قراءات

قراءة تحليلية لنص “المهدية”

للكاتب مختار أمين

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

عنوان النص وهو عتبته “المهدية” ويتبادر إلى ذهن المتلقي لأول وهلة من هي هذه المهدية والكل يعلم أن الهداية تأتي من الله سبحانه وتعالى “يهدي من يشاء ويضل من يشاء” وهنا تبدأ الإنزياحات على متن النص وبإسلوب الكاتب المراوغ تمكن من جذب المتلقي ليخوض في أمواج النص الهادرة ويجاهد بكل قوة حتى لا يغرق في أعماقه.
نقل الكاتب المتلقي من المهدية إلى الساحرة ويبدو هنا التناقض فلا يمكن أن تكون الساحرة مهدية، وهذه إحدى مراوغات الكاتب فنجده بعد وصف البطلة بالساحرة يقول أول ما تسحر قلمها، فيعجز عن الكتابة ولكنه يحلق في خيالها بوصف الطبيعة، الجبال والرمال بينما تغني شدواً تصمت له كل أطياف الكون الطبيعية حتى القمر يخشى الصمت الذي يلف غنائها فلم يطل من عليائه كاملاً.
ومن هذا المقطع نرى فتاة مثقفة وكاتبة مبدعة تعيش في مجتمع شرقي قروي أو مدني يرفض شكل الإبداع في المرأة وحريتها في التعبير عن مكنوناتها الأدبية والفكرية من خلال قصة أو رواية، تسردها للأطفال فتعلق في أذهانهم فيتحدثون بها كرواة وهو ما أشار إليه الكاتب بعبارة “اكتب ما أمليك على جدار الغيب” أي أن قصصها ورواياتها لم تكتب على ورق خوفاً من سقوطها في يد أحد المتزمتين فيصادرها كما صادر حريتها .
ويستمر الكاتب في وصف الفتاة، كانت مبهرة بذكائها مذهلة الرجال في خصالهم التي ترفض تفوق المرأة عليهم ، حتى الأطفال من أقرانها حمدوا الله أنها شبت بسرعة وبلغت قمة أنوثتها فمنعت من إكمال تعليمها ثم يدخلنا إلى أكثر صفات هذه الفتاة حساسية في مجتمعها، تعاند والدها وتنتهز وقت قيلولته لتطل من النافذة لتسرد قصصها ويسرح خيالها مع الجان المؤنس يتخفى بين الناس وتظهر على وجهها انفعالات متلازمة مع سردها فتثور موجات الغضب في مقلتيها وتصعد انفعالاتها إلى القمة حيث القصر العتيق في طرف المدينة فتراه يصرخ كما الوحش ثم ينهال كومة تراب، ولكونها مهدية ترى أنها سوف تسكن هذا القصر ولكن! وتستمر في تمردها وحديثها وقصصها وتناور كل من حولها داخل البيت أو خارجه وتفعل ما تريد بحرية.
هنا يبدأ الكاتب مخاتلته مع المتلقي ليصل إلى عقدة النص بانزياحته على مصير هذه الفتاة للتحول من إنسانة إلى جنية أو ملاك مهدية، فبعد أن سحرت الكل بذكائها وفطنتها وأذهلتهم بتمردها على العادات والتقاليد المقيتة والمقيدة لحريتها اختفت من القرية، ولكن طيفها لم يغادرها، فكان أهل القرية يلمحونها تسير ليلاً وحدها والناس نيام على ضفة النهر وتخلع ملابسها كاملة وتهبط في النهر سابحة فتحتفي بها الأسماك الكبيرة والدولفين فيداعبنها وتداعبهم وتتسابق معهم وتسبقهم جميعاً حتى يلوح الفجر فيختفي الجميع.
بعد أن عرفنا مصير هذه الفتاة رجع بنا الكاتب إلى حوار بالنظرات وحديث طويل عنيف بين المد والجزر مع والدها وأبناء عمها وخالاتها، مع ثورة الأم عليهم جميعاً وهي تصرخ البنت لا بد ان تتزوج مثل كل البنات، فيرد الجميع فليؤجل الأمر حتى يأذن الله وبهذه العبارة تلميح من الكاتب بما يضمرونه من شر لهذه الفتاة ، وفي كرارة نفس كل منهم أن هذه البنت أكبر من أن تصلح بثقافتها وحريتها زوجة لأحدهم وقد فطنت الأم لمكرهم ولذا كانت ثورتها عليهم .
ويدرحرجنا الكاتب إلى الخاتمة.. ” عندما أطرقت؛ حدثها كانت لي مغامرة مع الليل والبحر وحكايتهما الخفية.. ذات يوم ضاجعته أو ضاجعها وعندما وضعتك أخذتك لتلك العاقر ، هنا يتبادر إلى ذهن المتلقي سؤال: من هو هذا الشخص الماجن صاحب المغامرات والذي ضاجعها أو ضاجعته وعندما وضعتك أخذتك لتلك العاقر؟ لم يحدد لنا الكاتب علاقته بالفتاة ، أهو والدها؟ وهنا سؤال آخر أهي ابنة سفاح؟ وأمها ليست امها التي ولدتها هذا ما يبدو لأول وهلة وبعد التعمق في النص تشعر بأنه شخص وهمي يعيش معها في مخيلتها، وهو الشخص الذي يعشعش في فكرها قلبه وتتمناه زوجاً لها يشد على يدها ويرفع عقيرتها وإلهامها إلى سلم المجد والحرية التي تبحث عنها.
بعد هذا يأتي بالحبكة التي تحدد مصير الفتاة التي خرجت في الليل ولم تعد وعاشت في القصر الذي روت عنه بخيالها مئات السنين، والبعض يجزم أنها كانت تأتي وترمي إلينا قصصها المسلية، ويتدخل الكاتب في الحبكة بقوله “وأنا لم أجزم بأنها ستأتي أو سيأتي يوماً”، هنا يتبادر إلى ذهن المتلقي كيف يشعر أهل القرية بعقدة الذنب التي تراودهم لما فعلوه بالفتاة بدلاً من الشد على يدها والوقوف إلى جانبها كزهرة منيرة في المجتمع ويتدخل الكاتب برأيه هنا بقوله أنها لن تأتي ولن يأتي وحيها، بل ستبقى ذكرى تنخر في عقول أهل القرية، مهدية كما الأولياء الصالحين.
وأرى الكاتب بهذا النص الرائع أراد التعبير عن الحالة التي عليها المرأة الآن وأن اليوم الذي تصبح متمكنة من حريتها وحرية قرارها أسوة بالرجال لم يأت بعد.
كل التحية للكاتب المبدع الأستاذ مختار أمين على هذا النص الرائع الذي أرهقني وأتمنى أن أكون سبرت غوره العميق وأن ينال استحسانه واستحسان جمهوره العريض.

السابق
المهديـّـة
التالي
أب

اترك تعليقاً

*