قراءة في مجموعة قصصية

قراءة العتبات النّصيّة للمجموعة “أشياء الليل”

للكاتب طارق لحمادي

مقدّمـــــة
لزمن طويل ظلّ النّص المكتوب محفوظا بين دفّتي كتاب، ولا أهميّة ولا وظيفة لهما غير حماية الأوراق، ومنح الكتاب جسدا يقوى على الوقوف في رفّ المكتبة؛ إلاّ ما تعلّق بالنّصوص القديمة جدّا، فكانت تزيّن وتنقش وتطرّز من قيمة النّص ومكانته، كالكتب المقدّسة، والنّصوص الأدبيّة والتّاريخيّة القيّمة؛ ومع مرور الزّمن وتوسّع مفهوم النّص أخذ الوضع يتغيّر شيئا فشيئا نحو الاهتمام بالغلاف؛ بتجسيد شي من مضمون النّص عليه.
بداية كانت تقتصر على رسومات بسيطة باليد، ثمّ تطوّرت هذه الرّسومات واكتسبت مفهوما أوسع، وامتدّت لتشمل العنوان والعناوين الدّاخلية، التّجنيس، الصّورة على الغلاف، الزّخرفة، الإهداء، التّمهيد، الملاحظات، الاقتباسات، التّذييلات .. وعموما كلّ علامة مطبوعة تحيل على دلالة ما تحيل هي الآخرى بشكل أو بآخر على مضمون النّص؛ عدا فضاء النّص، ثمّ خصّت بعناية كبيرة، واهتمام فائق بعد الثّورة اللّسانية، لا سيّما بعد ازدهار السيميائيّة، وقد توسّعت الدراسات في ذلك وتأسّست كشطر مهم في السّرديّات.
ولعلّ أشهر من تحدّث في الموضوع هو ج.جينات Gérard Genette، في كتابه أطراس: Palimpsestes (1982)، وسّماها عتبات النّص :Seuils . ومفهوم مصطلح المناص: Paratexte، هو أحد المتعاليات النّصيّة الخمسة وفق جينات (التّناص، النّص الموازي، الميتانص، النّص اللّاحق، النّص الجامع)، والذي جعله شطرا من شعريّة النّص، وهذا المصطلح عرفت ترجمته اضطرابا كبيرا عند العرب، وأخذ عدّة ترجمات كالمناصصات، والنّص الخارجي، الموازي النّصّي، النّص الموازي، الملحقات النّصيّة ونحوه من التّسميات المتّفقة مفهوما المتباينة لفظا.
فالنّص فضاء والغلاف هو الفضاء الأوّل الذي يفضي إليه، والواقف عند الباب ليس مضمون أنّه سيلج ما وراء الباب، والفاصل بين الباب وما دونه ؛العتبة. العتبة كأنّها لعبة إغراء وإغواء وفتنة واستنصار بعلامات لغويّة وغير لغويّة يمارسها الكتاب الحاضر النّائب عن مؤلّفِه الغائب على القارئ/المتلقّي؛ ليلجه، الذي قد يقبل على النّص من تفصيلة صغيرة أثارت شعورا أو فكرة ما أو فضولا في نفسه، وقد ينفر منه ويزهد فيه للسّبب نفسه، وعتبات النّص مهمّة أيضا لدى الباحث أو النّاقد في فهم النّصّ وتأويله، أو تفكيكه وتركيبه، ولا يمكن بأيّ حل من الأحوال إغفال وظيفة ودور عتبات النّص في التّمهيد لفهم النّص، ومدّنا بالمفاتيح الأولى مباشرة كانت أو غير مباشرة في تفسير وإضاءة النّص، وتحديد خصوصيّته ومقاصده الدّلاليّة؛ سواء كان القارئ بسيطا أو ناقدا متخصّصا؛ لذلك كانت العتبات من الأهميّة بمكان، ووجب على كلّ كاتب أن يختار غلاف كتابه بعناية، ويطبع عليه من العتبات والنّصوص الموازية ما يحيل على فضاء النّص وتُـمثّله، فينفتح بعضه للقارئ/النّاقد.
