قراءة في مجموعة قصصية

قراءة في المجموعة القصصية “تباريح”

للكاتبة عفيفة أم الشيماء

11989343_923163734445269_986270152_o

تأتي المجموعة القصصية القصيرة جدا ، و التي تحمل عنوان تباريح لعفيفة أم شيماء في ظل ظرفية ، خاصة يعرفها ، مشهد القصة القصيرة جدا و الذي صار يتميز وكمشهد بوجود صراع و وجود توجهات داخل نفس المشهد …
و المجموعة بدت كما لو أنها اصطلت ،بجذوة من نار ذلك الصراع ،و النقاش المستعر ، و الحامي الوطيس فيما بين توجهين ،يحاول كل واحد منهما ،أن يكتسب انتشارا ،على حساب الآخر…
هكذا و إذا كان كل اتجاه يحاول ، أن يتعصب ، لتياره و توجهه ؛و يحاول أحدهما أن يكسب المعركة ، أي معركة النقاش الدائر ،لصالحه ، فإن قاصتنا و مبدعتنا ،عفيفة أم الشيماء ، لم تبد ، أو تظهر في مجموعتها ،متعصبة لأي توجه ،مجربة الكتابة ،التي توجد عند التوجهين معا … و كأنها تدعو ،من خلال نصوص المجموعة ،و تحاول أن تقول ،بأن إمكانية إنفتاح كل توجه ،على التوجه الآخر ،بات أمرا ممكنا ،و هو ما حاولت ، أن تقوم به في مجموعتها ،

كما و هو ما حاولت أن تجربه و كتوجه ،من الكتابة الجديدة ،و كتوجه ، و كتصور جديد ، داخل القصة القصيرة جدا ، فهي بذلك تبدو ،و كأنها مع مختلف ،الألوان و التوجهات ،التي حاولت أن تظهر ،في القصة القصيرة جدا… و يحاول أن يظهر ذلك الإنفتاح ،و تلك المسحة الغير متعصبة ،لإتجاه واحد ،في كون ما أن النصوص ،و بصفة خاصة ،و نظرا للخصائص ،التي صارت تحملها ، طبيعة تلك النصوص ،القصصية القصيرة جدا. بأنها هي نفسها و كنصوص تحاول أن تقدم ،مثل هذه الإجابة ،و تلك الرؤية المتفتحة ،على مختلف التوجهات .

ا/ فيما يتعلق بالتوجه الواقعي و المباشر:
هكذا ففيما يتعلق بتعاطي المبدعة مع لغة واقعية و مباشرة تحاول فيها أن تتجاوب مع أحد الإتجاهات المتصارعة ،فقد بدت النصوص الآتية ،و كصنف من النصوص في مجموعتها ،
قلنا فقد بدت هذه النصوص و كأنها تتجاوب مع هذا الإتجاه و هي النصوص التالية:

ابتلاء
عاد إلى وطنه بعد عمر من السّهو و التّرف في المهجر ، فعاد إلى ربّه. صلّى الفجر في المسجد ، فلم يجد حذاءه الذي كلّفه ثروة. ابتسم ثمّ قال: ربّي إنّي مسّنيَ الضّر!.

اختِصار
… قفز. لامس رأسه سقف كوخهم القصديريّ فَرَحاً حين سمع اسمه في قُرعة برنامج ” يوم من الأحلام” أخذوه، نظّفوه، مشّطوه، عطّروه بِغَالِيري، انتقى طاقما حريريا أسود و قميصا أبيض بربطة عنق حمراء. أنزلوه أفخم فندق في جناح الشخصيات المهمة. نّزَّهوه بين أرقى أحياء العاصمة و شوارعها باللّيمُوزِين . زار قصر الرئاسة. صافح أشهر شخصية سينيمائية. و أشياء أخرى من أحلامه. جلس إلى طاولة من خشب التّك، مُذهّبة الحَوّاف، رخاميّة السّطح، تذوّق الكافِيار الأسود، تناول أطباقا يجهل اسمها، و فواكه من غرب أمريكا و شرق آسيا و جنوب إفريقيا حتّى بَطِن. قام يتمايل. نظر إلى نفسه في المرآة فصدّقها، لكنّ ابتسامته ظلّت تفضح أسنانه الصَّدِئة. ترنّح إلى الساحة الخلفية. خجل… لَوّح للخادم بالذّهاب. غطس في مسبح من السّيراميك الأزرق. نزل إلى القاع و لم يصعد.

