النقاش العام

في كل حرف إنجاز

إن الانهماك في الكتابة ليس أمرا طبيعيا ، منحة الكتابة لا تتأتى بالبساطة التي نعرفها جميعا ، أن تكتب يعني أنك تصنع إنجازا يخرج من أعماق روحك ، أن تستعمل مفردة جديدة أي أنك الآن في مرحلة الانغماس ، كل لفظ وصناعة لفظية هي بمتابة استخراج مدخرات غالية الثمن تود طرحها في سوق ربما من النادر جدا أن تجد من يحرص على تقديرها ووزنها بما يليق
المقصد من هذا الكلام ..أن الكتابة عالم ودنيا وحياة غير التي نحن الآن نعيشها .
هل تعلم لو أن السجناء استمتعوا بفن الكتابة وكانوا يمتلكون موهبتها .،لما عنى لهم السجن شيئا ..،ولو أن محكوما بالإعدام يعشق الكتابة ، وقيل له اكتب قبل التنفيذ بلحظات لما درى بنفسه أحي هو أم أنه مشنوق في عالم آخر يدون فيه بروحه .
ولو أن الناس جعلوا زادا يسيرا من حياتهم ، للكتابة ، وتزودوا بتصفية نفوسهم كلما شقت عليهم الحياة ، وتناوبت عليهم المحن ، بالكتابة ولو خربشة في دفتر خصصوه لدكان الحياة ، لهان كثير من الضغوطات .،ولتنفست في صدورهم المحتقنات ، ولشعروا أن للحياة خفة لا تستحق كل هذا العناء والوصب والتفكير والانشغال .
فكان ممن عرفت سالفا أنه كان يسلي نفسه الحزينة من مفارق له ناشب كشوكة انحرفت بها الطريق في صدره لا تبرحه ولا تفتأ تذكره بكل ما يقلق حياته ، حتى اتخذ من القلم ذريعة للنسيان والابتعاد ،فكان الحمل خفيفا والمصاب هينا .،واتسعت الحياة أمامه ورأى أنه كان يضيق على نفسه ويظلمها .،فسهل الله عليه وجعل له سندا لروحه؛ كان في القلم ولا شيء غيره
فبه يبثه همه ، وبه يبني حلمه ، وبه يحلق مع طموحه. وحده من يترجم آهاته ويفهم مكنوناته وهو أقرب المحبين الصادقين لنفسه.
وقد توثقت كثير من العلوم والفنون ، على مدار التاريخ منذ قدم الأمم وحتى اتساعها اليوم . منذ أن خلق الله الخليقة ويسرها على البسيطة ، تحرك ذاك الكائن وهو يفكر وفي كل تفكير له ينبثق إنجاز ؛فبين بحثه في أوجه الحياة وكيفية العيش بأمان واستسلام لكل ما ترتاح له نفسه ، وتألفه روحه ويميل له طبعه ، فمن رحلة البحث عن المكان ، ثم الاستقرار ، ثم السكن ، ثم التكوين والتنشئة ، ثم الفهم وفقه الحياة والوجود ، ثم كيفية استيعاب كل ذلك ، كان يحاول هذا الفكر المتحرك على الأرض بمنظومة كصندوق أسود فيه الكثير من المنغلقات أو الطلاسم التي تحتاج فك ترميزها . وبطبيعة الحال فإن الإنسان مخلوق يحب الاحتفاظ بجديده وإنجازه ، فصار يلح على الطبيعة ويتحايل كي يخرج ذلك الإلحاح في نفسه ، مالعمل ومالكيف ؟ فاتجه للصخر ناحتا قصته ، وللطين رأسما هيأته…ولم يكتف .،لكنه ظل يفكك شفرات ذلك الصندوق إلى أين يصير وهو على وتيرة وتفكير ، إلحاح يتسلط عليه ، يريد أن يريح نفسه من شيء يثقله .فالنقش على الحجر والمدر لم يشبع نهمه ولم يطفئ جذوته..حتى ألهمه الله للدواة والقرطاس. فكان للكاتب بينهم مهابة تصل حد القداسة من الحب ، وكان الكاتب لسان جموعهم وقبائلهم وعشائرهم ..ثم تطورت بهم الحال وصار الكاتب ديوان الدولة ، والمربي الذي يربي الناشئة ويعلمهم الكتابة والخط والقراءة ..،واتسعت رقعة الحياة وازدادت المنظومة .وفقه الناس جميعا ، أن للكتابة سلطانا تبلغ به الدول مبالغ العالم ، ومراكز الأبراج ، وساحات الشهرة .أن للكتابة سلطانا يبلغ مداه سيف السلطان . فكان ما كان للقلم وشأنه والكاتب وهيبته.

السابق
نصٌّ مُشَكَّلٌ
التالي
مغناطيس

اترك تعليقاً

*