وللعتبات النّصيّة مهمّتان أو وظيفتا، إحداهما تشتغل على الجانب البصري الفنّي من تنميق الكتاب وتزيينه فتستهوي العين، والأخرى على الجانب الّغوي والتّداولي فتستقطب القارئ وتغريه، ومادام هذا العمل محض اجتهاد دون العودة فيه إلى أي مرجع، فرأيي أن العتبات النّصيّة هي النّص السّابق فضاءً وحضورا تحت العين؛ وهو النّص اللّاحق زمانيّا؛كونه آخر ما استقرّ عليه المؤلّف من علامات لغويّة وغير لغويّة. وقد اخترت كأنموذج تطبيقيّ مجموعة قصصيّة جزائريّة؛ “أشياء اللّيل” لمؤلّفها طارق لحمادي للوقوف على عتباتها، ومحاولة قراءتها.

قراءة العتبات النّصيّة للمجموعة القصصيّة أشياء اللّيل
1ـ العنوان:
العنوان أهمّ عتبات النّص وأخطرها، كونه نصّا صغيرا مكثّفا، إيحائيّا، مختزلا، ملخّصا لنصّ كبير، وهو الأمر الذي لا شكّ فيه، قد يكون رمزيّا، أو مباشرا حقيقيّا، أو إيهاميّا غير حقيقيّ، أو ساخرا، أو ضدّيّا نقيضا للمضمون… وهو كلّ ما تحت عين القارئ من النّص، بريئ من البراءة والعفويّة والاعتباطيّة واللّاقصد، بحكم كونه آخر ما يستقرّ عليه الكاتب من نصّه، أو هو اختيار من بين خيارات أخرى رآى الكاتب أنّه الأكثر تمثيلا وإيحاء ومناسبة لمضمون نصّه. والعنوان هو النّص، والنّص هو العنوان، بحيث يصبح الحديث عن النّص بذكر عنوانه، كأن نقول: هل قرأت “الجريمة والعقاب” أو “مئة عام من العزلة”؟دون ذكر لأي حدث من أحداث القصّة، ولا اسم المؤلّف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجده يحدّد الاتّجاه الأدبي، كالرّومنسيّة، أو السّرياليّة، أو الواقعيّة، أو الخلفيّة الأيديولوجيّة والدّينيّة.. كما قد يحدّد لنا العصر؛ مثلما هو الحال في الكتب التّراثيّة العربيّة والكتب المحاكية لها بما فيها من سجع وتنميق وإيقاع مثل: “حديث عيسى بن هشام، حكاية العشّاق في الحبّ والاشتياق، بدائع الزّهور في وقائع الدّهور…”
وبمكننا ضم التّجنيس إلى العنوان باعتباره عنوانا إجناسيّا مصاحبا للعنوان المضموني، والكاتب من خلاله ينظّم وينظّر لخطابه ويصنّف نصّه بإدراجه ضمن جنس أدبيّ معيّن، وكلّ جنس له خصائصه وما يميّزه غيره من الأجناس الأخرى.
: العنوان مكتوب باللّون البنيّ الدّاكن على مساحة صوفيّة اللّون -بيج- بأحجام متناسقة منسجمة الأبعاد فيما بينها، من غير تمديدات ولا زخرفات، بخطّ بسيط تغلب عليه الانحناءات أكثر من الانكسارات، وهو يبعث بشيء من الاطمئنان والهدوء في النّفس.
عنوان مركّب تركيبا إضافيّا؛ صحيح من حيث الدّلالة اللّغويّة، أضيف “اللّيل” إلى “أشياء”، وهو بذلك اسم معرّف بالإضافة، وتعريفة لم يغنه عن الحاجة إلى ما يتمّم معناه، ورد ملتبس الإعراب بين نصب أشياء ورفعها، يمكن تقديره بـ “هذه أشياءُ اللّيلِ”، فيكون العنوان خبرا مرفوعا وعلامة رفعه الضّم الظّاهر؛ لمبتدإ محذوف، تقديره حاضر بين يدي القارئ، وهو ما حواه الكتاب، أو مفعولا به منصوبا وعلامة نصبه الفتح الظّاهر؛ لفعل محذوف يصعب تأويله.
أمّا العنوان الإجناسي؛ فهو قصص قصيرة، فالمؤلّف بتجنيسه لمؤلَّفه، تأكيد وحرص منه على أنّها قصص قصيرة وليس غير ذلك من جهة، وإخبار منه للقارئ أنّ كتابه قصص قصيرة وليست رواية أو مقالات أو قصص قصيرة جدا، أو شعر أو غير ذلك من الأجناس الأدبية؛ قبل ذلك من جهة أخرى؛ حتّى يتهيّأ لما سيقرأ ويستحضر خلفيّته المعرفيّة المتعلّقة بجنس القصة القصيرة.