ب / النصوص الرمزية : و خصوصا تلك التي تنتمي للسهل الممتنع:
فإذا كانت تلك النصوص السابقة ،تحاول أن تنتمي إلى ذلك التوجه السابق و حاولت المبدعة أن تجربه ،و معبرة بذلك عن انفتاحها على مختلف الحساسيات التعبيرية ، فهي بنفس الدرجة أيضا فقد رأيناها مع نماذج من نصوص أخرى تحاول تجريب هذه المرة تلك الذائقة الفنية و الحساسية الأخرى ، هكذا وجدناها تنفتح على التوجه الآخر و المناقض للإتجاه الواقعي و المباشر ، و لتتعاطى مع لغة الرمز أي تلك اللغة التي تحاول أن تقترب في تعبيريتها من لغة الشعر و رمزيته و من لغته البلاغية …
التجريب ، و الدينامية :
أو كلمة قبل المرور إلى محاولة الحديث عن المجموعة القصصية إنكسارات :

التجريب :
هكذا صار يتبين بأن القاصة عفيفة أم الشيماء تسعى إلى محاولة تجريب قصصيا ، مختلف تلك الألوان ، التي حاول أن يقع حولها نقاش حامي الوطيس و صراع فيما بين الإتجاهين و كأننا بها أي بالقاصة ، تقول ــــ وهذه ربما هي رؤيتها و موقفها من هذا الجنس ،أي خصوصا أمام وجود ذلك الصراع القائم ــــ بأن على المبدع أن يتفاعل ، و تماما كما حاولت أن تتفاعل هي، و تماما كما سنرى مع بقية البحث في المجموعة ، خصوصا عندما حاولت أن تتفاعل مع التوجهين معا ،كما حاولت أن تجرب إبداعيا و قصصيا ،مختلف الألوان ، و مختلف الأشكال ،…

الدينامية :
هذا و إذا كانت المبدعة قد تمكنت من إيجاد إجابة لذلك الصراع الدائر فلكأننا بها ترى في ذلك الصراع جانبا إيجابيا أكثر منه سلبيا ،و ذلك مما أنه و كصراع ، حاول أن يخلق نوعا من الدينامية ،و الذي كان من نتائجه ،إتساع رقعة القصة القصيرة جدا ،و التي صارت تعرف إنتشارا ،فحاول الصراع أن يخدم القصة القصيرة جدا ، أكثر مما قضى عليها ،فعرفت القصة القصيرة جدا ، بذلك ثراءا و غنى ، و ذلك بفضل تلك الدينامية الداخلية ….
هذا إذن ما وجب قوله قبل المرور إلى محاولة الحديث عن المجموعة القصصية القصيرة جدا و التي تحمل عنوان : إنكسارات لصاحبتها القاصة و المبدعة الجزائرية عفيفة أم الشيماء . ..

التوجه الرمزي :
و هو التوجه الرمزي ،أو الكتابة الأقرب إلى لغة الشعر و هي صالحة للقصة كما هي صالحة للشعر ،و هذه الكتابة حاولت أن تتجاوب فيها القاصة مع التوجه الرمزي ،أي تماما كما تجاوبت سابقا و وكما رأينا مع التوجه الآخر و خصوصا ذلك التوجه الواقعي و المباشر ..
و هذا الإتجاه و الذي يحاول أن يحضر بقوة هو الآخر في المشهد القصصي القصير جدا ، فإننا سنلمسه لدى القاصة ، عفيفة أم الشيماء من خلال هذا النص الذي يحاول أن ينتمي إلى النص السهل الممتنع و هو النص الموسوم بعنوان إشتهاء ،و الذي من خلاله و كنص سنرى كيف ستحظر نصوص أخرى تحاول أن تساهم ،في تضويئه هو كنص داخل المجموعة القصصية لهذه القاصة :
هكذا ،فإحدى نصوص السهل الممتنع، و كنص رمزي ، سنرشح هذا النص للمقاربة و هو النص الذي نوهنا به في فرصة سابقة و هنا عودة أخرى إليه :
و يحاول أن يتعلق الأمر هنا بنص :

اشتهاء
وقفتْ أمام مرآتها، تأمّلتْ خطوط جبينها، مسحتْ بلطف، و نعومة على بطنها البارز. تهلّل وجهها… أغمضتْ عينيها… ابتسمتْ… راحتْ تتخيّر الأسماء… صرخت إذ قاطعتها الوسادة، و انفلتت من تحت ثوبها.

