قراءة في مجموعة قصصية

قراءة في مجموعة “شذرات من حياتي”

للكاتب بوشعيب المسعودي

على هامش ملتقى القصة والقصيدة الثاني بمدينة خريبكة أهداني الصديق الكريم الدكتور بوشعيب المسعودي باكورة إبداعاته الأخيرة ، وهي عبارة عن مجموعة من قصص قصيرة وبعض القصص القصيرة جدا عنوانها (شذرات من حياتي ) ومذيلة بعنوان فرعي أو ملاحظة (شئ من الواقع وشئ من الخيال )!
،تأملت عنوان المجموعة فقلت في نفسي:إن الدكتور ربما سيسرد في هذا الكتيب بعض الشذرات من حياته أو بعض المحطات التي ربما بصمت ذاكرته بشئ من الماضي أو الحاضر ،أو بعض المراحل الذهبية ، في حياته ، فانصرف ذهني مباشرة إلى شذرات من فن السيرة الذاتية ، لأن الكاتب وظف شذرات من حياة المضافة إلى ياء المتكلم وفي ذلك إشارة إلى الفن المذكور٠
وأعتقد أن هذا هو أول ما سيتبادرلذهن أي قاريء كيف ما كان وزنه ووعيه النقدي ، لأن العنوان في كثير من الأحيان ما يفتح الباب على مصراعية لاختراق القارئ وعبوره متاهات النص بصفة عامة ، مع شيء من إشارات
و تلميحات لا تفضح محتويات المقروء وتحافظ على الدهشة والاندهاش التي يتوخاها الكاتب من إبداعاته، ويبحث عنها القارئ في مقروؤاته !
تريت بعض الشيء ، وفي نيتي أن العناوين غالبا ماتكون بمثابة مادة لاصقة أو مصيدة تجر القاريء للقراءة ،ولا توحي بمكنون النصوص ، وهذه تقنية فنية رائعة ، نستخلصتها من هذه المجموعة ، فأجلت الحكم على محتويات النصوص إلى إنهاء قراءتها ،فالاكتفاء بقراءة العناوين وأخذ عينات من النصوص وكأننا في مختبر علمي غالبا ما يسئ إلى العمل الإبداعي ،فالمحتويات تختلف من نص إلى آخر في هذه المجموعة ، وكل نص يفرض قراءة خاصة ،خصوصا وأنها تتمتع بالاستقلال الذي يفرضه الجنس الأدبي موضوع الكتاب ،أقصد القصة القصيرة والقصيرة جدا ، ركزت على المحتويات والمضامين والتقنيات الفنية ، في حدود ما تسمح قدرتي القرائية الشخصية، ولأننا بصدد نصوص إبداعية تتميز بالانفتاح على تعدد القراءات ، وهذا ما سنلمسه في هذه المجموعة ،التي أبهرتني كما سنرى في محور اللغة التي وظف الكاتب للتعبير عن هذه الشذرات ، هي فعلا فصول من الحياة ، لكن قد تكون حياة الكاتب جزءا لا يتجزء من مجموعة حيوات مختلفة يعرض لها في هذا الكتيب الطريف اللطيف الممتع ، وفي هذه الباقة الرائعة من القصص التي تراوحت بين القصيرة والقصيرة جدا، بعيدا عن الحكم من خلال التحجيم وإنما من خلال التقنيات الفنية التي يقتضيها الجنسان معا رغم التقارب الكبير الحاصل بينهما.
وجدت أن هذه الشذرات مسحا إبداعيا وفنيا لشذرات من حياة الإنسان بصفة عامة، مهما تنوعت سلوكاته ، فهي شذرات من حياتك، وشذرات من حياتي ، وشذرات من حياتهم ، هذا يعني أن الكاتب مسح مسحا مختلف المشاكل الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية ، والعلاقات فيما بين الأجناس البشرية، فأمثل لذلك بصورة العربي القاتمة في تلك التصورات الغربية المغلوطة(لا فتة بوانتي ) ، إلا أني لا أريد هنا أن أخوض في تحليل نصوص المجموعة، لأن كل نص يستوجب قراءة معمقة وممنهجة خاصة به ، وإنما أردت أن أدون بعض انطباعاتي الأولية التي استنتجتها من خلال قراءتي هذه النصوص !
