قراءات

قراءة تحليلية في نص “رحلة”

للكاتبة هنادي بلبل

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

العنوان
العنوان وهو عتبة النص استوقفني كمتلقي “رحلة ” والمعرف أن الرحلة تعني سفر، أي نقل من مكان السكن إلى جهة أخرى، ونجد أنه جاء نكرة وهي تحديد لوصف الرحلة ولم تعرف لتترك الرحلة عامة، وهنا تسألت ما نوع هذه الرحلة، أهي رحلة استجمام؟، أم رحلة سفر طويل استكشافية أو علمية، أم رحلة في بحور الشقاء وقد تكون رحلة في شرايين الحياة أو في أطياف التقوى والإيمان.

توصيف الرحلة
بدأت الكاتبة كساردة واصفة وضعها قبل بدء الرحلة في ملكوت السماوات والأرض.. ” تحت جناح ملاك سماوي اختبأت عن أعين الدنيا”.. أي أن الراوية كانت تعيش حياتها المستقرة بعيداً عن كل ما يجري حولها وقد تشرنقت داخل بوتقة التقوى والإيمان “تحت جنح ملاك سماوي”، وبدون مقدمات خرجت البطلة من صومعتها وأدركت أنها كانت تعيش سنين في غيبوبة، تحتجزها وتأسرها ظلال صنعتها لنفسها بعيداً عن الدنيا، ولم تقدم لنا الكاتبة سبباً لهذا الخروج إلى هذه الرحلة.

بدء الرحلة
بدأت رحلتها مع ملاكها السماوي وكأني أراها ركبت بسااط الريح مع مصباح علاء الدين كما في روايات ألف ليلة وليلة ليطوف بها في أرجاء الدنيا بهدف التعرف على الكون الذي عزلت نفسها عنها متقوقعة مع ذاتها “طاف بي ملاكي فوق مدن أصابتها تخمة النعيم”، من هنا بدأت الرحلة مع مدن الترف حد التخمة، التي تنزوي بثرائها في صومعة الرفاهية بعيداً عن كل ما يدور حولها، في هذا الجو المعطر بتخمة النعيم، أصاب الساردة حنين إلى أيام عاشتها في السابق ربما طفولتها أو شبابها، قبل أن تعزل نفسها عن الدنيا، حيث هبت نسائم تلك الأيام فأيقظت شوقها لممارسة الشهيق والزفير في عروق ذبلت، وهذا تعريف بالراوية وهي الكاتبة، إنسانة عادية ربما عاشت أيام فقر وشقاء قبل أن تعزل نفسها عن الدنيا في المدن المتخمة بالنعيم، وقدمت لنا المفارقة بين حياتها السابقة بعروقها الذابلة وحياتها في مدن النعيم حد التخمة.
تستمر الراوية في رحلتها عبر محيطات الفقر، دخلت مع ملاكها مدن الفقر وألقت السلام على أهلها فلم يسمعوا، لأن أذانهم لا تألف غير الشقاء، وتقدم لنا الكاتبة حياة هذا المجتمع المشغول عن الدنيا بالعمل الشاق حتى يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم، فلم يلتفتوا إلى من يلقي إليهم السلام ولا يرغبون في معرفته فليس لديهم مجالاً للتوقف عن العمل ولا حتى مجرد رد التحية، لأنها من وجهة نظرهم تستقطع جزءاً من عملهم وهو يعني استقطاع من مصدر رزقهم، وتتذمر من تصرفهم قائلة: “تباً لهم لن يتعلموا كيف يسامرون الحياة على المرح” وأرى الكاتبة استعملت أداة النفي للمستقبل أي أنها لم تر في مستقبلهم أملاً في مسامرة الحياة مع المرح وأراها تقول للمتلقي ليس لديهم وقتا حتى للمرح لأن العمل والشقاء هو كل حياتهم في الدنيا.

توقف الرحلة
بعد هذه الرحلة بين مدن الثراء المتخم ومحيطات العمل والشقاء، توقفت على خارطة صفراء، وهي خارطة الوطن العربي لأن كلمة صفراء، إشارة إلى كثرة الأراضي الصحراوية فيها، لفحتها نار وسموم، فحجبت بصرها فلم تر إلا سواداً ملوناً بالدماء، أوقفت الكاتبة قلب ومشاعر المتلقي على تلك المناطق الملتهبة من الوطن العربي على امتداد مساحة الخارطة الصفراء، ثم إلى بقعة لها وضع خاص في قلب وفكر الكاتبة “استوقفني قلبي أمام بقعة واسعة” وهي على ما أعتقد وطن الكاتبة وهو يعشعش في شجن وفكر وعواطف الراوية، لأن القلب يزاداد خفقانه بين الضلوع كلما لاح في العقل والفكر طيف من الوطن مع ما تحمله من ذكريات وأشجان. وبذكاء من الكاتبة تركت هذه البقعة دون تحديد كي تجعل كل متلقي يتخيل نفسه بطل القصة، فقد تكون هذه البقعة الواسعة على الخارطة سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا وربما فلسطين.

نهاية الرحلة
جاءت نهاية الرحلة مع الحبكة المتقنة التي تم وضعها ببراعة، فقد أمعنت النظر في وطنها، ذهلت واحترقت من داخلها وتفتت شرايين قلبها وأجزاء جسدها لمنظر الحالة المأساوية والمزرية التي وصل إليها، حيث الدماء والدمار، فشعرت بجسدها ينثر رماداً، أسقطتها الرياح على شاهدة قبر، فتشكل رماد جسدها المحترق حروفاً سوداً على ما تبقى من الوطن، فهي تضحي بجسدها حفاظاً على الجزء المتبقي سليما من الوطن…. وأرى أن الكاتبة أرادت بهذه الحبكة أن تطلق صرخة مدوية لكل من يعبث بالوطن.. كفى.. كفى هذا القتل والدمار، حتى يبقى لنا وطن يدفء حياتنا ويحتضن رفاتنا.
كل التحية للكاتبة المتألقة هنادي بلبل وأرجو من الله العلي القدير أن يكون وفقني في سبر غور نصها الرائع.

السابق
رحلة
التالي
الــــوغــــد

اترك تعليقاً

*