هذا النص لعفيفة أم الشيماء يمكن اعتباره بأنه ـــ هو أحد تلك القصص النماذج التي يمكن إرتيادها و محاولة التعاطي معها قصصيا في صناعة القصة القصيرة جدا ـــ و يحاول أن يأتي هذا من كون ما أن هذا النص ، و لهذه المبدعة ، فهو من تلك النصوص التي تحاول أن تردم الهوة فيما بين توجه و توجه آخر يوجدان في المشهد القصصي القصير جدا محاولة بذلك أن ترضي الذائقتين القصصيتين معا و المتواجدتين داخل القص القصير جدا ،و ساعية و كنصوص ، لأن ترضي الطرفين معا ، و ذلك مما أنه و كنص ، فقد حاول أن ينبني ، على مكر خاص ، و خداع حاولت من خلاله ، المبدعة أن تقاوم به رقابة المتلقي و بصفة أخص أن تخدع حواسه القرائية في محاولة إدراك ظاهريا فقط معنى النص و هو بذلك ، أي القارئ ، إذا ما هو ، اكتفى بالقراءة الحسية : (التذكير بالتقسيم الذي كان يضعه الجرجاني) على مجرد مستوى ظاهري ، و فقط ، و حسي أو حواسي فقط ، أي على مستوى التلقي ، و القراءة ، ثم أنه من جهة أخرى ، فإنه ، أي هذا المتلقي ، فهو إذا ، ما لم يحاول الإستنجاد بالنظر العميق ـــ نلمح هنا إلى مفهوم الرؤيا أو الحدس الباطني لما يوجد تحت البنية الظاهرية مفهوم الرؤيا الذي كان يقول به الجرجاني ـــ أي القراءة الباطنية و التي تحاول أن تتجاوز الظاهر و ذلك بأن تسعى ، و كقراءة إلى محاولة تأويله ، و بصفة أخص بملكة الرؤيا، و الحدس؛ أي على مستوى التلقي و القراءة دائما ،و ما لم يحاول ، أي هذا الأخير ، استشراف ، أو محاولة الوقوف، على ما تحاول أن توحي لنا به المستويات الظاهرية باعتبارها دالة على معنى باطني ، تحاول أن تشير إليه ، و أن تلمح إليه ، فتحاول و عبر محاولة التوسل بهذه اللغة العارية ، أو الأشبه بالعارية ، من المستويات البلاغية = درجة الصفر في الكتابة فإنها و كلغة، و صورة، و طريقة تعبير تحاول أن ترقى لأن تكون في النص لغة ، لكن في صورة رمزية . (أنظر بهذا الصدد حديث ستيفان أولمان عن اللغة العارية ، أو درجة الصفر في الكتابة ، ــــ و ذلك بصفة خاصة في كتابه النقدي الرائد الصورة الروائية ــــ أو التي تبدو بأنها خالية من المحسنات البلاغية ، في الوقت التي تتحول هي نفسها و كلغة إلى لغة مجازية أي حيث صارت تسمو و تحاول أن ترتقي إلى لغة الصورة و إلى لغة الرمز و هي لغة الصورة و لغة المجاز التي ، و التي صارت أحوج ما تكن إلى التأويل أي أحوج ما تكون إلى محاولة تجاوز تلك القراءة الحسية الظاهرية و التي تتوقف فقط عندعند اللغة السطحية و وعند المعنى الظاهري السطحي هكذا و جدنا استيفان أولمان يقول < < ...... >>
فهو نص انبنى على مكر وخداع أسلوبي رائع قادر على أن يثمن إبداعات هذه المبدعة و أن يجعلها من النماذج الرائدة قصصيا فإذا نظر للنص من وجهة نظر الذائقة الأسلوبية ـــ أي وخصوصا تلك التي تحاول أن تؤمن بالذائقة و الحساسية ـــ التي تؤمن بما هو ظاهر و مباشر و سهل في لغته فإن النص سنجده بالفعل يستجيب لمثل هذه الشروط و الي تحاول أن تؤمن بها تلك الذائقة و تلك الحساسية في التلقي ، لأنه حاول أن يجيء إلينا في فستان ظاهري و سهل مباشر ، … هذا ، و في المقابل ،إذا نظر إليه من وجهة النظر الرمزية أو من وجهة نظر تلك اللغة ، و التي تحاول أن تقترب في لغتها من اللغة الشعرية ،و هي اللغة التي رأينا كثيرا من المبدعين داخل القصة القصيرة جدا يتعاطونها ، و يسعون إلى محاولة الدفاع عنها كذائقة و حساسية جديدة و كتوجه جديد داخل القصة القصيرة جدا ،و بصفة خاصة بمحاولة جعل مثل هذه اللغة تحضر داخل نصوصهم الإبداعية … أي و ذلك باعتباره ،و كتوجه سردي جديد يحاول أن يتواجد ،جنبا إلى جنب ،مع التوجه الآخر أي و ذلك دائما داخل :المشهد القصصي ، القصير جدا فإنه سنجده يستجيب لذلك و ذلك دون الإغراق في الرمزية و في الغموض بشكل كبير و هو الجانب التمويهي الذي حاولت أن تلجأ إليه هذه المبدعة و ذلك ، بالطريقة ، التي يحاول أن يتنكر بها المعنى مخادعا بذلك المتلقي ، و هو و كمعنى يحاول أن يتلبس لباسا و لغة غير لباسه و غير لغته المعبرة عنه هو كمعنى ، سعيا بذلك المعنى و كمادة خام لأن يخفي نفسه ، ـــ و ليطلق بذلك العنان لمحاولة ظهور القراءة التفاعلية و التي و كقراءة لا تتطلب قارئا يحاول ، أن يكتفي فقط ،بالإستهلاك و بالتلقي السلبي، بل تتطلب متلقيا يتلقى و يشك في اللغة ،و المعاني ، التي تأتيه عبر حواسه ، فقط ، أو عبر قراءته الحسية الظاهرية و ليضع معناها و لغتها ، بين قوسين . ساعيا بذلك لأن يشك في ذلك المعنى الظاهري ، بل و محاولة التحقق و التأكد بأنه هو المعنى الحقيقي للنص ، أي ، و ذلك ، إلى غاية إنهاء قراءته للنص متبينا بذلك إذا لم يكن النص يحاول أن يخدعه و يخدع حواسه خصوصا إذا ما اقتصر بمجرد مستويات ظاهرية حواسية فقط ، في محاولة تلقيه و تأمله للنص ، ــــ بمحاولة تنكر المعنى أو محاولة خروجه أي في محاولة ، تحققه المادي في لباس و طريقة إيعاء و تصوير ، يبدو ظاهرا بأنه مباشر في معناه ، لكن إذا ما تم تأمله و محاولة النظر إليه عميقا ، أي كمعنى ظاهري، فلوجدناه يحاول أن يخفي و يضمر بمعناه المباشر ، أي ذاك الذي يظهره سطحيا ،سنجده يضمر و يخفي ، معنى آخر خفي ، و باطني .لا يمكن أن يدرك حسيا فقط في المعنى الظاهري و الذي جاء هنا في النص على سبيل المجاز و ليس على سبيل الحقيقة و لكن الحقيقة فقد ظلت هناك ، تتخفى و تتوارى ، أي خلف هذا الظاهر كبعد تمويهي خادع للقارئ الذي يكتفي بمجرد أبعاد حسية أو ظاهرية ….و للكلام بقية … مع نصوص أخرى لنفس المبدعة و هذا ما سنحاول ، القيام به و ذلك خاصة على ضوء المجموعة القصصية القصيرة جدا و التي صدرت مؤخرا للمبدعة تحت عنوان ، إنكسارات حتى تتبين مثل هذه الأبعاد بشكل جلي في النصوص المختلفة لهذه المبدعة و التي حاولت أن تحاور إبداعيا طبعا ، التوجهين معا مقدمة ، إبداعيا دائما جوابا ، رائعا حول الإشكال النقدي الدائر اليوم ، سواء بين المبدعين أو النقاد في محاولة تمثل ، أو محاولة ،تصور هذا الجنس الحديث جدا ألا و هو القصة القصيرة جدا، هذا و على شاكلة مثل هذه النصوص أي و التي تحاول أن تتميز بها عفيفة أم الشيماء ، عادة ما سنجد نصوصا أخرى ،و لمبدعين آخرين ، تحاول أن تنطبع بهذا الطابع ، و تلك الخصوصية ، التي نجدها في هذا النص السابق ، كنصوص شيرين طلعت تحاول أن تتميز بهذه الميزة ، و غيرها أي تلك التي يمكن أن نجدها لدى مبدعين آخرين أو كما قلنا ذلك سابقا …. هذا و إذا كان المعنى الظاهري لهذا النص أي اشتهاء. فإذا كان النص ظاهرا يحاول أن يحيل على معنى ظاهري يحاول أن يتمثل في : كون ما أن امرأة هي بصدد رؤية نفسها في المرآة و هي تفرح بمظهرها و بما يوجد في بطنها من خير عميم تنتظره أي تنتظر جنينا مولودا صغيرا سترزق به و ستفرح به بقية أيامها خصوصا بعدما سار في رأسها الشيب أي من قوة انتظار هذا الولد فهاهي ترى نفسها حاملا لكن مفارقة النص ستظهر عندما سيتبين للقارئ بأنها كانت تحلم فقط و أن ما انتظرته من حلم تشتهيه و تشتهي و تأمل بأن يتحقق فلا يتحقق إلا على مستوى الحلم أما على مستوى الواقع فهناك يأس الشيخوخة فضلا عن كونها لم ترزق الولد الذي كانت تتمناه. هذا هو ظاهر النص إذن فترى إذن هل بهذا المعنى الظاهري يمكن للمتلقي أن يقنع و أن يحصل إشباع قرائي لديه ؟ نحن شخصيا لا نعتقد بأن النص يقف عند هذا المعنى المحدود، للنص. و ذكاء المبدعة و تحايلها على القارئ ،حاول أن يكمن : في توظيفها لواقع يومي وواقعي قائم إذ حاولت استغلال حالة العقم لتمرر به و من خلاله بعض المعاني الأخرى و بذلك فهذا النص لا يمكن أن يقرأ بمعزل عن نصوص أخرى أكثر إضاءة لهذا الموضوع و الذي نحن بصدد محاولة التفكير فيه و بصدد محاولة تبين المعنى العميق و الباطني للنص و هل المرأة هنا هي المرأة الحقيقية أم أن المرأة تحاول أن ترمز به المبدعة و كرمز ، إلى الوطن و همومه ، و إلى البلد ، و الأرض التي تعيش فوقها أي هي و غيرها من العالم ،أو الوطن العربي، أي أمنا تلك الأخرى … و نحن فعلا ، إذا ما تأملنا النص ، و بصفة خاصة، العناصر التي حاول أن يتأثث منه مشهده و صورته الظاهرية فإننا سنجد العناصر الدالة الآتية : < < تأمّلتْ خطوط جبينها >> < < مسحتْ بلطف، و نعومة على بطنها البارز >> لوجدنا صورة النص تركز على الكبر أو على الشيخوخة التي تهل على حياة المرأة المصورة هنا و ذلك ما هو مبين في وجود خطوط الكبر على الجبين ، هذا من جهة. و من جهة أخرى، أو الوسواس المؤرق للنص هو الولادة أي الرغبة و الشهوة العارمة في الولادة مما يدل على وجود عقم و مما كان ذلك وراء تلك الأحلام الكاذبة أي تتخيل نفسها بأنها ستلد مولودا و النص لن يفهم إلا في ضوء و كما قلنا نصوص أخرى تحاول أن تضيء هذا الجانب …
هذا و قد قادتنا قراءتنا للنصوص بأن نلج تلك النصوص و منها هذا النص نفسه من المدخل التالي :
فالنصوص التالية :ستسعى لتضويئ و بشكل أمثل النص السابق : و من ذلك هذا النص:

