قراءات

قراءة في المؤثرات الصوفية في نص “شهد الغياب”

للكاتبة زهرة خصخوصي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مقامات الحضور والغياب
مسغبة الروح
الحضور – الغياب من الثنائيات التي تلازم الفكر الصوفي. والفكر الصوفي بمجمله، نموذج لفكرة “التجاوز” في الحضارة العربية الإسلامية، فقد انتبه الصوفي مبكراً إلى أهمية توظيف السفر في عملية اختصار المسافة نحو آفاقٍ أكثر رحابةً وقدسيّةً أمام المريد، مرجعيّته في ذلك القرآن الكريم الذي حثّ على السفر (قصة هجرة لوط، والرحلة الموسوية مع الفتى والعبد الصالح، ورحلة ذي القرنين….) وكذلك السيرة النبوية: هجرة أصحاب الرسول (ص) إلى الحبشة، وهجرته هو نفسه (ص) إلى المدينة، وكذا قول الرسول (ص) لأبي ذرٍّ: “يا أبا ذرّ جدّد السفينة فإنّ البحر عميق، وخفّف الحمل فإنّ السفر بعيد، واحمل الزاد فإنّ العقبة طويلة، وأخلص العمل فإنّ الناقد بصيراً” ١
ولا شكّ بأنّ الفرد الحساس، الذي لا يستطيع التكيّف مع ما في الحياة من ابتذال وانحطاط، سيلوب بحثاً عن خلاص من اغترابه ومسغبته الروحية، فيكون أول السفر. فالتصوف يبدأ حين يلحّ، من الداخل، شعورٌ بأنّ عالم المحسوسات خاوٍ ومدقع…

السفر
تفتتح الكاتبة زهرة خصخوصي نصها بلحظة السفر هذه، لتنطلق شخصية النص في طريق رحلتها.
“رمته، ومسكناً متهاوياً، بنظرةٍ عجلى أوهنها الترمّد…ثمّ مضت.
تخشّشبت الأرض تحت خطاها…ما طالعها، أنّى امتدّ بصرها، غير أفقٍ أجدبٍ كالحٍ ظمئ…جرّت حقيبتها المثقلة بالحكايا، لا تني تشدّ عليها بقوّة ساعدِ الخائف من تيهٍ، كلّما تعسّر الدرب، وتاهت خطاها إلى ارتداد…”.

مقام التخلي
السفر، إذن، هو حقيقة الأشياء كلها، والإنسان في مساره حالة سفرٍ لا تتوقف، فقدومه إلى الوجود سفر، ونموّه سفر، وموته سقر، وقيامته سفر. لكنّ السفر عند الصوفي ليس انتقالاً في المكان فحسب، إنما هو انتقال من مقامٍ إلى مقامات أسمى. ولقد استعمل الأدباء والصوفيّون، معاً، الكتابة للتعبير عن هذه التجربة العرفانية، والمجاهدات النفسيّة في طريق هجرتهم إلى المحبوب، فطريق الصوفيّ ليست سوى مكابدة النفس، ومنافحة الروح ضدّ اغترابها وتشيّئها، يبدأ بما يطلق عليه الصوفيّون (التخلّي) للتخلص من من حُجُب المادة، وصولاً إلى تحقيق شفافيّةٍ روحيّة. والحجب كثيرة: حجاب الذات، وحجاب الشهوات، وحجاب العقل…
الراوية، في نص الأديبة زهرة، تحقّق تخلّيها في صراعها مع الموجودات التي اعتادتها، وتخلّيها عن كلّ مايشدّها إلى تلك الموجودات:
“تكزّ على أسنانها، تستلّ خطاها الغارقة في الحنين، يشتدّ فيها مخاض، تجثو على ركبتيها…تمدّ يدها باحثةً عن سند…لا جذع، ولا وتد…”
القشيري٢ في رسالته يصف رحلة الصوفي بأنّ السفر “ارتقاءٌ من صفةٍ إلى صفة”
وجلال الدين الرومي٣ يسأل مستنكراً: “إلى متى تعانق هذا المحبوب الميّت؟”، يقصد عالم المحسوسات الخشن.
ولعلّ السفر الأهمّ، لدى الصوفيّ، هو سفر المجاهدة: سفره من عالم النفس، حيث يكون ارتقاؤه في المقامات، وحيث يبدأ بإرغام النفس على ما لا ترغب، أو (المخالفة) بلغة أهل التصوّف.
نقرأ في النصّ: “تعقل صراخها…تتشظّى الأصوات مكلومةً مرتدّةً من وريدٍ إلى وريد…تتلوّى…يعتصرها الوجع…توغل خطاها المتوقفة حفراً…بيدها توصد بوّابات أذنيها…الأصوات تقرع الطبول في رأسها…تطمر الرأس في بئر الخطى…تختنق”.

