قراءة في نص

قراءة في نص “تراتيل العكاز الأخير”

للكاتب محمد علوان جبر

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تراتيل العكاز الأخير والعودة إلى الجذور

من يلج عوالم القاص محمد علوان جبر، سرعان ماتقوده الرائحة الى ذلك الجيل الذهبي _الجيل الستيني _الذي قلب المعادلة السردية فيزياوياً _وبخاصة بعد نكسة حزيران وثورة التجريب في القص.. بكسر ايدلوجيات السرد والتمرد على الواقع الكلاسيكي الذي كان سائداً منذ نشاة القصة العراقية تناغما مع القصة العربية التي ابتدأت على يد بطرس البستاني ومحمود تيمور ومرورا بقصاصي العراق في بواكير الاشتغال على القص القصير .في هذا النص المتفرد.. لم يفعل محمد علوان بتقنية الغرائبي والفنتازي ولم يطلسم النص انحيازاً لسرد مابعد الحداثة بحجة أن (الجمهور عاوز كده ) طبقاً للمقولة المصرية الشهيرة .
في قصة (تراتيل العكاز الأخير )والتي وشحت عنوانها على مجموعته القصصية الأخيرة بالعنوان نفسه لتكون أيقونة دالة على عمق التجربة التي يخوضها هذا القاص المتفرد، عبر العشرات من القصص القصيرة التي سبقتها في مجاميع سابقة .
هل اشتغل القاص على المتخيل اكثر من الواقعي أم الواقعي دون المتخيل ..والسؤال الكبير، هل الواقع المحض يخلق قصة ناجحة ؟! هذا ماسنراه عبر
عبر قراءتنا المتواضعة للنص.

المتن الحكائي
أحداث القصة تسرد لنا قصة ضحايا الحرب وبخاصة المعوقين الذين فقدوا جزءاً من اجسادهم _زمن الحرب _مستمر ولم ينته. إنه زمناً آنياً يأخذ مداه ليصور لنا تلك المعاناة المغلفة بالمشاعر والأحاسيس التي تعتمل في نفوس من اكتوى بنار الحرب وويلاتها …النص يسرده الراوي العليم عبر لسان الارملة زوجة المعوق المتوفي ،الذي فقده ساقه جراء الحرب .
المكان / أحداث القصة شغلت لنا مكانين في تراتبية السرد ..هو بيت الأرملة والمقهى مع وجود شجرة السدر القريبة منها .
دار الأرملة + الحدبقة + المقهى +شجرة السدر + الطيور البيض+كومة السيقان الصناعية .

الحديقة المهملة
حديقة ملحقة بدار الأرملة (نهض من مكانه وهو يبحث عن مكان يطفئ فيه سيكارته، قلت له :ارمها في الحديقة ..فقد أُهملت منذ رحيله )
الحديقة ..رمز للديمومة والعطاء والنضارة والحياة ..بعد موت رجل البيت، غدت مهملة ـفقد ذبلت شجيراتها واصفرّت أوراقها وكثرت فيها الأشواك.. يقابل ذلك في الطرف الآخر فقدان المرأة الأرملة لنضارة الشباب والحيوية وحب الحياة ..الفقد بات ايديولوجياً وسايكولوجيا ً..الحديقة تعادل المرأة ..الاثنان يصيبهما الجفاف والاهمال.

علبة السجائر
الجندي المعوق الذي طلب من الأرملة ساق زوجها الصناعية ..يدخن السجائر نفسها التي كان يدخنها زوجها قبل رحيله _استمرار الرائحة _ البحث عن بديل لديمومة الاستمرارية _تعالق روحي _غير متعمد فرضته الاحداثوالظروف.

الساق الصناعية
الساق الصناعية العائدة لزوجها لها قدسية خاصة _جزء متبقي من حبيب وزوج راحل (قدّمتُ له الطرف …ولا أعلم هل سمعني وأنا أطلب منه ان يحافظ عليه ..عدت ادراجي وأنا أشعر بتأنيب كبير ..كنت أتمنى ان أحدّثه عن علاقتي بهذه الساق الصناعية ) الرجل المعوّق بعد أن استعار منها الطرف الصناعي وارتدائه في نهاية ساقه ليتعكز عليه يقول:
(لكني قررت لسبب لا اعرفه ان أجرّب الساق ..لم احس بالفارق ةانا أسير فيه بخطواتي الأولى ،كان مناسباً بشكل غريب ).