في مَــهَبّ الذّكْـرى
ما زَالتْ تُــعِـيلُهم و تُــعْــلِيهم مِنْ حَقْلِها الصّغير، حتىّ اشْتدّت أعْوَادهم، و تَـفَرَّقتْ بِهم السُّبُل، جَلستْ إلى الفَزّاعة تُحدّثها كيْف تسلّل البَياض إلى مَفَارقها.

و هذا النص مضيء للنص السابق لإشارته هو الآخر و كنص ، إلى الشيب أو كما عبرت عن ذلك في النص أي المبدعة عندما قالت : < < جَلستْ إلى الفَزّاعة تُحدّثها كيْف تسلّل البَياض إلى مَفَارقها >>
و لنسطر على < < تسلل البياض إلى مفارقها >> أي دلالة على معنى انتشار الشيب في شعرها
هذا و ستضاء النصوص أكثر بالنص التالي:

آخر الحصاد
مات أبو حمزة… بعد هلالين تجمّع عند أرملته نسوة متناثرات الاحتمال بين استمرار الوجود و الانقراض على بُسُط مُدّت للانتظار منذ أول اسم قافيته التّأنيث. اشرأبّت أعناقهن. همهمن بالدعاء. تفصّدن عرقا. جلجلت الصيحة الأولى. شخصت عيونهن نحو الباب. خرجت عليهن: أبشرنَ … هذا يَحْيَاكنّ.

