قراءات

قراءة تحليلة في نص “إنقاذ”

للكاتب خالد عابورة

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

إنقاذ عنوان النص والعتبة المؤدية إلى المتن، وقفت عنده طويلاً أبحث عن الأنقاذ ومن هو المنقذ ومن أنقذ وبعد ذلك أنقذه من ماذا؟ أمام حيرتي لم أجد وسيلة سوى الولوج إلى النص لعلي اتمكن من سبر غوره مغامراً لعلمي جيداً أن الكاتب يكتب برمزية وتلغيز عميقين.
بدأ الكاتب بوصف محبته الشديدة للطبخات الشرقية من أنامل أنثوية، وإذا علمنا أن الكاتب يعيش خارج وطنه في بلد أوروبي نعذره على اشتياقه هذا وهو في الحقيقة شوق وحنين للوطن متخذا من الطبخات رمزاً لهذا الشوق.
ثم يعود الكاتب في سرده مع صاحبة الأنامل الغالية على قلبه ” تحضنني وتطعمني وجعها، العصير الدمعي لذيذ مع غضبها، لا وجوج للوقت مع ثورة الانسلاخ . ” بهذه العبارة احترت في تحديد العلاقة بين البطل وهذه المرأة، هل هي أمه ؟ التي تطعمه وجع ألمها للانسلاخه عنها لدرجة أن الدمع بات عصير لذيذ مع غضبها، وهذه الجملة تعبر بعمق عن غزارة دموع الفراق فلا فرق بينه وبين العصير في ترطيب الشفاه فمنذ لحظة انسلاخه عنها صنع ثورة في عواطفها ولم يترك لها إلا الألم والدموع.
ويقوم الكاتب بتجسيد هذه الحالة وذلك بالحديث عن نفسه كسارد ” أتقلص، أنظوي، أتقعقر، ندبة اختزالية، أصبر، اختفي ” وهذه هي لحظة انسلاخه من بين أحضان هذه المرأة وكيف تقلص وانطوى وتقعقر مع هذه الندبة التي اختزلته إلى ىسراب ثم يختفي. ثم يعود الكاتب إلى المرأة ليصور لنا حالتها بعد أختفاء رجلها والذي لم نعرف صلته بها حتى الآن زوجة أَو أم ” تحاول إيجادي يميناً ويساراً لا وجود إلا لذاتها المختلفة، تبتسم، تصنع من عينيها ألف خادم، تبتسم مجدداً، تخرج من أضلعها أجنحة خصبة، تبتسم مع بكاء ، تعود حلماً بعد فشل “.
وبعد هذا الوصف لم أتمكن من تحديد كنه هذه المرأة بالنسبة للبطل رغم الدقة وبكلمات بليغة في التعبير عن مشاعرها رغم أنها لا ترى إلا ذاتها بعد بحثها يميناً ويساراً إلا أنها تصنع من عينيها ألف خادم بحثاً عن فقيدها، وبدأت كمتلقي تحديد علاقة هذه المرأة بالبطل ومن خلال عبارة تخرج من أضلعها أجنحة خصبة فهي الزوجة والحبيبة التي تركها البطل تجتر ألمها مع الأجنحة الخصبة بين أضلعها، تبتسم لوجود هذه الأجنحة مع بكاء ثم تعود حلما بعد فشل البحث في وجوده قربها.
ويستمر الكاتب في سرده ” أظهر ، أداعب الكواكب ، أخطف القمر ، أخفي الشمس تحت إبطي ” بهذه العبارة ظهر البطل تحت جنحا لظلام فبدى لها كطيف أو حلم سعيد ، ويتابع معنا الكاتب وصفه للبطل في هيئته التي ظهر بها ” أمسح حزنها من بين جدائلها المعبثرة، أمتص جرحها من بؤبؤها تستيقظ ومضات المفاجأة.
ما أروع هذه الجمل القصيرة والرشيقة المعبرة أيما تعبير عن فرحتها بومضات المفاجأة لوجود حبيبها معها ولو حتى كطيف حلم، ثم يعرفنا الكاتب بطبيعة هذه المرأة بالنسبة للبطل بهذه الجملة ” انتصاب صدرها شروق، زاوية الغنج الانحنائية سماء ” انتصاب الصدر مع زواية الغنح المنحنية في سماء الحب والعشق فتأخذ من البطل الشمس والقمر ورضاب شفاهه من قلبه ثم تنام مجدداً على أوتار شعر صدره وهو يلقي عليها قصائد الحب.
نعم أنها الزوجة والحبيبة وتؤكد ذلك العبارة الأخيرة في النص، وهي الحبكة الكاشفة لمتن النص وتبئيره ” مع هبوط خيوط الأمل ، أترك روحي الحارسة في المطبخ تصنع حليباً حاراً ثم يرحل جسدي نحو المجهول .”
بهذه الحبكة الرائعة انزاحت الستائر عن فحوى النص، فهي زوجة البطل والدي هبط عليها بطيفه ليخفف عن قلبها المكلوم لفراقه، وترك لها روحه حارسة في المطبخ حيث جنة المرأة لتذوق وجباتها الشرقية اللذيذة التي يحبها من أناملها كما أنه في الوقت تصنع روحه الحليب الحار قبل أن يرحل إلى المجهول ، وهنا لم تأت جمل يصنع حليباً حاراً عشوائية أو زائدة لأني أعلم أن الكاتب يهتم بالتكثيف وبكل جملة في في كل نصوصه، لذا تأكدت بأنه ترك زوجة تحمل بين أحشائها جنين ولده القادم ولذلك حرصت روحه على صنع الحليب الحار قبل رحيله إلى المجهول. أعود إلى العنوان أتساءل هل ظهوره كطيف أنقذ زوجته من الضياع ومن الوهم.. ربما
بعد كل ذلك أرى أن النص يحتمل أكثر من تأويل فهو ينطبق على زوجة شهيد أو أسير كما يمكن انزياحه على زوجة مغترب والمعنى يبقى في عقل الكاتب وما قمت به مجرد اجتهاد لتحليل نص لكاتب رائع وقامة في مجال القص وأرجو التوفيق من الله مع خالص مودتي وتحياتي للكاتب المبدع خالد عابورة.

السابق
قراءة نقدية في نص “غيث”
التالي
صداقة بنكهة كلب…

اترك تعليقاً

*