والملاحظ أن الكاتب ذيل عنوانه( بشيء من الواقع وشيء من الخيال ) . وأعتقد أنه في كلا الحالتين ، لم يخرج عن حدود الواقع، لمجموعة من الاعتبارات ، أهمها أن ما تم نقله من هذا الواقع أو ذاك، لم يكن نقلا لواقع على علاته وبطريقة مباشرة ، ما دام هذا المنقول خاضعا بالضرورة للمسته الإبداعية التي تجعل من عمله عملا أدبيا فنيا متكاملا، هذه اللمسة التي تتميز بها معظم النصوص ، فالنص بمجرد ما يبدعه صاحبه، يخرج عن حدود المكان والزمان ، كما يخرج عن حدود المحلية والإقليمية ويصبح ملكا لقارئ مفترض في زمان ما وفي مكان ما ، وحتى هذا المتخيل فإنه لا يخرج عن حدود واقع قد نعيشه بالفعل ،أوسنعيشه في مرحلة من المراحل إن آجلا أو عاجلا ، فالمتخيل مجانسة لواقع حاصل لا محالة !
لذلك أرى أنه من الأهمية بمكان أن تترك الحرية للقاريء فيحكم على واقعية النص أو خياله انطلاقا من تصوراته الشخصية ، ومن خلال ذوقه وذائقته ، وما دامت النصوص مفتوحة على تعدد القراءات ، بمفهوم أمبرتو ايكو و مكتوبة لا مقروءة بمفهوم بارث ، لكن هذه ملاحظة شخصية لا تنقص من قيمة تذييل العنوان الذي وظفه المبدع ٠
فالمجموعة تستمد جمالياتها الفنية من هذا الاختلاف في القراءات من قاريء لآخر،تبعا للقدرات المعرفية والخلفيات الثقافية لكل قاريء ، والتي شئنا أم أبينا هي التي تحدد طريقة تأويله وتفكيكه للدلالات والرموز التي يوظفها الكاتب ، والأروع في هذه الشذرات أن الكاتب ، يتقمص الكثير من الشخصيات ، فهو رجل تربية ،كما هو الشأن في نص ( أعياد ميلاد ) أو (خوف طفل) ،إذ يطرح مشاكل تربوية ربما لا ينتبه لها الآباء والتي تحفر بعمق في نفسية الأطفال ، ورجل دين كما هو الشأن في مشكلة الإيمان وثنائيات الخير و الشر ، أو عالم اجتماع وسياسة كما هو الشأن لنص (فرملة جامدة ) وفي أحيان أخرى ينقل بعض المعضلات التي يعاني منها الإنسان والمتعلقة بحرية التعبير والتفكير أو التفكير المفروض والمقنن والمفصل وفق مقاسات خاصة تخدم مصالح خاصة ، معتمدا إشارات رائعة لاتخلو من مفارقات ،في أقل عدد ممكن من الكلمات ادون تمديد أو تمطيط كما هو الشأن (للمقال الاول ) فتنزل هذه الإشارات على ذهن القاريء كوخز الإبر أو كويرات البرد الباردة نظرا لانسياب اللغة ووضوح الفكرة، فتدعوه إلى إمعان النظر من أجل هدم النص وإعادة بنائه وفق تصوراته الخاصة سواء كانت فلسفية أو اجتماعية أوسياسية ،انطلاقا مما ورد في نصوص المجموعة من محتويات ومضامين .
والاروع في هذه المجموعة أن بعض النصوص راقتني جدا ، إذ كان الكاتب حاذقا في استثمار الموروث الشعبي المغربي ، استثمارا ذكيا ، ففي نص( هينة) ، لم يستثمره على مستوى قلب الأحداث أو التصرف فيها على سبيل التناص ، أو استثمار أحداث الحكاية معكوسة من النهاية إلى البداية كما يفعل بعضى المبدعين ، وإنما عمد إلى توظيف جملة مشهورة في هذه الكحاية الشفهية المغربية وهي ( هينة يا هينة أش عشاك الليلة ) لتجيب (عشاي النخالة وركادي بين لخوالفف يوسف يا الغدار) فكانت الجملة كاستهلال لقصته الرائعة أو مفتاحا لسرد متميز ، حيث انطلق من مما ورد وسط الحكاية الأصلية ، وهذا يدل على أن الكاتب يحسن استثمار وتوظيف كل أنواع الثقافات بمختلف خصائصها وحتى الشعبية منها !