المقهى
وهي مكان اتجمع من طحنتهم الحرب.. يجلسون فيها يستذكرون ويلاتها ،يحملون هموماً جمعية مشتركة ..وقلوبهم بيضاء كالطيور البيض التي يرونها بين أغصان شجرة السدر الماثلة أمامهم .

السيقان الصناعية
أكوام من السيقان الصناعية الزائدة عن الحاجة يجمعها الرجال في ذلك المكان لمن يحتاجها ،من يفقد ساقاً يأخذ ساقا صناعية بدلا عنها ،ومن يفقد كفاً أو ذراعاً، ياخذ منها ،من كان عنده طرف صناعي لا يحتاجه يرمي به وسط أكوام الأطراف الصناعية طلباً للثواب تحت شجرة السدر المباركة، فهي تقف شامخة ترعاهم بنظرتها الحانية وتبارك مسعاهم في فعل الخير ..نفحات روحانية قدسية تربط بين شجرة السدر ونية العطاء التي تكمن في تلك القلوب الصافية .

الطيور البيضاء
مرّ ذكرها إشارة الى صفاء القلوب لهؤلاء الذين قدموا أعز مالديهم من أجل ديمومة الحياة .

التناغم الروحي
ما حصل أن الذي استعار الساق الصناعية من تلك المرأة الأرملة هو أن الساق الصناعية لم تعد طوع امره عندما يؤم مكانا آخر يريد الوصول اليه ..بل أن الساق الصناعية تدفعه للذهاب إلى بيت صاحب الساق رغماً عنه ،شعور لا يعرف كنهه (ثمة رائحة غريبة تنبعث من الحديقة ..وجدت نفسي محاصرة بالرائحة ذاتها .
..الرائحة التي كانت تنبعث من شجرة السدر العملاقة )التناغم الذي يحدث هو تناغم أثيري مصدرها رابط خفي يعقد صلة بين تلك الارواح الثملة بين البيت والمقهى وشجرة السدر والحديقة ..الأثير يحمل رائحة الساق الصناعية ورائحة الزوج التي تفتقدها تلك المفجوعة بفقده ..بين الراحل والقادم تعالق روحي وشوق غامر لردم هوة الفقد المقيتة ..هل هو حب صامت ولد بين دكة الباب وشحرة السدر ..تلك اللحظة التي جعلت من الاستهلال النصي عبر حوار قلّما يغامر قاص به في كتابة نص ،
_سيدتي ..أنا صديقه .

ضربة النهاية
(عدتُ الى هنا مرة أخرى دون أن أنتظر الصباح ..لأنني قررت سيدتي أن أعيد إليك طرف زوجك ) عندئذ تقول له الزوجه عبر منولوج داخلي عميق الأثر (احسستُ أنه يتنفس بعمق وسرعة وقبل ان يواصل الكلام، قاطعته بلهجة هي مزيج من القسوة والحنان، لهجة آمرة فيها الكثير من الود الذي دهمني وانا أشم الرائحة الغريبة التي تهمين على حواسي مرة أخرى .
_وما الضير في أن يقودك الطرف كل يوم إلى بيتي !!
لقد بان المستور ولم يعد بالامكان السكوت ..فقد اعربت تلك المشاعر الجياشة عن لوعتها، ولا ينبغي السكوت بعد الآن ..الجملة الآخيرة التي ختمها مجمل مادار من حوار، كانت الجواب الشافي عن كل مايعتمال في نفسها ….ربما وجدت تلك الآرملة من يعوضها لوعة الفقد ويعيد ذاكرتها المثقوبة إلى ايام خلت كانت حتما جميبلة بكل ماتحمل من وجع..(نهضتُ من مكاني وأنا اساعده على ارتداء الطرف..ترك العكّّاز في مكان جلوسه ..أدار وجهه ناحية الباب ومضى ) ترك لنا القاص تلك النهاية المفتوحة ليضفي جمالية أخرى للنص كي يزدان بتأويلات المتلقي ويفتح لنا أبواب اكتمال الحكاية واستكناه مكامن الدرر في هذا النص المائز .

السابق
تراتيل العكاز الأخير
التالي
قناعة

اترك تعليقاً

*