و لنلاحظ هنا مجموعة من النسوة يعشن في حالة انتظار ينتظرن مولودا و ليختم النص بعبارة دالة و هي الآتية : < < أبشرنَ ... هذا يَحْيَاكنّ >>
هكذا و ليتبين مما سبق من النصوص و من ذكر للعناصر المؤثثة لصور النصوص القصصية أنها و كنصوص باتت موجهة من قبل صورة مركزية و متحكمة فيها كنصوص بل وإن لم نقل باتت مفسرة لها هي كنصوص: فالنصوص بدت و كأنها ، تحاول أن تستحضر ، و بذكر الشيب ،و الرغبة أو الحلم بالولادة ، نتيجة كون الرحم المصور هنا للمرأة بأنها عاقر لا تلد ،.. قلنا فقد بدت و كنصوص بأنها تحاول أن تستحضر ، قصة زكرياء:
< < رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا و لم أكن بدعائك ربي شقيا و إني خفت الموالي من ورائي و كانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني و يرث من آل يعقوب و اجعله ربي رضيا >>، فمختلف العناصر التي تحاول أن تؤثث المشهد أو صورة القصة التي حاولت أن تترسخ في أذهاننا و التي بقيت أذهاننا و ذاكرتنا تحتفظ بها كصورة ذهنية راسخة الأوتاد فيها لا تقتلع و لا تغيب ،خصوصا بعد أن قرأنا القصة القرآنية فمعرفتنا بتلك التفاصيل و ما يحاول أن يؤثث الصورة المشهد فإن ذلك وجدناه ينعكس بشكل أو بآخر في نصوص المبدعة و هو ما يعني أن المبدعة بدت تعتمد على ذهن و ذاكرة المتلقي في محاولة تأثيث و بناء صور و مشاهد نصوصها بل و تحاول أن تعول على تلك الذاكرة القرائية للمتلقي في محاولة قراءة و فهم نصوصها .. و النص الذي يبدأ بعبارة < <مات أبو حمزة >> فيه ذكر لأسم يحيى مما يذكي التخمين و التنبؤ بالصور الخلفية و كمعاني و أخيلة قرآنية تحاول أن توجه الفهم في النصوص لمحاولة الوقوف بذلك على دلالة النصوص المتوارية إذ المرأة هنا أو النساء ليست شيئا آخر ربما غير الوطن أو الأرض هذا ،و ربما تعزز هذا بنصوص أخرى أي تماما كما يمكن أن يوجد ذلك في نص < < في مهب الذكرى >> و في نص< < آخر الحصاد >> :فهي الأوطان إذن هي التي صارت تسعى لأن تحلم و تحلم بوليد جديد يغير وجه الأرض على ما هي عليه من هرم و عجز و شيب و هنا تلك الإحالة القوية على قصة زكرياء و حلمه بأن يرزق بولد و سيسمى يحيى فهذه القصة و كصورة خلفية لمختلف الصور النصية الأخرى،فقد بدت ، تتحكم في تصوير النصوص ،و تمنح الأخيلة و الصور الممكنة للمبدعة عفيفة أم الشيماء لتبدع صورها الجديدة و المستمدة من الصورة الأصلية و الموجهة و المفسرة و المركزية تلك ،و هو ما تجلى ،في استلهام خياليا ، تلك الصور القرآنية في النصوص القصصية خصوصا تلك التي أقبلت على محاولة إبداعها و محاولة إنتاجها أي المبدعة …

ـــ هكذا و على افتراض ما أن معاني النصوص أي تلك التي أرادت أن تعبر عنها المبدعة هكذا فإذا ما نحن افترضنا جدلا بأن المبدعة عندما سارعت إلى محاولة التعبير عن معنى مخصوص و هو معنى : < < >> فقد وجدناها و كما تحاول أن تبين الصناعة و طريقة التصوير في النص أي كيف بدا الإلباس و طريقة التصوير في النصوص ….
قلنا من أجل ذلك فقد وجدنا بأنها تتجه إلى تلك الصور الأصلية أو المرجعية و ذلك لتستعير صورها استعارة و رمزيا منها متخذة بذلك منها صورا تحاول أن تؤثث بها نصوصها أي صورها و مشاهدها القصصية و ذلك سعيا إلى محاولة أداء المعنى أداءا غير مباشر ـــ
قلنا الهرم ، و العجز ،و الشيب ، و ذلك بسبب الصراعات بين الإخوة و تمزق عرى الوطن الصغير أو الكبير … أي تماما كما هو مبين ذلك في النص السابق في مهب الذكرى :

