قراءات

قراءة تحليلية في نص “محاولة أخيرة للموت”

للكاتب فتحي إسماعيل

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

العنوان يشي إلى أن هذه ليست المحاولة الأولى بل سبقها محاولات، ومن ثم أسأل كمتلقي لماذا المحاولة وهل هو انتحار أو هروب من واقع مؤلم ومرير وعجز عن تحمل كوارثه ومصائبه وبما أنها ليست المحاولة الأولي فهو تلغيز صريح لحالة القهر والشقاء منذ فترة طويلة.
بدأ النص سرده الشيق على لسان البطل والرواي في نفس الوقت “في آخر مرة حاولت أن أموت فيها” وهي بداية لصراع يتقمصه النص بين الأموات وهو مشهد فنتازي عرضه الكاتب بحرفيه للصراع الأبدي بين المتشبثين بالدنيا والحياة وما يلحق من تزييف وتملق، والزاهدين بشفافية الأخلاص والحرص على الخير، فجأة يظهر والد البطل وقد خرج من رمسه يقود ثلة من ساكني المقبرة من أفراد عائلة البطل وقد خرجوا من أجداثهم في مظاهرة تحول بين النعش والمقبرة لأن الأب يرفض موت ابنه قائلاً “إنه صغير وما زالت احلامه محلقة، من سيحققها” عبارة تحمل الكثير فلو مات الشباب من سيحقق أحلام الوطن والموت ليس فقط بالجسد بل موت الجهد والعمل، ومن وجهة نظري كمتلقي أرى هذا المشهد احتجاج من الأب على محاولة ولده المتكررة للموت لما تحمله من ياس واستسلام .
يتراجع النعش ويسحب معه المشيعين حتى يقترب موكب الجنازة المتراجع من البيوت حتى يصتطدم بمظاهرة أخرى يقودها أخ البطل ويتبعه أفراد العائلة الأحياء ويبدو هذا الأخ ثائراً ويحمل في يده أوراق ويرفض عودة اخيه، وكمتلقي راودني سؤال عن السر الذي تحتويه الأوراق التي يحملها أخ البطل، هل هي أوراق أرث أم أوراق شهادة الوفاة؟ وترك الكاتب هذا السر بدون توضيح وليسرح فيه فكر المتلقي كيفما شاء. ولكني أراه كمتلقي يحمل تلغيز إلى تعارض مصالح الأخوة فأحدهما مخلص لعائلته وبلده والأخر يركض وراء مصالح شخصية ولذا ينهض الأب من مرقده في تظاهرة رفض موت الأبن تبعه أموات العائلة وتظاهرة الأحياء من العائلة بقيادة الأخ الرافضة لعودة البطل ويحتد الصراع لدرجة تستدعي العمدة ومأمور المركز وقيادة الأمن المركزي لفض أحد المظاهرتين، وتبرز في وسط هذا المشهد الخيالي شخصية معممة مجهولة الصفة تقترب من النعش وتهمس للبطل “مت يابني، الموت علينا حق” فيندهش البطل الميبت ويشرح لنا الكاتب بلسانه حالته المضطربة وهو يستهزء من الشخصية المعممة والمجهولة وتمنى أن يتمكن من صفعه وهو تلغيز ايضاء من الكاتب لفئة المتسترين خلف الدين وهم ينافقون ويتملقون من أجل تحقيق مآربهم ومصالحهم الخاصة.
ويصل بنا الكاتب مع بطله الشبه ميت إلى المشهد الأخير من النص المخاتل، فقد أصاب البطل الجزع والحرج الشديد وتمنى انتهاء هذه المهزلة ولكنه لايجد أمامه سوى الانتظار، وهي بالقطع لن تنتهي ما استمرت الحياة لأنها الصراع الدائم بين الخير والشر بين المخلصين والحريصين على العائلة والوطن من الأفراد الأموات وحاملي النعش، والمنافقين والمتملقين من أفراد العائلة الأحياء.. وهو أضاء صراع بين المحافظ على تراث الأجداد والمتلق للحاضر بكل مآسيه. ويتجلى هذا المشهد في منظر العسكري وهو يتكأ بكتفه على حائط لبني متصدع بينما مظاهرة الموتى لم يحدث فيها شيء بل تتزايد وتتمسك أكثر في نفس الوقت الذي ينسحب الواحد تلو الآخر من المظاهرة الأخرى وهو أيضا تلغيز إلى أن التراث والأصالة لن تندثر ابداً مهما فعل المستحضرين والمتملقين، ويرمز الحائط وقد جعله الكاتب حائط لبني بحرفية لارتباطه بالأرض فهو بني بلبن الأرض وطين الأرض وما التصدع إلا رمز للصراعات التي تدور في الوطن.
ونصل إلى الحبكة والتي تأتي بانتفاضة البطل بعد أن استجمع قواه وينفض الغطاء المزركش وينزع قماش الكفن عن وجهه ويتسلل وراء العسكري وهو ينظر بأسى إلى والده وكأنه يعتذر له لعدم تمكنه من تحقيق حلمه ولا حلم والده.. وجاءت القفلة المخاتلة بعد أن غادر المقبرة يجوب الأزمنة بكفنه القديم يحصي الموتى العابرين إلى المقبرة وهو ينتظر صديق يعبر به إلى موت آمن… والسؤال هنا.. هل يوجد في الموت أمن وأمان..؟
كل التحية للكاتب المبدع فتحي إسماعيل على النص الرائع الذي استفزني وارجو أن تروق قراءتي لكم جميعا.

السابق
بطل الساحة…
التالي
أوطان

اترك تعليقاً

*