قراءة في مجموعة قصصية

قراءة في مجموعة “مواسم الخروب”

للكاتب صالح جبار محمد خلفاوي

القراءة
(مواسم الخروب) مجموعة قصصية للأستاذ صالح جبار محمد خلفاوي الصادرة عن دار مكتبة البصائر والنشر بيروت عام 2010، اذ تحتوي على 22 قصة. إنها قصص فيها الكثير من الوجع والشجن، وفيها من محاكاة الذات المتعبة والحالمة في طيات الأيام التي يراد منها أن تكون كما يحلم إنها مطرزة بسرد جميل وحكي للواقع المر الذي عاشه الكثير من بني أمته، إذ يكشف لنا صورا لمجتمع في عقب مدة من زمن حِكَمَ فيه الطغاة والمستبدون ما يجعلنا نتألم مع كل قصة نقرأها.ان القاص صالح جبار محمد خلفاوي استطاع أن يضع بصمة من نوع خاص في هذه المواسم من الأوجاع والحلم الذي يطل به من نافذة قد تشرع يوما. وعليه نفتح شهية القراءة لهذه القصص باللحية الكثة والتي يحاول من خلالها ان يكشف صورا وينزع النقاب لوجوه سادها النفاق ولبست الأقنعة المغشوشة بالخداع (عجيب أمر هؤلاء كل يوم تجده يتلون بلون.. أتساءل كيف استطاع أن يخدعنا طول هذه المدة)؟ هكذا أصبح البشر مثل حرباء، على ظل الألوان التي تكون عليها، ويشير في اللحية الكثة التي بدأ في سرد قصته، لم تكتفِ الوجوه التي لبست الأقنعة حتى الأصوات تعفنت يواصل بنداء لا طائل منها سوى البضائع الرخيصة والمسروقة من مخازن الدولة التي استبيحت بهمجية مفجعة. يتبدل السلوك حينما تشخص الاهتزازات، إنها أيضا اهتزازات العالم العربي المغلوب على أمره، فيرسم صورة الديمومة لرجل ذي اللحية الكثة في كل زمننا مغشوش، ليصل بنا إلى نهاية السير نحو الجامع الذي لاحت مئذنته من بعيد، وهنا صورة الأمل لحقيقة يريد أن يحياها. ويواصل القاص سرد هذا الواقع المملوء وجعا وخطيئة برمزية للقصص التي ما تنفك أن تنتهي منها حتى يعاودك الشغوف إلى قراءتها من جديد، انه تفوق واضح في السرد والطرح للموضوع الذي يتناوله. أسلوبه راق في هذا الفن الذي يعدّ القاص من الطراز الثقيل في السرد والثيمة التي اخذ بها قصصه بقدر ما هي مؤلمة بقدر ما هي فائقة الجمال في التقنية للغة الشاعرية، إنها مزاوجة بين الجمال والإيحاء، اذ يعطي للكلمة بُعداً يتلاقى مع ما يريد أن يوصله لنا في تجسيد بنية الأفعال التي تحرك القصة، ومعها يترك القارئ يستمتع ليكون من خلالها جزءاً آخر من الحركية. هكذا هي مسيرة الحياة تبقى مستمرة برغم المعوقات والتناقاضات، لندخل في حكاية أخرى للاغماضة، إذ يفتح لنا شهية أخرى عن طريق الشمس واشراقتها التي ترسل فوق موجات المتحركة على سطح النهر المضاء ببريق دافق تمضي السيارات مسرعة من دون توقف عند المنعطفات ثقل الانحرافات لهذا الطرف. هي الحياة تتسارع دون توقف هكذا يمثلها الكاتب.
هذا الوصف الجميل الفائق والطرف الآخر نسيج خيوط الصور المبتكرة في حواسه التي عادت تشحن تسربات الدم في عروقه، فنجده يروي بفجيعة مريرة نحو الخطيئة والتشظي حين وقف عند حدود تلك الصورة المؤلمة استحضر صورة زوجته الراقدة في فراشه مع عبد اسود. ينهض الدم في عينه، هي صورة الخيانة التي فاضت بالسواد نحو الألم والضياع الذي تفشى في عقله، ولحظات الاشتياق إلى أخيه هو وصف لحالة الحاجة لوجود منقذ من دوامة الانهيار، وصندوق طلاسمه لطقوس سرية ونقوش تحوي الق الخيال، السلطة، نظام الحكم الذي كان في أعلى قمة، نساء العبيد، الإيماء، رجال العسس وتمرد زوجته في غيابه. انه ازدحام بين المرارة التي تقبع به عالم من جنون من هذا نستلهم أن المبدع القاص طبع بأسلوبه الرزين في أن يذهب بنا في نهاية القصة بحركة لرمزية حيث يتذكر سيدة الحكاية شهرزاد، شهرزاد الحلم والحكاية التي لا تنتهي، وما زلنا نسير عقب القصص التي لا نمل من قراءتها مثنى وثلاث ورباع وينقلنا معه إلى الم آخر حيث يرسم لنا اكتواء الأحاسيس في قصة الثاليل:
