالية بلطف لتجاري خطاه، فاندفعت كخيط حرير يحمله نسيم ثمل على صدر نهر حالم.
مذهولةً جلست بجواره وفي النّبض يمّ هادر بموج التّيه بين الفرح والحيرة، والعيون حولها تتفحّصهما بصمت وبعض وشوشات، وهو يكرّر ترحابه بهم ويعرّفهم إلى تاريخ القرية وأهدافها وأسباب التّدهور الذي طالها، فأدركت أنّه المدير بعد أن حال شرودها دون تبيّن ذلك حين كان يرحّب بهم في البهو.
ثمّ بات ذهولها أشبه بالوجوم…
وكأنّ فؤاد لاحظ ذلك فسعى إلى عدم إحراجها بتوجيه الخطاب إليها وتركها تتابع أطوار التّجوال كما شاءت معانقة جليد الصّمت. حتّى أثناء مأدبة الغداء التي أكرمهم بها لم يتبادلا غير بعض كلمات رغم أنّه لم ينأ عن حذوها.
كانت ابتسامته العريضة مرجا يمتدّ على محارق اشتياق ألهبها طول سنين البعاد…
ندّت عنه تنهّدة وهو يجذب كرسيّها وهم يغادرون المشربة متوجّهين نحو الحافلة.
سمعت تمتمة كصمت:” كم ظللت أبحث عنك منذ عدت من فرنسا حاملا شهادة الماجستير في علم نفس الطّفل تثقلني دنان حنين إليك وإلى دارنا، حتّى منّ القدر عليّ بأوبة إلى القرية مديرا فتيسّر لي درب لقياك وأنا أقرأ أخبارك في دفتر بياناتك بأرشيف القرية.. آآآآآآآه من حرّ التّوق إلى لقياك يا غالية…”
ظلّت تراه طيلة اللّقاء يبتسم..
ما كانت تعلم أنّه طلب من المدير مشاركتها في هذه الرّحلة، وكانت ابتسامته تتّسع أكثر فأكثر وهو يتلقّى من الجمع ابتسامات وهم يخالونه يلاطفهم..
طفق يودّعهم شاكرا وغالية تغرق في أتون فراق كصبيّ طال رضاعه آن الفطام يتوق إلى صدر أمّه وتُجفله نظرات جليساتها، حتّى تناهى إليها صوت المشرف على الرّحلة قائلا:” هل ستظلّ تنتظر القطار…؟ تعال رافقنا مادامت وجهتنا واحدة.”
وتعالت أصوات أخرى تساند دعوته.
ثمّ سمعت الصّوت المبحوح يردّ شاكرا:” جازاكم الله خيرا… لكنّ المسافة طويلة ولا أخال في الحافلة مقعدا شاغرا.”
فقال السّائق مقهقها:” من حظّك أن تخلّف مدير المدرسة بسبب مرض ابنه.”
فقبل فؤاد دعوتهم وصعد إلى الحافلة.
عاد الجميع إلى مقاعدهم.
وغالية عادت إلى مقعدها حاملة في جرابها نايات فرح وإلى جوارها جليسا حبيبا.
اندسّت الشّمس في حضن الأفق الزّهريّ.
اندسّت غالية في مقعدها ضامّة خافقها الشّادي…
غرق الرّفاق في بعض همسات ثمّ في سكون المنهكين من يوم حافل.
غرقت غالية وفؤاد في ضجيج النّبض اللّجوج يرهقه صمت مثقل بوابل بوح طمرته ركامات سنين البعاد…
الحافلة تلتهم الأميال بشراهة يطربها صوت فيروز مدندنا:” بَعدك على بالي”
وغالية تلتهم السّؤال تلو السّؤال بصمت ونظراتها ترحل خلف زجاج النّافذة مفتونة بالغروب وقد انتشر في ثنايا روحها الضّياء…
طربت لرائحة نيسان آن الغروب ناثرة لحن الولادة والموت معا يتمازجان في قَطر العمر…
أذهلها أن تكتشف روعة نضار يكسو ضفّتي الطّريق ما انتبهت إليه صباحا، غابة تمتدّ كبحيرة على أديمها يعرّش البابونج والأقحوان وتمتدّ سيقان السّنابل الذّهبيّة المثقلة وُعُودا وبين جدائلها تنساب حكايات قديمة …
همس لها خافقها:” إنّه سحر ذا الوصال العذب وانتشاء الرّوح…”
قبالة صورته المنعكسة على زجاج النّافذة تسمّرت عيناها، تأمّلت تعرّجات القلم في يده وهو يخطّ أسطرا على دفتره كالغائب في محراب الصّلاة لا يعي ما يدور خارج ابتهالاته.
في الوريد لاحق النّبض النّبض بلا هوادة…
مرّرت بصرها على ذقنه الحليق.
تلظّت وَلَهًا ففرّت خارج الوجه…
تمتمت:
“طال الغياب …