وربما هذا النموذج الذي سقته في هذه القراءة هو الذي دفعني إلى القول أن كل نص من المجموعة يستوجب قراءة خاصة
و منفردة عن باقي النصوص الأخرى !
ولعمري إن قوة هذه النصوص ، تكمن في قدرتها على جر القاريء إلى إبداع إبداعات أخرى لا نهاية لها ، يحفرها على جسد النصوص موضوع القراءة ٠٠ فما القراءة إلا حفر في جسم المقروء ٠ إذلا تغلق أمامه باب التأويل والتفكيك للإحالات والرموز والتي أعتبرها حقا مشروعا لكل قاريء !
وأنا هنا لا أحلل النصوص الواردة في المجموعة كما سبق، بقدر ما أشير إلى أمثلة أثناء قراءتي للنصوص قراءة شاملة ،
و غير مفصلة ،باعتبار المجموعة وحدة متكاملة رغم استقلالية نصوصها ، والرابط بين نصوصها هو هذا الهم الإنساني الذي يحمله المبدع على عاتقه في كل أبعاده السياسية والاجتماعية و في سلوكات و تصرفات البشر في محيطه سواء كانت واقعية بقالب سردي فني أو كانت متخيلة مجانسة لواقع واقع أو يمكن أن يقع في زمكان ما ٠
ومن خلال قراءتي الأولية لنصوص ( شذرات في حياتي ) لمست تقنية خاصة ربما يكاد ينفرد بها هذا الكاتب المتميز و هي اللغة ، لأنها وعاء يكتسب فيه كل بناء قصصي وجوده ، وهي بالضرورة أهم ما يمكن أن يستميل القاريء كالرحيق الذي يستميل النحل من أقاصي الأرض٠ وباعتبارها بؤرة تنطلق منها كل الأبعاد السردية الأخرى وعاء يتوقف عليه نجاح كل عمل إبداعي و هي عصب قدرة الكاتب أو فشله في السيطرة على انتباه القارئ،!
فاللغة في المجموعة واضحة معنى ومبنى قد لا تنفر القاريء من بداية أول جملة في أول نص إلى آخر جملة في آخر نص ٠ فهذا الوضوح والبعد عن التكلف و عدم توظيف بلاغة الغموض أثناء اشتغال الكاتب على تركيب جمله السردية،نلاحظه تقريبا في مجموع نصوص هذه المجموعة ، فالكاتب – إن صح القول- يكتب لجميع فئات القراء مهما اختلفت أعمارهم أو تنوعت قدراتهم المعرفية وتعددت مشاربهم و خلفياتهم الثقافية، ورغم ما نلمسه من سهولة متعمدة ، يتضح أن لغته قصية عصية منيعة متمنعة عن كل ابتدال أو مباشرة يمكن أن تخلخل جماليات السرد الفنية ، فتجعلنا نقر بأنها سهلة لكنها ممتنعة ، فلا إطناب و لا إسهاب ولا تكلف ولا ترهل ، فكل الجمل التي وظف الكاتب ، تخضع لمكننة الاقتصاد في الكلمات وفي الروابط وهذا يزيد السرد بريقا٠ ،وهذه خاصية من أهم خصائص الجملة السردية التي ترفض تلك الزيادات المجانية التي تثقل كاهل السرد فتدفع به إلى الترهل وبالتالي تجعل القارئ يشعر بنوع من الملل أو تشتت الانتباه !
فاللغة في هذه المجموعة تخلو من تلك الانزياحات التي يستهدف منها تزيين الأسلوب في النص ، فتترتب عنها في كثير من الأحيان هشاشة القصة ، والسهولة هنا بشكل أو بآخر تنحى منحيين فإما تجعل اللغة معيارية تنحو إلى المباشرة والابتدال ، وإما تجعلها سهولة ممتنعة تحافظ على مكانتها كلغة إبداعية إنتاجية لا تواصلية ، وقد نحى الكاتب بقدرته السردية المتميزة المنحى الثاني ، فمعظم التراكيب على المستوى النحوي ،كما نلاحظ لا تخرق قواعد اللغة خرقا مفضوحا ، إذ تحافظ الكلمات على مواقعها الطبيعية في جغرافية التركيب النحوي ، كما تحافظ على محلاتها من الإعراب ،فلا نستنتج أي تكلف أوتصنع أثناء عملية السرد ،فهو لايعدو لا هثا وراء جماليات لغوية قد تحقق المبتغى أو لا تتحققه !