مقام التحلّي
الصوفيّ المهاجر نحو المقامات العلا، لا يوقفه وجع، ولا يوهن خطاه بريقٌ يدعوه للعودة، فنظره، أبداً، إلى الوسيم البعيد. تنتصر روحه، وتتخلّص من قشرة المادة التي تغلفها، لتدخل مقاماً أعلى من مقامات سفره..(التحلّي), تطهر نفسه، وتتهذّب أخلاقه، وتبدأ صورة الحبيب الذي هاجر إليه، تلوح في الوجدان، وهذيان التعب، وتجري في عروقه الظمأى نداوة العشق، يرتشف أولى قطرات الأمل، فترتاح قليلاً، بعد طول لََوبان، وترتوي قليلاً، بعد طول ظمأ، وتتحرّر من كلّ ما كان يثقلها، وتخفّ مسغبة الروح…
“تفتح عينيها…السماء تزقّها رطباً…الأديم ينبسط مخملاً…هواء طريّ يلفّها، كأنّه ذلك الحضن…
تسّاءل…يمتدّ الصمت حول خطاها خافقاً قبل هطلٍ….”.

مقام الرؤيا
لقد اقتربت إلى معارج الروح السامية، بدأ الحبيب يتكشّف لها أطيافاً، قبل أن تصل إلى سدرة الرؤيا، والرؤيا هي غاية الغايات، حين لا يعود للبصر قيمة، أمام نور البصيرة.
والرؤيا شرط التجلي: حين يندمج السالك بالنور الكلي، ويتجلّى له المعشوق.
وهيهات أن يبلغه، قبل أن تكويه نار العشق، وتهزّه رعشة الوجد، وتضطرب جوارحه، ويصبح مجذوباً إلى الذي ترنو إليه روحه، فما عاد للحواسّ شأنٌ. هنا يصبح السالك كلّه روحاً، فالحقيقة “لا مأوى لها إلا داخل الروح البشريّ” كما اعتقد النفّري٤ .
ومن أخصّ خواصّ الصوفيين، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلّم، بل بالذوق. والذوق كما عبّر عنه ابن عربيّ٥: “أول مبادئ التجلّي، وهو حالٌ يفحأ العبد في قلبه”. والذوق لا يكون يغير الوجد، والوجد آخر أطوار العشق، والوجد هو سيّد الملحمة الصوفيّة برمّتها، رعشة الروح، وحزنها، وتوقها، وطربها. والصوفيّ كائنٌ ناقص يكابد توقاً للاكتمال، وكماله لا يكون بغير الاتصال بالحبيب…
نقرأ في نص الكاتبة زهرة: “تراه بين خطاها يقفوها، يتوارى خلف آهةٍ تفرّ من عقالها، يراقب مخاصها، وجعها، ظمأها…وهنا، يغرقها…”
ألم تعش، قبلها، فيلسوفة العشق الإلهي رابعة العدويّة٦ هذا المخاض؟, ألم تكابد مكابدتها؟، كيف لا، وهي التي تصف حال العاشقين:
وارحمتا للعاشقين قلوبهم………في تيه ميدان المحبّةِ هائمةْ
قامت قيامة عشقهم فنفوسهم…….أبداً على قدم التذلل قائمةْْ
وبعد رابعة، تفنّن الشعراء بوصف حال العاشقين الربّانيين، وأصبح شعر الحبّ الصوفي من أرقّ شعر الحب في التاريخ الأدبي العربي، وأصبح العشق الصوفي، حالة فناء وذوبان في المعشوق. من الشعراء الذين تفننوا بفكرة الفناء والمحبة الإلهية، أبو عليّ الروذبارى٧:
روحي إليك بكلّها قد أجمعت….لو أنّ فيها هلْكَها ما أقلعتْ
تبكي عليك بكلّها عن كلّها..….حتى يقالَ من البكاء تقطّعتْ
أنه العشق إذن، يجذب سالكه في رحلة العذاب اللذيذة، وإنه الشعر إذن.
منذ أن افتتحت رابعة العدويّة مفهوم العشق الإلهي، وتغنّت به، واكتوت به…
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي….منك وصلاً فهو أقصى منيتي
صار للعشق شعراؤه وشهداؤه، وبالعشق، صار السالك يسلك طريق العرفان، فيتخلّى من أجله، ويتحلّى، ليكون جديراً بحبّه، حين يصل مقام التجلّي، ويصل إلى الرؤيا، ينبوع الينابيع كلها، والنور الكلي الذي تهفو إليه الأرواح. والرؤيا، هي رؤية بالبصيرة، لا بالبصر، وهي الطريق الوحيد للعرفان: “يا عبد: من رآني عرفتي، وإلا فلا”، كان يقول النفّري.
إن شرف الصوفيّة كلها، قل شرف الإنسانية، إنما يكون في هذه الأنفة، التي تجعل روحه النبيل، لا تشبعه المحسوسات، فلا يرضى بغير الحدود القصوى.
يقول ابن عربي: “لا شيء أقوى من النور، لأن له الظهور، وبه الظهور”
لنقرأ كيف أنجزت كاتبتنا هذه الرؤيا في نصها:
“تتشمّم عطره في زوايا الصور الراحلة مع قوافل النسيم…تفتح راحةً تتلظّى…تلملم نفسها…تجول عيناها بحثاً…يناديها من تحتها…تلفيه متكوّراً بينها وخطوة منتظرة، مبهماً ما اتّخذ بعد وجهاً…”.