…..فالنصوص إذن مهجوسة بوسواس الأوطان و بالصراعات الدائرة فيها و بتقطعات الأرحام أي تماما كما يسعى أن يصور حلم الأوطان نص< < آخر الحصاد >> و نص :< < إشتهاء >> و هو أي هذا النص الأخير أي اشتهاء، سيتبين لها فقط بأنها كانت تحلم فقط فما انتظرته لم يحاول أن يتحقق،فظلت تعاين ذلك في الحلم فقط ، أما الواقع فهو شيء آخر ، أي فهو غير ذلك الذي نحلم به و نشتهيه .. و تماما كما يسعى لأن يصور التفرقة و التمزقات نفس النص< < حتىّ اشْتدّت أعْوَادهم، و تَـفَرَّقتْ بِهم السُّبُل >> أي نص :< < في مهب الذكرى >> و صراعات الإخوة فيما بين بعضهم البعض و القتل النصوص التالية … هكذا فإذا كانت هذه المجموعة من النصوص يحاول أن يفسر بعضها بعضا لأنها حاول أن تحتكم لنفس الصورة المشهدية و القصصية القرآنية الموجهة لمعناها و المتحكمة فيه هو كمعنى ، فتفسره تفسيرا فكذلك الأمر يحاول أن يحدث مع مجموعة نصوص أخرى فالنسعى إلى تتبع هذه النصوص الآتية بل و ليتبين من خلالها أن موضوعنا السابق أي حول التفرق و التمزق و ذلك باعتباره هو سبب الشيب و العقم الذي أصاب النسوة أو الأوطان لكن الجديد فهو محاولة البحث عن صور موجهة و أخيلة قرآنية أخرى ستسعى المبدعة من خلالها إلى محاولة إنتاج صورها الجديدة فالنتبين هذا المستوى التصويري من خلال النصوص التالية :
قلنا و سنكرر هنا ما قلنا لأهمية ذلك وعلاقة ذلك بما سنقوله عقب ذلك و تتمة له : قلنا:
قلنا الهرم ، و العجز ،و الشيب ، و ذلك بسبب الصراعات بين الإخوة و تمزق عرى الوطن الصغير أو الكبير فالنصوص إذن مهجوسة بوسواس الأوطان و بالصراعات الدائرة فيها و بتقطعات الأرحام أي تماما كما يسعى أن يصور حلم الأوطان نص< < آخر الحصاد >> و نص :< < إشتهاء >> و هو أي هذا النص الأخير ، سيتبين لها فقط بأنها كانت تحلم فقط فما انتظرته لم يحاول أن يتحقق،فظلت تعاين ذلك في الحلم فقط ، أما الواقع فهو شيء آخر ، أي هو غير ذلك الذي نحلم به و نشتهيه .. و تماما كما يسعى لأن يصور التفرقة و التمزقات نفس النص< < حتىّ اشْتدّت أعْوَادهم، و تَـفَرَّقتْ بِهم السُّبُل >> أي نص :< < في مهب الذكرى >> و صراعات الإخوة فيما بين بعضهم البعض و القتل.
و هنا مرة أخرى ستستحضر قصة صراع إبني آدم و ساعية مرة أخرى إلى محاولة استلهام صورة القصة و مختلف ما كان يؤثث صورة قصة آدم و خصوصا قصة آدم هنا أيضا يحاول أن يتكرر محاولة استلهام من تلك الصورة الأصلية صورا أخرى يتم انتاجها بإيحاء منها و مشكلة المبدعة بذلك صورها الجديدة فإذا كان ما يؤثث صورة قصة آدم أو ابنيه من أحداث كصراع الإخوة و هو نفس الحدث تقريبا الذي تكرر و كصراع بين الإخوة في قصة يوسف عليه السلام ،فإن المبدعة رأيناها توظف هذا العنصر الذي يتأثث منه ذلك المشهد و تلك الصورة من قصة ابني آدم و ذلك ما تجلى و كصراع و نزاع بين أفراد الأسرة الواحدة و بين الإخوة و إذا كان عنصر الدم هو الآخر و كذا القتل من العناصر التي حاول أن يتأثث منه مشهد و صورة القصة القرآنية و المتعلقة بابني آدم فإن مختلف العناصر الأخرى الذي تأثث منه المشهد و صورة تلك القصة و التي و كصور مازالت ماثلة أمام أذهاننا بفعل القراءة و المعرفة فإن هذه الذاكرة القرائية فهي ما يستعان بها في محاولة رصد مرجعيات الأخيلة و الصور كما يستعان بها في .. و كذاكرة قرائية في محاولة فهم مثل هذه النصوص الجديدة و ذلك مما أن ذلك المتلقي المستهلك فقط أو المنفعل لم يعد هو ما يعول عليه اليوم في ظهور النصوص الجديدة و المنفتحة على التأويلات أي لم يعد يعول عليه في تلقي مثل هذه النصوص الجديدة بل هي نصوص تعول على ذاكرة المتلقي في محاولة ملأ البياضات أو في محاولة فهم صور و رموز و أشياء النصوص ….نعم ، أو كما قلنا فكثيرا من تلك العناصر و التي كانت تؤثث ذلك المشهد و تلك الصورة القديمة و التي أحالتنا عليها قصة ابني آدم مختلف تلك العناصر حاولت أن تحضر نصيا و أن تتجلى و كصور في صور و أخيلة النصوص القصصية لهذه المبدعة من صراع بين الإخوة ، إلى ذاكرة الدم و القتل إلى الغراب الذي سيوري أحد الأخوان كيف سيواري جثة أخيه بل و يمكننا أن نرى كيف تحاول أن تتولد، صور أخرى عن هذه الصور و كمرجع مثلا كمحاولة الإقران بين الحزن و الموت و القبر و الفرقة و الغراب فالموت و ما يتولد عنه كتفرقة الأحباب فمختلف هذه العناصر و الصور قد رأيناها توظف بشكل أو بآخر في نصوص هذه المبدعة و ذلك ما يمكن أن نرصده من خلال النصوص التالية:
و قصتهما بالغراب و الذي صار يذكر بالموت و بالقبر و بالحزن و الحداد فذلك ما نجده واضحا في النصوص التالية :
بل و ستقابل المبدعة صورة السلام و الحرب في صورها القصصية و مستغلة تلك الصور و الأخيلة و الرموز مجتمعة لتشكل بها نصوصها و مؤدية و معبرة بذلك عن معانيها تلك فذلك ما نجده في النصوص التالية :
فالنص التالي : بدا و كأنه يستحضر ثنائية الموت و الحياة و الحرب و السلام و الحداد و الأحزان في مقابل الأفراح المصادرة يقول النص معربا و مفصحا و مبينا مثل هذه الجوانب:

