القصة القصيرة

قال الراوي

ثمة حشود من الأفواه مفتوحة عن الآخر : ثقوب رصاص على حائط خرابة ، تميز منها السقف واللثة ،تقتحمها أسراب الذباب حرة طليقة ،عيونهم جاحظة توقفت رموشها عن الحركة. تلتهم الرجل تجرده من عباءته تكاد تتغلغل في تلافيف دماغه تعتصرها .لازال فيها ما تبقى من حكاية البارحة. دائرة غير منظمة مدحوة كالبيضة ،حركة عصافير تبحث عن مأوى هروبا من اجتياح العتمة . .الوجوه تتشابه و لا وجه يشبه الآخر ،وحده القادرعلى تمييزها، السحنة القمحية الجافة الموشومة ، تشي بتنافرهم في التفكير ووحدتهم في الوضع الاجتماعي،راقص عصاه ذات اليمين وذات الشمال عله يشد منهم الانتباه، وإن كان يعرف مسبقا أن فتح الكتاب يخنق في أنفسهم النفس .ترك جسده المتلحم يهوي فوق تلك الأريكة القديمة المتآكلة الجوانب: لم تكن لتتحمل ثقل مؤخرته المكتنزة ،يفتض صرير خشيباتها بكارة صمتهم، أمال عش اللقلاق جهة اليمين، واستوى على عرشه الذي يغوص في أعماق الرموز والاساطير، ييتجاوز مستوى الرؤوس ببضع سنتميرات ، يأخذ من تحت إبطه الأيمن كتابا قديما ، اصفرت اوراقه وتناثرت دون ترتيب، لم يكن يعير ه أدنى اهتمام ،نابت عنه ذاكرته في ذلك : كل لفة من دماغه بمئات الأوراق ،وكل ورقة بعشرات الأساطير والمعارك، حروفه اشبه بآثار وشم على ظهر يد قديمة، فتحه بتمهل وترو ، كأنه كنز من كنوز الأرض .رتب بعض الوريقات الشاردة هنا ، وهناك،لم تكن مرقمة ،او امحت بكثرة الاستعمال ،ربما الراحة القديمة أيضا تفقد بصماتها،لكن كل كلمة منها مفتاح لصفحة من صفحات كتابه الذي.تغلغلت سطوره في أعماقه منذ عشرات السنين !تمكن منهم الصمت : إلا تلك الصدور تعلو وتنخفض :عقارب ساعة مضبوطة تعد حركات الزمان اللامتناهي ،سعال مكتوم براحة اليد لضحية نزلة برد شديدة . إفراغ انف من مخاطه أو ابتلاعه حفاظا على هدوء المكان . لم يكن ذلك يعوق البداية .كلهم أرض عطشى تنتظر جرعة ماء. سحابة عابرة قد تمطر عندما تعز قطرة الماء .تتمدد الأعناق ، وتجحظ العيون من مآقيها وتبالغ الافواه في الانفتاح هذه المرة أكثر فأكثر.
-ياسادة يا كرام : البداية اليوم ، ستكون هي النهاية!
تعالت الأصوات:يا سيدنا عن اي نهاية تتكلم ونحن لم نبدأ بعد ؟!
-يا سادة :بداية اليوم هي نهاية البارحة أليس كذلك؟!
انتشلهم من عمق الفوضى و أ عاد مياه النهر الجامحة إلى سريرها.ساد هدوء ولفهم الصمت من جديد.تنفس عميقا تلاعب بشعيرات لحيته الثلجية ،مرر راحة يده من الناصية إلى أسفل الذقن وبحركات بطيئة متعمدة تعزف على أوثار
ضعفهم انشودة الشوق وتذكي فيهم حرقة السماع •يبسمل ويحمدل ويطيل هذا الاستهلال . لم يكونوا يرغبون في هذا الاستهلال الذي أصبح ينزل على آذانهم كالجلاميد ، فقد ألفوا سماعه لعشرات السنين، فلا بأس من حكاية بثراء دون تمطيط الوقت . فهذا الوقت الممطط حية سامة تعتصر قلوبهم ،وتخنق فيهم القوة على الصبر ! بصوت جهوري رنان محكم الأوثار ألفته هذه الحشود الغفيرة .