مقام التجلي
بالعشق بدأ الصوفي رحلته، وبالعشق سلك طريق الجلجلة، وبالعشق هجر مقاماً ليرتقي مقاماً أسمى: تخلى، وتحلى، حتى صار في بهرة الضوء، وجه الحبيب، أو طيفه، أو هذيان يصبح فيه وجوده، فالحب دينٌ وسبيل، وغاية…
أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت … ركائبه فالحب ديني وإيماني
هكذا أعلن الشيخ الأكبر.
والرومي قال عن العشق: “عندما اشتعلت نيران الحبّ في صدري، أحرق لهيبها كلّ ما كان في قلبي”
والصوفي، العاشق لله، التوّاق للرؤيا -الحقيقة، يتوسّل إليها بعشقٍ أرضي؛ ألم يخلق الله العشق في الإنسان آليةً تقوده إليه؟!، ألم يجعل الجمال محرّضاً معرفيّاً!؟.
والصوفي، ذلك اللائب، أبداً على المقامات العلا، يتملّكه الحنين نحو اليانعات الخالبات. وأين يجد مبتغاه في طريقه نحو النور الإلهي البعيد، المتعالي، بغير الحب؟، فذاته تلاحق كلّ ما هو وسيم، والوسيم لا يتجلّى للذات إلا بمقدار ما تدانيه الذات، عبر الشوق والتوق. وبهذا الشوق وحده تتحرّك الذات صوب الأسمى، فالأسمى؛ لتصير هي ذاتها نسخةً عن الوسيم.
شمس التبريزي٨ جال البلاد، وطوى الآفاق، بحثاً عن شريكه، وحين ظفر بجلال الدين الرومي، اكتمل الاثنان، فكان الرومي، أعظم شعراء الحب الصوفي على الإطلاق، وكان شمس، شهيد الحب.
والسهروردي٩ بدّل المدن كما يبدّل المحزون وسائد الأرقِ، حتى التقى بالحلّاج١٠ ، فاندغمت أنفاسهما الشعريّة معاً،وأينعت:
سقانا فحيّانا فأحيا نفوسنا ….و أسكرنا من خمر إجلاله عفواً
فهمنا وهمنا في مدامة ……وسرنا نجرّ الذيل من سكرنا زهواً
ويقول الحلّاج :
لي حبيبٌ أزوره في الخلوات…..حاضرٌ غائبٌ عن اللحظات
ما تراني أصغي إليه بسمعٍ…….كي أعي ما يقول من كلمات
حاضرٌ غائبٌ قريبٌ بعيدٌ……..وهو لم تحوِه رسوم الصفات
أما ابن عربي، فيقولها صراحةً في مقدمة ديوانه (ترجمان الأشواق):
“هي السؤال والمأمول، والعذراء البتول، فكلّ اسم أذكره، ففيها أكنّي، وكلّ دارٍ أندبها، فدارها أعني….”، ويقصد (النظام), أخت أحد أصدقائه الذين التقاهم بمكة، في طريق رحلته من الأندلس إلى الشام. ويرى الدارسون أن نشاطه الكتابي ازداد، بعد تعرّفه إليها وحبها.
أخيراً، لنقرأ كيف كان التجلّي في خاتمة نص شهد الغياب، للكاتبة زهرة خصخوصي:
“تندفع إليه تروم رسم بعض سماته، تقرّبه منها، تتفحّصه…يعلو صوتها يهدهده…فداك العمر أغدي…
يينع العمر، وتعبق أهازيج السماء”.

هوامش
١_ رواه المقدسي، والديلمي في مسند الفردوس
٢_القشيري: عبد الكريم ابو القاسم (٣٧٦- ٤٦٥هج)، اشتهر بالرسالة القشيرية
٣_الرومي: جلال الدين، محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (٦٠٤- ٦٧٢ هج)
ا٤_النفّري: محمد بن عبد الجبار بت حسن، من أسهر كتبه، المواقف، والمخاطبات.
٥_ابن عربي: محي الدين، الملقب بالشيخ الأكبر، أحد أشهر المتصوفين، ولد بالأندلس، وتوفي قي دمشق، ودفن في سفح جبل قاسيون.
٦_العدوية: رابعة بنت إسماعيل العدوي، ولدت بالبصرة حوالي١٠٠هج، وتوفيت ١٨٩هج.
٧_الروذباري: أبو علي، محمد بن أحمد بن القاسم بن منصور، توفي سنة ٣٢٢هج
٨_التبريزي: شمس الدين محمد بن علاء الدين التبريزي، من تلامذة ال ومي، مات مقتولا، بسبب علاقته بالرومي.
٩_السهروردي: شهاب الدين (١١٥٤-١١٩م ) مات مقتولا .
١٠_الحلاج: الحسين بن منصور، شاعر صوفي (٧٥٨-٩٢٢م)، مات مشنوقاً.

السابق
شَهدُ الغياب
التالي
حديث الشيطان

اترك تعليقاً

*