اعشوشبت ركامات رواسب الصّبر على كاهلي…
عميقا امتدّت جذور الحساكة في طبقات تمازجت ألوانها ومذاقاتها…
أوثق الأديم خطاي وصرخة الوجد باتت صدى…
أعدال أحلام ألقمْتَنيها فرّت منّي إليك…
أنّى للهبة أن تشتاق إلى واهبها…؟”
تسلّلت نظراتها إلى شعره.
استعر خافقها وجزز ثلج تتربّع على مفرقه.
ودون أن تدري كيف تمرّدت الكلمات على صمتها سألته:” أيّ همّ سقاك كؤوس الشّيب…؟”
على البلّور اللّاثم ظلال المساء المغيرة على الأفق تلاقت نظراتهما…
وفي العيون المبحرة في عباب الذّاكرة دوما مُزْنُ صمت وعويلٍ وشرانقُ بوْح كسيحةٌ فراشاتُها الوليدة.
أشرقت لحظة تيه في ابتسامة طفوليّة تظلّ تسحرها، والفكر مرتحل في عربات الحنين، وامتدّ الصّمت ثقيلا خانقا. ثمّ سمعته يهمس:
“من رحم حرائق الشّوق تناثر زهر الثّلج في نضار الشّباب واشتعل الرّأس بجزز الجليد…
للشّوق إليك في روحي التهبت عمرا مجامر اغتراب، فلا تعجبي…
وكم طالت غربتي عنك أَخَفْقَتي الموغلة في الارتحال فيّ…
كطيف السّراب ظللتِ تعبرين خطاي في دروب الغياب…
تطوين الدّروب فيّ وتطويك…
أستحثّ الخطى لتحملني إليك فتجمحُ بي إلى غير خيمتك…
ما فتئت عيناك المبحرتان في قفاي بلا انتظار ترهقانني، وغيمتك الحبلى بحلم وصال تُمسي عقيم..
مثقَلة أجنحة الحنين التّائهة فيّ إليك على شفتيّ المقفلتين على أجراس الصّمت الوليدة…
ظللت أراك فيّ تجدّفين إلى جُزر الحزن الملطّخة بأنين الحُبّ المنتحر على مذابح الفقد…
وعاجزا كنت أراني أتحسّس دربي إليك في الذّاكرة المجنونة، أغافل عيون الدّهر الرّقيبة…
يُرهقني طيّ الزّمان وأشرق بالاشتياق.
أتغرغر بنا حيث كنّا جذرا ينغرس في جبين العمر المنسيّ، يمتدّ في ثراه، يتوق إلى انطواء ضفّتيْ الأديم الحالم عليه تبشّرانه بميلاد ربيع لا ينجلي…
وما تَعبتُ من التّعثّر بأذيال شوقي إلى عمر يجمعنا ونصال عمرٍ تذبّه، تبدّدنا، وأهداب آخر بالحلم تلملم فتات ما تبقّى من حنيني فتشكّله جمرة تلتهب مضيئة سبل الوَلهِين التّائهين في دروب الارتحال، فسلكت درب الباحثين عن منافذ الرّوح إلى شهد الحياة، والتقيت عبق خطاك هناك فسهرت ليالي أخطّط لهذا اللّقاء المنى…”
وتعانقت نظراتهما على زجاج النّافذة.
همس فؤاد:” رتّبت لقاءنا اليوم هدية عيد ميلادك… كلّ عام ونحن معا لا صروف تفرّقنا…”
اتّسعت حدقتا غالية… لقد نسيت أنّ اليوم هو عيد ميلادها.
إلى غمام الوله ارتحل خافقها جذلا…
همست:” هل للعمر أن يهبني من مُزن التّيم بك أكثر…؟ هل للصّروف سلطان على بواسق العشق فينا…؟ يا لجرابات النّبض المتّسعة للشّوق والحنين ووجع البعاد وشلّالات الوجد وأفق الوصال العجيب…”
تعانقت روحاهما وهما يعانقان الصّمت ويعتنقان مذهب الفرح بتجدّد الوصال بعد درب عمر أجدبه الغياب.
فجأة دوّى صوت هائل وضجّت الحافلة بصياحات ركّابها…
تائهة في ضباب الحيرة اندفعت غالية إلى حضن فؤاد تستتر به من خوفها…
تتشبّث به أكثر والحافلة تترنّح بالأجساد المتبلبلة ذعرا.
طق طق..
طق طق طق..
طقطقطقطق…

نطّت غالية قافزة مذعورة محتضنة وسادة…
كان الباب يرتجّ تحت قوّة الطّرقات…
هتفت:” من هناك…؟”
من خلف الباب نادى صوت:” الحافلة تنتظرك منذ ربع ساعة…”
ردّدت غالية :” أنا قادمة..”
________
*العسّاس تعني الحارس في اللّهجة التّونسيّة
**مثل تونسي يعبّر عن تفاقم الأمر

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
حـَاسد
التالي
زهو

اترك تعليقاً

*