“أشياء الليل” اسم مركّب سليم من النّاحية النّحويّة، لكنّ غياب الشّدة الذي قد يكون سهوا من دار الطّبع، أو من المؤلّف نفسه أربك جانبه الصّرفي، وأزعجني إسقاط حرف “اللّام” السّاكن بحذف الشدّة. وتساءلت: هل انتبه المؤلِّف لذلك؟.
عنوان لا جرس ولا إيقاع فيه، ولا تنميق بلاغيّ، إنّه مبدأ المؤلّفو لا شك، “الجمال يكمن في البساطة”.
“الأشياء” و”اللّيل” اسمان بينهما علاقة جزئيّة تضمينيّة، بموقع أشياء في محل المضاف، فهي جزء منه، واللّيل يتضمّنها ويحتويها بموقعه كمضاف إليه، بحيث لو قلنا “ليل الأشياء”، سينقلب المعنى تماما وتتغيّر الدلالة كليّا.
وأشياء جمع شيء، أي مجموعة أشياء هي للّيل، تابعة له على نحو ما، عنوان يثير الانفعال بكثيرا من الفضول والتّساؤل في نفس القارئ؛ ما هي هذه الأشياء التي هي ملك للّيل وليست للنّهار؟، ولماذا أشياء وليس شيء واحد؟، أجُمعت لأنّها من الجنس نفسه أم لأنّها مختلفة وتشترك في صفات معيّنة؟.. ما الذي يميّز اللّيل عن النّهار؟ أهي هذه الأشياء التي ضُمّت إليه؟
قد نفهم من لفظ “اللّيل” أنّ المقصود هو الظّلام، أو النّوم، أو الذّكريات، أو الأحلام، أو المخاوف، أو كناية عن واقع سوداويّ، أو حدث ما، مميّز يحدث فقط في اللّيل… أو بعضها أو كلّها أو غيرها. هذا العنوان يشبه الصّورة، فقد يتخيّل أحدنا أن اللّيل المقصود كائن غير محدّد الجسد، يقبض على أشياء، أو هو ينثرها أو يحرسها وفي كلّها هو صاحبها وهي منه، وتنسب إليه، ومن هنا فالعنوان مجازيّ والمعنى ليس حقيقيّا، يوحي إلى قارئه بالدّفء والخوف والإبهام في الآن نفسه، وبما أن الكتاب مجموعة قصصيّة؛ فالتّأويل الأقرب هو أنّ في كلّ قصّة شيء تابع للّيل، ومع هذه الاحتمالات والتّأويلات يبقى العنوان يتّسم بالغموض والمواربة، ومولّدا للفضول الذي يدفع بالقارئ إلى الانتقال إلى عتبة أخرى بحثا علامة تفكّ ما يبدو مستغلقا رغم ذلك الحجم الذي تتقاسمه كل من الشّاعرية التي تحيط به؛ واللّيل فضاء حالم وباذخ العذوبة للعشّاق، وذكر الأحبّة، وحجم آخر من الغنائيّة والحزن، واللّيل موطن تتقلّب فيه المواجع والذّكريات الحزينة.
2ــ الغلاف:
الغلاف ثاني أهم عتبات النّص، وهو أوسع العلامات التي تلتقطها العين، ولم يقع الاختيار عليه عبثا، فالذي صمّمه، وتخيّر وتقصّد العلامات التي يضعها عليه؛ إلاّ لأنّه توقّع أن يقع في نفس القارئ ما أوقعته تلك العلامات في نفسه هو؛ من جهة، فضلا عن كونه يفي بغرض تمثيل المضمون أو جزء منه والإحالة عليه.
الغلاف وجهان؛ أماميّ عليه العنوان، اسم المؤلّف، صورة، التّجنيس، رمز دار الطبع، ووجه خلفيّ كتب عليه نصّ، شريط التّرميز القضباني، رمز دار الطّبع. وهو بسيط مقارنة بأغلفة معاصرة أخرى، وقليل العلامات نسبيّا.
أ ـ الصّورة: أهم العلامات البصريّة ؛ لكون الإنسان يجنح إلى المشاهدة والمعاينة أكثر منه إلى القراءة والفهم، ولأنّ حاسّة البصر مستقبل للرّسائل البصريّة عن طريق العين، ثمّ تأتي مرحلة الفهم بتفسير وتأويل الرّسالة.كما أن قراءة العلامات اللّغوية تتطلّب بعض الجهد مقارنة بقراءة العلامات البصريّة، لأنّ الإنسان يبحث دائما عن دائرة الرّاحة، ويتّجه نحو الأسهل والأكثر أريحيّة.
