قراءة في نص

قراءة تفكيكية تأويلية في نص “عدو نفسه”

للكاتبة أسمهان خلايلة

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

شكّل نصّ الكاتبة الفلسطينية العزيزة أسمهان خلايلي، مادة دسمة لقراءات “السيموزيس..نظام العلامة”.. وهو بهذا المعنى يجعلنا نقف على حدود المعاني والتأويلات التاريخية والنفسية والتنظيرية، بل والعسكرية أيضاً.. لإثبات ما ذهبت إليه جوليا كريستيفا ونقد مابعد البنيوية في نظريات قراءة الدوال.. وربما وجدنا بعض الهنات الشكلية في صياغة بنية النصّ، لكننا لن نهتم بها أمام الزخم المعرفي الدلالي الهائل الذي اكتنفه النصّ في تحريض (كتابة النصّ) كما أراد رولان بارت.. وأسعى إليه في مقاراباتي لنصوص (الققج) حيث تؤسس تلك النصوص (المرسلة) لإنتاجية السنن والمعاني من جهة الكاتب (المرسل) والغوص العميق فيما تبيحه الدوال للناقد (المرسل إليه)…
أنتج نصّ الكاتبة أسمهان أربع وحدات دلالية تهمنا في القراءة التاريخية للقضية الفلسطينية، بالاستناد إلى القطيعة مع السيميولوجيا التقليدية وظاهر النص فاعتماد المنهج “الايديوليجمي” لجوليا في التحويل والتوليد وابتكار العلامات- منها العسكرية كماساق النصّ المعني.. والوحدات هي:
أولاً: ظاهرة تفوّق الحجر على وسائل القتال المتطورة والآلة العسكرية الصهيونية-انتفاضة الحجارة “سنن عسكرية”.
ثانياً: قراءة سايكولوجية لنفسية الجندي المحتل، والتناقضات الخانقة التي يعيشها “سنن سسيولوجيه نفسية”.
ثالثاً: خلاصة التجربة النضالية الفلسطينية، وتأكيد الاعتماد على الذات، للحفاظ على الهوية، في مواجهة محاولات طمس الشخصية، وإبراز الأثر الناتج عن استمرارية الصراع بالوسائل المتوفرة، لإثبات الوجود “سنن ديموغرافية انتربيولوجية- تنظيريه).
رابعاً: الترميز لدرب نضالي جديد، افتقده العرب والفلسطينيون في صراعهم التاريخي، وكان من أسباب الفشل ما درج عليه واقع الحال السابق.. يقوم على استيعاب الأزمة والانتقال من لغة الخطاب المعتادة (الإلقاء في البحر، ادبح ادبح.. الخ) التي عززت الوجود الصهيوني، باستثمارات الدعاية المعكوسة في أروقة مجلس الأمن والموقف العالمي.. إلى لغة خطابية تنظر لليهودي المساق عنوة من أصقاع الأرض لتنفيذ المآرب الصهيونية.. على أنه “مغدور” يفكر بأمه ويتحسس المصير الذي يعيشه وينتظر آثاره المستقبلية…
يصف المؤرخ اسحق دويتشر صاحب ثلاثية المنظّر الثوري برونشتاين (النبي.. المسلح والأعزل والمنبوذ) حال اليهودي الذي سيق إلى فلسطين من كل بلدان العالم.. بالرجل الذي أولعت فيه النار، فذهب لإنقاذ نفسه إلى إشعال المحيطين به من الشعب الفلسطيني،، وتبرز الكاتبة أسمهان مكامن الضعف الداخلي في شخصية “اليهودي” الذي لم يفده امتلاك أصناف السلاح في مواجهة الحجر الفلسطيني،، إذ أن الدفع القسري في عجلة المشروع الصهيوني عقب سلسلة الممارسات المقصودة، من تنظيرية (شخصية شايلوك في تاجر البندقية للكاتب العالمي وليم شكسبير) إلى الإرهاب والقمع (الملاحقة الرومانية، وأفعال فرديناند أسبانيا، وقياصرة روسيا، ونازية هتلر…الخ).. أنتجت الشخصية “اليهودية” المهزوزة والتي لم ينفعها الدعم اللوجستي والتبريري والعسكري في الوقوف بوجه أصحاب الحقّ التاريخي.. رغم سياسات الإضعاف التي جعلت الحجر وسيلة قتالية ناجعة لصاحب الحقّ…
حقق نصّ الكاتبة أسمهان وصفاً تركيزياً يصلح لعمل روائي يستعرض واقع حال شخوص النصّ الذين تحركوا في بيئة (بيئات) مختلفة.. مع حبكة سردية تضمنت تركيبات جملية وصفية ذات حمولات إيحائية بالغة الدلالات في تقديم الشخصية المأزومة بفعل ما يحضر لها (محاصر، رهاب، انكسار، العار).. تمكنت إنتاجية النصّ من استحضار قراءات عامودية متعددة في اختصاصات متنوعة.. وحمل السرد مفارقات لفظية استبطنها المحور التعاقبي لتراكيب الجمل، ولعل لفظة (صرير) في جملة (صرير أبواب منزله) رفعت جمالية الفكرة المتاحة لحدّ الإدهاش بتعدد المعاني واتجاهات التأويل (الأسف، الموت، الخيبة، القسوة).. بقي أن أشير إلى نجاعة سيموزيس إيكو في تأويل المعاني التي يتيحها النصّ، وأهميته في بلوغ وحدات دلالية ذات توجه قصدي بلغ “المعنى المتعالي” الذي سعت إليه تفكيكية دريدا بالتأويل اللولبي، والذي رغم قيمته النقدية فإنه يلغي غاية الكاتب التي يبيحها النصّ القصدي.. ذلك بالرغم مما تتيحه لفظة (صرير) من تعدد وتنوع المعنى.. حيث أن القراءة تبنى على وحدة النصّ، وترابط وحداته التشكيلية.

السابق
الإشكاليات النقدية والسردية في القصة القصيرة جداً
التالي
اِعْتِراض

اترك تعليقاً

*