– يا سادة :في عمق ساحة الوغى و تحت صليل السيوف ، والرماح كأشطان بئر عميقة القرار ، وآثار النقع فوق الرؤوس ،ولمعان نصال الصوارم كبريق النجوم في ليلة صيفبة صافية تمكنت حشود فرسانهم من كبح جماح سيف أبي الفوارس ،وشل حركته فوق الأدهم ،فأصبح شيئا من أشيائهم وسيق أسيرا ضمن السبايا والغنائم تحت وابل من أشعارهم التي تغتال فيه الكبرياء وتلبسه عباءة الذل وتعفر وجهه في التراب .
– فقد أحدهم صبره وكانت الهزيمة شوك زقوم في حلقه لم يقو على ابتلاعه .صاح بكل ما أوتي من قوة :لا يا سيدنا هذا كذب هذا افتراء، ابو الفوارس لا يساق كالسبايا ،ولا يهزم ولا يؤسر لم تلد الدنيا كلها بعد من يقدر على أسره ، اسحب كلامك فأنا أشك في صحته!!.
-احس الراوي بزمام الأمور يتسرب من بين يديه كالماء يتسلل بين الأصابع ، و بامتعاض ملحوظ صاح: يا سيدي إن الحرب سجال ،يوم لك ويوم عليك ،فالغالب مغلوب والمغلوب غالب لا محالة وهذا هو قانون الحرب منذ أن وجد الإنسان نفسه مقحما في خضم الحروب والمعارك على وجه الارض.
-يا سيدنا :لا تقلها ، إلا أبا الفوارس فإنه عصي، قصي،متمنع عن الأسر . إياك أن تتراجع عن حبك لأبي الفوارس ،فإقرارك بأسره خيانة له و لحمزة البهلوان ،وللظاهر بيبرس ولأبي زيد الهلالي ولسيف دي يزن ،فما ألفناهم إلا متوجين بالنصر،فماذا دهاك اليوم يا سيدنا أتدري ما تقول أم أنك تهدي ،والهديان في حق هؤلاء يعتبر أكثر جرما من الجريمة نفسها !!
صاح الراوي يا سيدي : لا زلنا لم نبدأ بعد ، ربما سيأتيه الفرج ، سيخوض أتباعه المعركة ويتنزعون النصر من جديد ويفكون أسره ويوشحون هامته بدماء أعدائه.
عمت الفوضى تلك الساحة التي طوقتها الصناديق الإسمنتية من جهاتها الاربع ،وتعالى الصياح :أكمل، يا سيدنا ، أكمل، وسنرى ما ستؤول إليه أمور أبي الفوارس.فتحت قواميس الشتائم وتبادل شتى أنواع السباب .وأقسم صاحبنا برأس أمه وأبيه متوعدا ومهددا :
-لن تقرأ ولو سطرا واحدا من الحكاية وأبو الفوارس يرفل في سلاسل وقيود الأسر.فك يا سيدنا أسره . وبعد ذلك نتابع حكايتك المشؤومة ما رأيك ؟!
صاح آخر : ياهذا ما أبلدك ! ألا تدرك أن القفز على الأحداث ،يربك حركة الابطال ويخلط الامور ،ويضر بحبكة القصة ونفقد رأس الخيط ،ونتلف حركتهم وتضيع منا القصة بأكملها ؟!
-نتابعها، لكن بعدما تفكون أسر أبي الفوارس ،او تقرون بأن هذا مجرد افتراء وكذب !
تحول الشجار وتبادل الشتائم الى عراك بالأيدي، سالت فيه دماء البعض ،ووشمت الكدمات والرضوض كل الأجساد.استغل الراوي هذا التوتر و أغلق دفتي الكتاب وحمل أريكته وتسلل وسط جموع المتناحرين دون ان يلتفت خلفه ، اعترض سبيله احدهم وتمسك بتلابيبه قائلا :
-إلى أين يا سيدنا ،؟!
-إلى الجحيم يا ولدي ، إلى حيث أبو الفوارس!!
-لكننا لم نسمع منك حكاية اليوم بعد ؟!
-عندما تفكون أسر أبي الفوارس ! رويت لكم لكم كل حكايا ت الدنيا ،كل غرائب وعجائب الابطال. فمن سيحكي حكايتي أنا ؟! من سيروي غرائبي و عجائبي أنا الراوي ؟!
و غاص في عمق أدغال من الأجساد المهرولة في عجلة من أمرها.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
رصاصة في الهواء
التالي
رمزية الشخوص في القص التاريخي “قلبان في القفص”

اترك تعليقاً

*