القصة القصيرة

قتلها الحب

التقيتها أول مرة داخل غرفة صغيرة بأحد مراكز الشباب في مكناس، كنت حينها عضوا في إحدى الشبيبات الحزبية، كانت المناسبة ملتقى وطنيا لمناقشة واقع الممارسة السياسية عند الشباب المغربي.. ولملتقيات الشباب مآرب أخرى.. امتد الملتقى لثلاثة أيام لذلك كنت أراها باستمرار، فما كنا نغادر المركز إلا لاحتساء القهوة أو من أجل اقتناء السجائر.. جذبتني الشراهة التي تدخن بها دون أن يُنقص ذلك شيئا من أنوثتها المفرطة.. جذبني أيضا غياب الخوف في عينيها وإحساسها بارتياح مطلق داخل غرفة مكونة من أربعة شباب.. كانت وحدها الأنثى بيننا..
لم أحدثها كثيرا، فالسنوات لم تغير طبعي الخجول في حضور الغرباء، يزعجني أن أفصح عن نفسي لكل من يعبر حياتي، يعجبني أن أحتفظ بي لنفسي..
كنت الوحيد الذي لا يدخن بالغرفة لذلك وجدتها تسألني بتردد أفصح عنه تلعثمها الطفيف:
– لماذا لا تدخن عبد السلام؟
– لا تغريني السجائر..
– أفهم أنه تغريك المشروبات الروحية..
– لا مطلقا.. ملتزم أنا بطريقة ما..
اكتفيت ليلتها بالتمايل رقصا على النغمات المنبعثة من قيثارة صديقنا نورشيد، كان يجيد العزف باحترافية.. تلك الأغاني المغربية الحزينة التي كان يؤديها أضفت للغرفة حزنا لم يهزمه إلا دخان السجائر المحشوة بحشيش مكناس الرديء..
مكناس مدينة سيئة أيضا، تشبه فاس في كل شيء.. في بؤسها، في نفورها من الحب، في تبنيها للمجرمين، في ساحاتها المكتظة بالفراغ، وفي قاطنيها المختفية ملامحهم خلف أتعاب الحياة.. يتشابهان في رداءة الحشيش المسوق خلسة بين دروب الفقراء..
مرت الأيام الثلاثة مسرعة، وافترق الجمع، قصدت فاس رفقة صديقاي، وقصدت هي مدينتها بني ملال.. لم أكن أعرف عن مدينتها شيئا غير ما أقرأه عن كونها أجمل مدينة في المغرب..
لم تكن عضوا بالحزب ولا بشبيبته ولا بقطاعه النسائي، حضرت للملتقى رفقة بعض زملائها فقط لأنها تدرس بكلية المولى إسماعيل هناك بمكناس.. وجدتها فرصة لتقتل روتين الدراسة وأيضا لأن توقيت الملتقى كان مناسبا كونه جاء يومين قبل بداية عطلة الربيع.. لا تغريها السياسة لكن يغريها القانون الذي اختارت دراسته عن اقتناع تام..
كان هذا ما أخبرتني به في أول اتصال هاتفي جرى بيننا بعد مرور أسبوع عن الملتقى، أخبرتني أيضا أنها تكتري شقة لوحدها بالقرب من كلية الحقوق.. فهمت أنها تريد أن تعلمني بأمر تحررها من قيود الأسرة وقيود الرقابة الأبوية.. هذه الرقابة التي قد نفهم متأخرين أنها السبيل الوحيد للنجاة من مغريات كثيرة والتي مهما طالت ستبدو في الأخير قصيرة جدا.. آنية جدا..
نجلاء لم تكن أنثى عادية، كانت لها القدرة على أن تهزمك بالطريقة التي تنفث بها دخان سيجارتها، بالطريقة التي تنظر بها إليك، بالطريقة التي تضع بها رجلا فوق أخرى.. أنوثتها كانت طاغية وأنا كنت ضعيفا جدا.. لم تتردد في بوحها برغبة في ليلة نقضيها معا..
– سأكون محظوظا إن تعطرت بدخان سجائرك المنسم بأحمر شفاهك..
– لن أدخن في حضرتك.. أنت أرقى من دخان سجائري.. سأتعطر من أجلك ولن أحضر علبة سجائري إلى مدينتك حتى..
لم نلتق قط.. مر العام وبقي الشوق نفسه.. يتأجل اللقاء عند كل مرة.. لا أدري إن كان خوفا أعانيه من الغرباء.. أم أن الأمر مرتبط بغياب تلك الرغبة الكافية التي تجبرنا على اللقاء.. أنهت دراستها بالكلية تلك السنة ثم حدثت القطيعة.. اختفت نجلاء.. غيرت رقم هاتفها أو هذا ما كنت اعتقده قبل أن أكتشف أن الأمر مختلف..
عادت نجلاء بعد أن اختفت لأشهر تجاوزت العشرة، عادت مختلفة تماما، بروح منهزمة، وجسد أنهكته الحقن والعقاقير، أنهكته الإغماءات المتكررة، أنهكه الوقوع المتكرر فوق اسمنت الشوارع.. أنهكته علبتي السجائر التي تدخنها كل يوم..
– ماذا حدث يا نجلاء؟
– وقعت في الحب..
– الحب لا يفعل كل هذا يا نجلاء..
– كنت أتوهم ذلك أيضا قبل أن أقابله.. كنا مختلفان جدا، لكننا صرنا متشابهين جدا.. كان حساسا بقدر قد تفهمه أنت، يعشق التفاصيل وعلمني أن أعشقها أيضا.. كان مختصا بالمفاجآت.. يفاجئني عند كل حين.. تخيل أنه في يوم ممطر وبارد جدا، كنت مريضة يومها، ولأنه يعلم مدى عشقي للمثلجات في الجو البارد، وجدته يطرق بابي حاملا معه علبة من المثلجات التي أحبها.. كل شيء فيه كان يقودني لأحبه، أهداني دمية لم أكتف بحبها بل تبنيتها ابنة لي.. لكنه فجأة ودون مقدمات رحل.. خسرته ففقدت نفسي وما عاد شيء يهمني.. تجرأت فطردني والدي من المنزل.. ثلاثة أشهر قضيتها تائهة دون وجهة.. أنقذتني خالتي التي منحتني إحدى شققها لأقطن بها، وحده حارس العمارة كان يعتني بي ويحملني للمشفى كلما أغمي علي.. صار الأقرب لي في وقت اختفى فيه الجميع..
– لم أختف نجلاء..
– احتجتك في لحظات كثيرة ولكني فقدت هاتفي وفقدت رقمك.. صدفة أمس عثرت على حسابك بالفيسبوك وها أنا أحدثك.. أحيا بالأدوية.. أصبحت لا أعرفني، لا أريدني، لا أرغب في شيء.. أرغب فيه فقط، صرت أراه في كل الوجوه.. أطمئن نفسي وأقول أنه سيعود يوما لكنه لا يعود.. ربما لن يعود.. أجل لن يعود.. ألن يعود يا صديقي؟
– تعيس من أجلك نجلاء..
– لست هنا لتواسيني عبد السلام.. سأطلب منك شيئا فقط.. إذا علمت يوما بخبر انتحاري، أرجوك اكتب قصتي.. فلتجعلها بعنوان: “قتلها الحب”..

السابق
وحدة
التالي
رمز

اترك تعليقاً

*