«رحت احك ظاهر يدي بقوة حتى احمر الجلد بعدها شعرت بالنعاس.. لم اعد اشعر بشيء. أي وجع في مسافات أنهكها التعب المستميت.. باحثا بين الغفوة والحلم عن الشفاء.. انه الخلاص من واقع فرض عليه بكل تناقضاته وأوجاعه.. يتعافى بدني لأعيد للنخيل بهجة السعف حين تطرزه الرياح.. هو الوطن الذي أنهكته الحروب وخربته المواسم الشاقة التي أخطأت في حقه زمنا».
أما في قصته (آنية الصفيح) والتي لا تخلو من بدايتها الى نهايتها بوجه الخطيئة بأنواعها، ذلك الأب المنزوي بحاله في كومة من أفعال مشينة ومخلة بالحياء: «فحولة أبي مثار إعجاب المحيطين به، إذ ما انفك يواعد البغايا ويناسل امرأته باستمرار».
يسرد خطيئة ورثها الابن الذي تقيأ فحولة مبكرة، إنها حياة تنوء بالعهر والشواذ هكذا يصورها، لنمر إلى قصة برمزية تاريخية وهي (ذات الريات) يجسدها من واقع نعيشه يوميا، حياة تلهف نحو الرغبة والتناقض الذي يصوره لنا في سير السيارة على الشوارع الفسيحة، إنها حياة لا تنتهي في مجتمع لم يبق منه غير الإشارات الموجعة والتذكار الهلامي. وفي قصة (رداء الافاعي) التي تحكي وجعا آخر على جسد يتعلل في أنفاق مظلمة: «لم يكن سهلا خلع القميص بقيت دهرا احمله على كتفي، أنوء بثقله يتحول داخلي زواحف منقرضة تبعث من جديد».انه الم من عصور شتى سافر بنا المبدع صالح جبار محمد خلفاوي نحوها لنعيشها معه بكل التفاصيل ليصير الجسد رداء أفعى تزحف وصوت الفحيح، ويستمر هذا الوجع في قصة (سلالة الخشب) الذي يشعر بها الفرد بإرهاصات القهر والتعامل مع الآخر في احتقار و دونية وكأن البشر ليسوا من طينة واحدة. ولعل الكل مهووس بكرسي الحكم، أو كرسي الرئاسة، وهذه طامة العرب الآن البحث عن كرسي حتى يتسلط على الخلق. لينتقل القاص بنا إلى (صدى العصي)، أنها شحنة من وجع وكتلة من الم. هكذا هي المجموعة كونها تخاطب فينا الذات الإنسانية التي شربت من نهر الخطيئة والألم، الوجع الذي لامس كل المجموعة. قصة (الخنزير) التي قد يعود بنا الكاتب إلى عهد الحروب التي أكلته يفتح فجوة أخرى لذاكرة تصطاد الأيام مرارتها حيث يستمر في تقنية الإيحاءات على قصصه.. المربعات، أين ينزوي في رسم الشمس؟ تصبح الفكرة لوحة واللوحة سهاد طويل يختصر الأمسيات، بين أمل ووجع في النهاية: «اركب غيمة الخيال يطوف رأسي في عالم الوهن بلا قرار ويسكنني الفزع». لنصل إلى قصة التي أخذت المجموعة اسمها (مواسم الخروب)، حاول فيها أن يحاور الأنا المتعبة بين الحلم واليقظة، بين الخيال والحقيقة التي تصهل بالوجع والتاريخ الذي يقطر من الم يسكنه في عمق ذاكرة معطوبة: «من يعيد الملك وقد أضاعه عبد الله». هكذا يبقى الكاتب يسير بقلمه الجسور وفكره الذي أعطى للقصة العراقية لونا آخر في جمال فائق الذي يحول للقصة أن تقرأ بروح متأججة لما كان في زمن ما إنها اللوحة والمسمار.. من يشد من؟ لوحة غناء ام رجل معلق على الجدار؟ أين الألم يعكف في قلب الحكاية التي لا تنتهي فالذبيحة للعيد لكن إلى ان يصل هذا الفرح والابتهاج حدث الذي لم يكن في الحسبان يستمر في تلوين الأحداث الموجعة بنسق لذيذ يترك في نفوسنا الإمكانية لقراءة أخرى من جديد بالايحاءات جميلة يأتي من بداية الحياة بين آدم وحواء في قضم التفاحة نسير على بوصلة الخطيئة. من يوصد باب اللا شيء؟ ويجمع حبات الاكتراث في حقيبة التمنيات، عطر اللا وعي يضمخ فجر الخطيئة حين تستحيل، ويعقب الصوت الثاني. من يستطيع أن يدحرج صخرة بأمنية، من يوقظ قبرا بصرخة؟ تساؤل لا يكتفي إلا بالوجع المتخفي في جنبات الصدر، مرثية تنافق الحواس.
الصوت الثالث، تتناسل الأحزان ويولد الورم على خاصرة الفاجعة والخداع.
الصوت الرابع، طلاسم وندوب متكورة في غابات الروح والجروح تدمى.إنها مجموعة قصصية من خلالها أبدع فيها أستاذنا صالح جبار محمد خلفاوي وجسدها بكثير من وجع من ذاكرة حبلى بالألم ومرارة الخيبة. لقد أجاد السيد صالح في هذا السرد المتفرد بأسلوبه الرائع والعزف على الوتر الحساس للمشاعر، دخلنا معه مواسم طرزها بخيوط الق للقصة العراقية القادمة بكل فنونها وشغفها.

السابق
سذاجة
التالي
حرية

اترك تعليقاً

*