الصورة على الغلاف وسط الواجة تماما، تحتلّ ربّما ربع المساحة، محدودة بإطار بنيّ فاتح، مرسومة بالألوان المائيّة، بتفاصيل تقريبيّة وغير دقيقة لرجل بين الشّباب والكهولة، بملامح وسحنة ريفيتين، يغطّ في النّوم على كرسيّ للتّمدّد؛ كأنّه وسط العراء نهارا، يبدو مرتاحا ويستعذب نومته، حتّى أنّه حافي القدمين، واضعا يديه خلف رأسه. عليه قميص برتقاليّ من لون الأرضيّة، وسروال أسود.
* فالألوان المائيّة: تذكّرنا بالطّفولة وبراءتها ووداعتها وتلك الرّسومات التي كنّا نرسمها ونحبّها لأنّها تمثّل أحلامنا الورديّة وخيالنا المجنّح.
الملامح الرّيفيّة وشكل اللّباس البسبط: تحيل على البراءة والطّيبة والسّذاجة.، والأصالة.
* النّوم: علامة تتّفق وتتّصل مباشرة بعلامة اللّيل في العنوان. النّوم؛ المشترك البشريّ، علامة تحيلنا إلى فقد القدرة، واللّاقصد، وغياب العقل والرّقيب والسّلطان، والأحلام وعوالمها المنطقيّة اللّامنطقيّة.
* الكرسيّ في العراء نهارا: الكرسيّ للتمدّد والاستراحة، غير أنّ الرّجل عليه نائم، كأنّه مغلوب على أمره، فقد نؤّول ذلك بأحلام اليقظة هروبا من واقع معيّن، أو هي القيلولة فترة للرّاحة واستعادة النّشاط، أو هو النّوم فقط من ملل لروتين اليوميّات التي تجترّ بعضها؛ نوم كفسحة للأحلام المجّانيّة في عوالم من الفانتازيا.
* إطار الصّورة: حدود الصّورة واضحة وغير متماهية مع مساحة الواجهة، قد تكون علامة للقيد، أو الهيمنة، أو الوصاية، السّيطرة، أو الحظر، أو المنع، وكلّها تشترك في كونها تتقاطع في دلالة أنّها تشكّل حاجزا ظاهرا، وعلى مضمون الصّورة أن لا يتجاوز حدوده.
ب ـ اللّون: لون الوجه العام له صوفيّ؛ بلون الصّوف الطّبيعي، لون لا اسم محدّد له، من الطبيعة، هادئ، على درجة واحدة من الكثافة، يوحي بالحريّة والفطرة والسجيّة والسّليقة والعذريّة والانطلاق واللّاحدود، كما قد يوحي بدرجة أعمق بالبربريّة والشّراسة، فقد يستدعي في الذّهن صورة قطعان من الخراف، أو حقولا شاسعة من القمح المستوي حبّه، أو حقول السّفانا الإفريقيّة الممتدّة عبر الأفق. وعلى هذه الإيحاءات يظلّ الغموض غمامة تحجب النّص.
جـ ـ اسم المؤلّف:
مالك النّص، ومنتجه، ومبدعه، وهو – النّص- يمثّله اجتماعيّا ونفسيّا وتاريخيّا وأنطلوجيّا بالانتصار لما يكتبه، أو رفضه، أو نقده، أو معاداته، أو السّخرية منه.. سواء أدرك ذلك أو لم يدركه، واسم المؤلّف هو ما يمنح للنّص هويّة و يمنحه الشّرعيّة، فالنّص مجهول النّسب غير مرغوب فيه، كونه في موضع ريبة وكذا الأسماء المغمورة، بخلاف الأسماء المشهورة فلها دور في لفت الانتباه، واستقطاب الذهن، والتّأثير الوجداني،واستحضار معلومات قبليّة عنه، فالاسم اللّامع إشهار للنّص.