فلغة المجموعة تقرؤك قبل أن تقرأها تعطيك الصورة التي تتوخاها دون تكلف يذكر لكنها لا تحرمك من لذة الكشف والاكتشاف ، والبحث عن المعاني الثواني كما يسميها قيدوم النقاد (الجرجاني) و تلك ميزة الكتاب المبدعين في مجال القصة بنوعيها القصيرة والقصيرة جدا مع الحفاظ على بعض التكثيف والتلميح الذي لا يمنحك المعاني على طابق من ذهب دون توظيف قدراتك المعرفية لاختيار الإسقاطات المناسبة !
ويعود اهتمامي بلغة (شذرات من حياتي) إلى كون المهتم بدراسة المجموعة قد يعتقد للوهلة الاولى أنها لا تعدو أن تكون لغة مباشرة تواصلية ، لا أداة إنتاج ولكن السياق العام للنص يفند ذلك !
فمن خلال قراءة نصوص المجموعة ، تلاحظ أن الكاتب استطاع ببساطته اأن يضفي الجمال على تلك الكلمات والحروف الباهتة في بطون القواميس والمعاجم من خلال سلاسة التركيب ووضوح المعاني ، إذ تقرأ النص وكانك تسير في كتل من الزبد ٠٠ فلا تأفف ولا تضجر ٠ وأعتقد أن الاستاذ المسعودي بحتري النزعة ،جاحظي الرؤية في طريقة توظيف اللغة في إبداعاته السردية !
شيء آخر اثارانتباهي في هذه المجموعة هو الطريقة التي نهجها الكاتب على مستوى التشكيل البصري للنصوص باعتبارها من الجماليات التي تشد القارئ لمتابعةالقراءة،
إذ يلاحظ قارئ هذه النصوص ،أن جدلية الصراع بين البياض والسواد حاضرة بشكل مكثف في جميع النصوص وهذا التوظيف للمد والجزر، لا يراد به تنميق وتزويق الكتابة ، بقدر ما يعطي للجملة السردية طابعا أشبه بالشعري وأكثر جاذبية ، على الأقل على مستوى توظيف المساحات وكيفية استثمار الفراغات بين الجمل أو في نهاياتها ، فهي في نظري تدفع إلى طرح تساؤلات كثيرة قد تساعد القاريء على اختيار إسقاطات أو تأويلات يراها مناسبة قد تتضمنها تلك الفراغات بين الجمل كنقط الحذف ،أو هجوم البياض على السواد حينا أو العكس أحيانا أخر ى !
وحجتي في ذلك أن نعود لاستقراء هذه الفراغات التي تتضمنها مجمل النصوص في المجموعة ، باستثناء بعض النصوص الاخيرة التي كتبت بطريقة عادية سيطر فيها السواد على رقعة الصفحات ، وإن كانت هي أيضا لا تخلو من فراغات تدعو إلى التأويل والبحث عن الخفي والمستور وراءها والغاية من توظيفها!
هذه قراءة أولية لمجموعة (شذرات من حياتي ) وأعتبرها انطباعية ،قراءة من خلال رؤيتي الخاصة وحسب ذوقي وذائقتي لا من خلال مناهج نقدية جاهزة ، ربما يحرمني الالتزام بها من بصمتي الخاصة ، فأقرؤها من خلال ذائقة وذوق غيري ، والقراءة بصفة عامة فرض عين، وهذا من باب التمثيل فقط ، فهنيئا لنا بهذه الباقة من القصص التي تختال حروفها روعة وأناقة وحسن اختيار ، وتنتشي بجمالها في مزهرية لغة سليمة خالية من كل شائبة يمكن ان تعكر صفو متعة القاريء!.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
أتاوة
التالي
عصامي

اترك تعليقاً

*