القصة القصيرة

في عقلها صديقي..في قلبها أنا

انبلج ضوء يوم جديد وفي نفسي أماني أمس مازال عالقا داخلي، أو داخل ما تبقى من شظايا في..أرفع الغطاء من فوقي مترددا، ترفض عيني أن تُفتح ألماً، أشعة الضوء المتسربة من خلف زجاج النافذة أجبرتني على مغادرة السرير لافاً الغطاء حول رأسي..لا قدرة لي على استقبال أشعة الضوء قبل أن أرش بعض الماء فوق وجهي، هكذا اعتدت أن أفعل كل صبح يوم مشمس..خطوت نحو الباب لكني قبل أن أصله تعثرت بكومة دفاتر ورسائل وصور نسيت أني تركتها على الأرض قبل النوم، لم أكن أنوي تركها هناك ولا كان يجب أن أفعل لكني لم أفهم كيف هزمني النوم و أنا أعيد قراءة ومشاهدة الماضي..
تعثرت فوقع الغطاء من فوق رأسي، فتحت عيني مجبرا، أحسست بألم خفيف لكنه انجلى بسرعة، أو لعل تلك الصورة أوهمتني أني ما عدت أحس بالألم..كان يظهر نصفها فقط، أما النصف الآخر فقد غطته مذكرتي الرمادية..مددت يدي لسحبها دون أن أحاول الوقوف مجددا وكأني أحببت السقوط أو لعل وقوعي ذكرني بسقوط غير مشابه..سقوط في حضن من بالصورة ..أتذكر جيدا تلك اللحظة التي قررنا فيها أن نجعلها خالدة، اعتقدنا أن صورتنا معا ستكفي لتكتبنا معا للأبد، لحظة تأبطت ذراعي في مرح طفولي، رفعت قليلا قدمها اليسرى عن الأرض وتطلعت إلي بشوق وكأنها ترفض أن تنظر لعين الكاميرا، أو ربما كانت ترفض أن تنظر لعين صديقي الذي أمسك بالكاميرا..لم أكن لأتخيل لحظتها أني بعدها بسنتين سأمسك أنا الكاميرا لألتقط لهما معا صورة توثق لحظة زواجهما..
لم أنتظر أسفا، ولا انتظرت تفسيرا، ولا أنا طالبتهما بالشرح..فقط ابتسمت وتمنيت لهما حظا سعيدا، توجعت وانفجرت وصرخت رافضا، أجل توجعت وصرخت وانفجرت بداخلي فقط، لم تكن لي القدرة إلا أن أبدو متفهما، راقيا ومثقفا ربما..لذلك وجدتني مجبر على أن أحضر حفل زفافهما وأن أقبل طلبه وهو يسلمني هاتفه من أجل أن ألتقط لهما بعض الصور، لم تفارقني بسمتي ليلتها، كنت أوزع نظراتي بينه وبينها متظاهرا بكوني ثالث أسعد شخص بالمكان..تحملت كل نظرات الحاضرين الذين يدري بعضهم أثر الوجع الذي أحسسته لحظتها، تحملت همسهم أيضا، تحملت ذات الفستان الأرجواني وهي تخبر صديقتها ذات الفستان الأحمر عني، تخبرها عن الطعنة التي تعرضت لها، ثم تضحكان عاليا..أنظر إليهما دون أن تغادرني بسمتي، وأهز رأسي إلى أعلى وإلى أسفل، في سخرية وربما في ألم،مؤكدا لهما ما تتحدثان عنه..
تزوجا قبل سنتين وها أنا مازلت أتعثر في صورها ورسائلها، مازلت غير قادر على قذفها خارج بؤسي..ولا أنا قادر على حرق أشيائها التي تبعث في دفئا كل ليلة..
أعدت الصورة لمكانها برف الخزانة رفقة باقي الأشياء التي تعثرت فيها، قذفت بالغطاء إلى فوق السرير واتجهت للحمام..نظرت للمرآة مطولا، محاولا أن أفهمني قبل أن أستحم، وقبل أن تجبرني المياه على أن أعود لواقعي الذي لا أحد فيه غيري..سألتني وانا أنظر للمرآة إن كنت مازلت غير قادر على نسيانها حتى الآن أم أني فقط غير قادر على نسيان الطعنة..لم أجد جوابا لذلك عانقت المياه..
غادرت المنزل صباح ذاك اليوم عند العاشرة والنصف، كنت على موعد بأحد المرشدين السياحيين القادم من مدينة طنجة، كان يحتاج مساعدتي في تعريفه بأهم المدارات السياحية بفاس لأسباب لها علاقة بتطوير وظيفته ..كنا قد اتفقنا على أن ألتحق به في الفندق حيث يستقر في حدود الحادية عشرة صباحا، ولأني وصلت قبل الموعد بعشرين دقيقة فقد قررت أن أنتظره قليلا بقاعة الانتظار وسط الفندق..
كان القاعة فارغة إلا من عجوزين أجنبيين، كل منهما يحمل مجلة، ويبدوان مستغرقين جدا في القراءة، لذلك فضلت ألا أزعجهما وانتقلت للجلوس على كرسي هامشي عند الزاوية اليمنى من قاعة الانتظار ، على بعد مترين من الجزء المخصص لاستقبال نزلاء الفندق، هناك وقفت هي بقدها البولوني، وشعرها المتموج القصير..هي؟هنا؟
انقطعت صلتي بها بعد زواجها وصديقي، كنت قد علمت منه أنها تشتغل مضيفة استقبال بأحد الفنادق غير أني لم أكن أتصور أن يقودني إليها القدر هكذا..تسمرت في مكاني لثواني محاولا أن أستوعب الموقف، فكرت في أغادر المكان و ألا أسمح لها برؤيتي لكنها لم تمنحني تلك الفرصة..
– أنت ؟
قالتها بصوت متردد، وبنظرة اندهاش..شجعني ذلك على الاقتراب أكثر..لم أفكر في مصافحتها..
– أجل أنا..أنسيت اسمي؟
– ماذا تفعل هنا؟
حاولت أن أجيبها لكني تذكرت أني لا أملك إلا عشر دقائق قبل أن أغادر رفقة المرشد السياحي..فما كان مني إلا أن أسألها الأهم..
– لماذا صديقي ؟
– اختيار عقل..
– ماذا كنت أنا؟
– اختيار قلب..
– وداعا..
ما كنت لأتخيل أن جوابها ذاك سيمنحني القدرة على أن أحرق كل أشيائها..وأن أعود للرقص كل سبت..

السابق
مليونير..
التالي
نصيحة

اترك تعليقاً

*