طارق لحمادي، صاحب المجموعة القصصيّة، اسم غير معروف على السّاحة الأدبيّة، لم أقرأ له من قبل إلا بضعة مقاطع صغيرة على موقع شبك التّواصل الاجتماعي. اسم ثنائي عربي، ذكوري، توسّط المساحة تحت العنوان وأعلى الصّورة مباشرة، بخطّ عادي بسيط؛ لكنّه يختلف عن نوع خطّ العنوان ويشترك معه في اللّون نفسه، كأنّ المؤلّف جزء من كتابه أو تابع له، أو كتب نصّه عن نفسه، أو كأنّه العنوان الثّاني للكتاب، وكان الأولى كتابته أعلى الغلاف، للدّلالة على ملكيّة الاسم للعنوان لا العكس، كما أنّه يبدو محصورا بين العنوان والصّورة في مساحة ضيّقة، كأنّه هو الأخر مساحة حركته محدودة ومحسوبة.
كما أنّنا نلاحظ غياب صورة المؤلّف المعتادة على أغلفة الكتب الأدبيّة، وقد اكتفى بالاسم فقط دون عضده بصورة شخصيّة له، فغياب هذه العلامة الهامّة هو علامة هامّة أخرى تحيل على سمة إنسانيّة راقية هي التّواضع، وعدم اللّهاث وراء الشّهرة وذيوع الصّيت، تنازل عن وضع الصّورة كأنّه أراد أن يكون النّص هو الصّورة الممثّلة له بكلّ أبعاده الإنسانيّة، ولما يراه من جمال وقبح وخير وشرّ في الإنسان، فوجهه هو كلّ تلك الوجوه في نصوصه، وما غايته من وراء الكتابة غير القيم الإنسانيّة.
د ــ النّص على الوجه الخلفي:
في الـدّاخـل لاح الضّـوء كاشفا الـرّواق الطويـل الـذي يصل بيـن
الغرف منتهيا بباب الصّالــون، رائحة قــدم تــــفـــــوح مــــــن الأثـــــــــاث
البسيط، تقدَّمَنـــا بخـــطـــوات قلــقـــة، وبدت لي تحــت نـــور اللمبـــــة
منهكة إلى أبعد حــد، أحسست جسـدها الفارع وهو يميــــل عليّ
بما بقي له من جهد، أمّا هو فقد أشار إلى الكنبة وخرج..
جلسنا بارتياب، تبادلنــا النظــــرات الفارغـــة، في أعيننـــا الصمــت
الطويــل والخــوف المشتــعــل من الآتي، ومــــا الآتي؟ لا نــعرف لمــاذا
أصرّ على استضافتنا هنا، ثم انسحب..
في بادئ الأمر حسبناه قصد المطبخ لإخضـــــار المزيـــد من
الشــراب، لكــن الانتظــار الــــذي بـــــدأ بدقائـــــق زاد عـــن حــدّه،
اضطجعـــت هـــي مـــن تـعــــب السـهـــــر ودوار السـكــــر، وبقيــــت
أحــرس المكــان بعــين لا تسهــو، لم تعـرف كـــم استغــرقـها النّــــوم
حين عادتْ تسأل بعينين محمرّتين بجمر التعب ولسان مشتّت:
ـــ النّص مبتور من قصّة، يتحدّث عن رجل استضاف رجلا آخر وامرأة متعبة في جوّ موارب؛ في بيت ذي أثاث قديم وبسيط، تركهما فيه وانصرف، بقي الرّجل مستيقظا متوجّسا، بينما نامت المرأة، فسألت إذ انتبهت، وعند السّؤال بُتر النّص؟
ــ لم هذا البتر في لحظة حرجة من السّرد، يسمع فيها القارئ صوت الشّخصيّة مباشرة، ويتفاعل معها. أهو البتر للّعب على أعصاب القارئ بالتّشويق وتأجيج فضوله أو حتّى إغضابه وهو مازال يبحث عن علامة تحيله إلى فضاء النّص، فيندفع إلى قراءة الكتاب، والبحث عن تتمّة هذا النّص المبتور، وإشباع فضوله؟ أم أنّه البتر في لحظة الاستيقاظ من النّوم؟. تلك اللّحظة المميّزة، لحظة الانتقال من عالم غريب لا أبعاد له بكلّ ما تعنيه الكلمة إلى آخر مناقض له تماما.
لا يمكن أن يكون اختيار المؤلّف لهذا النّص المبتور عشوائيّا، وعليه يمكننا رصد الخطوط العريضة للنّصوص المحتواة، وإصدار حكم قيمي أوّلي على لغة النّص الدّاخلي، وبالتّالي على مؤلّفِه، لغة واضحة، بسيطة، سليمة، سلسة، شعريّة، لا يحتاج القارئ معها إلى قاموس. لغة بأسلوب سرديّ هادئ ممتع، يحثّ على مواصلة القراءة، فضلا عن عنصر التَشويق المعتمد في هذا المقطع المبتور.