شــــرخ
الْتَهَمَ الغُراب القَدِيم غُصْن الزّيتون الغَضّ، فَلَزِمَ النّاجُون أعْلَى الجَبَل، وَ ظَلّ الغَـرْقَى يَـنْحِتُـون في الجِبَال بُيُوتا.

و هنا أيضا في هذا النص فكما يتضح لم يحاول الأمر الإقتصار فقط على الصور التي تحاول أن تعود بأصلها إلى صورة ابني آدم و ذاكرة الصراع ،و الحرب و أللا سلم بين الإخوة و الذين صاروا أعداءا يتطاحنون فيما بينهم بل الصور حاولت أن تمتد و أن تتوزع لتشمل صورا أخرى في قصص أخرى فالنص حاول أن يستحضر مثلا قصة نوح بذكر غصن الزيتون باعتباره رمز السلام و الوصول إلى بر الأمان من أهوال البحر و الخطوب و الحروب المفتوحة و المعلنة … و ذكر جزئية من حياة قصة قوم ثمود ربما و الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ، ليتخذوا منها مساكن لهم ثم ذكر لجزئية الغرق كعنصر أثث صورة قصة نوح مع قومه و هو نفس العنصر الذي سيؤثث صورة قصة أخرى هي صورة غرق فرعون و ملئه في البحر أي في قصة موسى مع قومه … هذا و بصدد نص: فهو النص الذي يستحضر أكثر من غيره تلك العناصر التي كانت تؤثث مشهد و صورة قصة ابني آدم أي حيث يمكن أن نقرأ في هذا النص العناصر التالية و التي تحاول أن تتأثث منها مشهد أو صورة هذه القصة التي أمامنا هنا و تمثل ذلك في ذكر الغراب مجددا ، كدلالة إما على الموت ، أو كدلالة على البين و الفرقة و ذلك من خلال العبارة < < حط غراب >> كما وحاول أن يتمثل ذلك في ذكر:أو في تنسم لرائحة و ذاكرة الدم و القتل في النص ، و كذا أجواء الحزن و الحداد
< < حزينا بِثَوْب حِداده و ما زال نادما على قتله أخيه >>.

عزاء
حَطّ غراب على مئذنة المسجد حزينا بِثَوْب حِداده و ما زال نادما على قتله أخيه يُــردّد : وا حَــــسْرتـــــــاه !… حطّتْ الحمامة بقربه تواسيه: جَفّ غُصن الزّيتون و لم أجد له عنوانا … فكيف لا تحزن الأوطان و الأمهات …؟.

السابق
عرّاف
التالي
توبة الروح

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. غزال مراد قال:

    جميل المكوث ولو لوهلة نمشط آمالنا بين ازقة الكلمات ..شكرا للقاصة وشكرا …

اترك تعليقاً

*