جـ ـ الإهداء: من الهديّة والهبة، تقليد قديم، وهو نصّ قصير جماليّ شاعريّ شعريّ آخر، يقوم على العلامة اللّغويّة، ذو طابع إنسانيّ محض، يتّصل فيه القارئ وجدانيّا بالمؤلّف ويقف فيه أمام شخصه، يحمل دلالات تحيلنا إلى مضمون النّص على نحو غير مباشر، وقد يتطلّب جهدا للرّبط بين المضامين.
“إلى الإعلاميّة الأديبة جنّات بومنجل؛ أخت حرفي، وصديقة فرحي، وتوأم غربتي، وإلى المحامي الصّديق المصري العزيز؛ أحمد نصّار..
إليهما أرفع هذا الكتاب عربون محبّة وشارة أخوّة.. ”
نصّ يبدو في ظاهره مستقلّا بذاته، ولا يبدو منه ما يحيل إلى فضاء النّص، بقدر ما يحيل إلى سياقات إنجاز هذا العمل أو عملا آخر؛ ربّما، وإلا فما الذي يربط قاصّا جزائريّا بطرفين متباينين؟، جمع الإهداء بين إعلاميّة جزائريّة ومحام مصري أهدى لهما المؤلّف عمله بعبارتين باذختي الرّقّة والجمال، والعذوبة، والشّاعريّة، إهداء غير محدّد بتاريخ، ممتدّ ممّا قبل لحظة الكتابة إلى ما بعدها، ولا موقّعا باسمه كعادة الكتّاب، كأنّ الإهداء يحمل طابعا إنسانيّا وما الأسماء فيه غير تمويه.. فالمرأة أديبة وهي تشبهه في احتراق الحرف، وهوس الكتابة، تشاركه فرحته، تقاسمه غربته، التي يشعر بها كلّ أديب يكتب بصدق وبعمق، يكتب للإنسان وللإنسانيّة، يتوجّع بأوجاعها، ويحلم بأحلامها.. والرّجل من مصر على بعد ألاف الأميال عنه، خارج حدود الوطن صديق عزيز عليه.. وقد جرت العادة أنّ الإهداء لأفراد العائلة، والمؤلّف هنا خصّ صديقيه به، وآثرهما على آقاربه، دلالة على تخلّصه من حجم كبير من الذّاتيّة، واتّجاهه نحو ما هو أسمى؛ تحت راية المحبّة. وقد يكون إيمانه كبيرا بالإنسان والإنسانيّة والمحبّة حدّ سقوط حدود الوطن وتجاوزها إلى أكبر منه وهو العالم، هي نقطة تعالق هذه العتبة مع مضمون النّص الدّاخلي من دون ريب، فالأديب لا يكتب إلاّ عمّا يشبهه، ولا ينسج إلاّ على شاكلته وإن أنكر ذلك.

الرّابط بين العتبات
تكرّرت علامات بعينها في العتبات بمختلف أنواعها، كعلامة النّوم، اللّيل، الحريّة، القيد واللّاقيد، الأحلام، الإنسان، لجمال.
والمقاربة بين هذه العلامات، تعيدنا إلى العنوان “أشياء الليل” ، فما الذي يتعّلق باللّيل منها، هو النّوم، والاستسلام للحلم من غير قيد ولا حسيب، سمة بشريّة محضة، الفقير والغنيّ، العالم والجاهل، الطّفل والهرم؛ ذكرا وأنثى؛ كلّهم يملكون حقّ الحلم. وبعد فتح الكتاب وجدت نصوصا أحلاما، من “الحلم 01″، إلى “الحلم 30″، وكلّها تبدأ بـعبارة: “رأيت فيما يرى النّائم” ثمّ يباشر سرد الحلم القصّة. وتساءات لم العدد “30”، ثلاثون “30”؛ له إحالة واحدة ووحيدة في هذا السّياق؛ هي عدد أيام الشّهر، إنّها وحدة قياس أعمارنا الفانيّة، في حركة درائريّة لولبية، بتوقّفها تتوقّف أحلامنا المشروعة وغير المشروعة.
عفيفة أم الشّيماء / سعاد ــ يوم الخميس 7 ديسمبر 2017م/ جامعة لونيسي علي/البليدة2.

السابق
صبر
التالي
سجين

اترك تعليقاً

*