قراءات

قراءة في نص “تعتيم”

للكاتبة ريتا الحكيم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

1 – الميزات الجمالية في النص:
هيكلية النص واللون الأدبي المستخدم فيه:
النص قصة قصيرة يتبع المدرسة الواقعية الاتباعية ، منطو تحت نظرية الفن للمجتمع . ويمكن إدراج النص تحت بند موقف إنساني
وقد زخر النص بالعديد من الصور البيانية التي أبرزت مقدرة الكاتبة على تسخير أدواتها البلاغية الثرة بما يخدم القصة بشكل لافت، فجاء النص محققا الميزات السبعة، وكانت مكونات القصة من حبكة وشخصيات ومكان وزمان وأسلوب، منسوجة بانسجام خيالي مؤثر انعكس على القارئ وشده من العنوان إلى النهاية.

2-الحبكة:
أجدها بدأت من العنوان (تعتيم) الخوف من بني جلدتنا، خوف من كل الأشخاص حتى من أخواننا في البؤس والشقاء، الكوابيس التي تسترها الألسن في غفلة عن اليقظة والعقل، والذي يضطرنا إلى إغلاق الفم قصرا والانزواء في ركن مظلم، لا نأمن فيه على أنفسنا حتى من أقرب الناس إلينا، واللسان الذي نحاول لجمه حتى بعد أن وقع المحظور وبعد أن حدثت الجريمة في كل أرجائنا وأنحاء أجسادنا وخبايانا النفسية…
كتل الغباء والخوف التي ما زالت تحكمنا حتى بعد موت كل شيء فينا ربما كانت دليل حياة نتمسك بها ؟ ربما… هذا ما حاولت الكاتبة إيصاله ، وكان هذا فعل ليكون رد الفعل أيضا أننا نعذر بعضنا بل ونحاول بث الطمأنينة في النفوس الخائفة أكثر منا، فكان البرادوكس هنا واضح بين خوف وأمن، هيجان وتهدئة، ليبدأ بعدها السلام النفسي والشعور المحدود بالأمان، وهنا تفجر البطلة سرها الذي أحكمت أغلاق لسانها عليه لفترة طويلة.. وكانت القصة الفاجعة !
الشخص الذي يقوم الآن بعمل نبيل هو نفسه الذي اغتصب شرفها، وقتل أختها الصغيرة ذات الأربع سنوات!
القاتل المغتصب يرتدي الآن ثوب الطهر والنيل لتلقي به الأقدار أمام ضحيته تعرفه ولا يعرفها ، في مكان يمكنه فيه أن يكرر جريمته فيها أو بغيرها !
وكان قرار الهرب عبر البحر منفذا وحيدا ارتأته الراوية، على الرغم من خطر الموت غرقا، لكنه أرحم من مواجهة الجريمة مرة ثانية..
وكان الغرق مصيرا شبه حتمي، لكن الكاتبة بحنكتها جعلت النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، الراوية نجت، لكن بطلة القصة مصيرها مجهول وبقي العثور عليها حية محض أمل فقط…..

3- السرد:
واقعي عميق تخللته بعض الرمزية، أشارت فيه الكاتبة الى بعض السمات التي طبعت المواطن العربي في ظل نظام مخابراتي ساد المجتمعات العربية بشكل عام، وبعض الأنظمة الشمولية بشكل خاص، وهنا نجد الكاتبة تقذف ما ترمي إليه من وراء جدار القص …
النص تميز للميزات السبعة للنص الأدبي وهي :
1- الربط
2- التماسك
3- القصيدة
4- المقبولية
5- الإخبارية
6- الموقفية
7- التناص
لذلك يخضع التفكيك والقراءة النقدية.
تفكيك النص
(ارتعشت بين يدي كورقة خريفية ذابلة هوت من عل، صرخت مستنجدة: أبعدوه عني، أزيلوا رائحته القذرة العالقة على جسدي، اسلخوا جلدي كي ينمو غيره نظيفا وخاليا من لمساته العابثة. هكذا كانت تهلوس”ريم” كل ليلة، لم تكن تغفو إلا قليلا ليعود إليها هذا الكابوس المفزع؛ فأعيد ما كنت قد بدأته من محاولات لتهدئتها.)
تريد الكاتبة هنا أن تظهر فظاعة فعل الاغتصاب ، وكيف أن النفس الشريفة تتمنى الموت لو أنها ماتت ولم تتعرض له ،سلخ الجلد حيا أكثر إيلاما من الموت، والإغتصاب أشد و أفظع، ولعل في الموت طهارة من نجس هذا الفعل..
(لم تبح بقصتها لأحد، دوما مذعورة ومتوترة منذ أن جاءت إلى هذا المخيم وحيدة. لا أدري لماذا تقربت منها رغم صدها لي مرات كثيرة، كنت أعرف جيدا أنها تخفي سرا لا تبوح به حتى لنفسها.)
تظهر الكاتبة هنا حجم الخوف الهائل الذي يغشى المواطن العربي ، حتى بات الفرد يخشى البوح بجريمة ارتكبت بحقه حتى لمن يمثاله بحياة الشقاء والبؤس وظروف اللجوء ، الخوف من كل غريب بل وحتى الخوف من القريب ، وكأنه هو المذنب…!
(تجاهلت صدودها عني آخذة بعين الاعتبار أن سوريا بلدنا الأم وأن ما حدث مع أية لاجئة منا يجب أن نتشارك به لنزداد قربا في وحشة المخيمات المتناثرة هنا وهناك. كنت أكبر الفتيات في هذا المخيم، وهذا ما دفعني لأن أجعل من نفسي أما لهن وصديقة يعتمدن عليها ويفضفضن همومهن لها. بعد عدة أيام استأنست”ريم” بي وزال عن وجهها ذلك العبوس وانفرجت أساريرها بعض الشيء بعد ما لمست مني حرصي وخوفي عليها. كانت في العاشرة من عمرها، بضة طرية، عندما تبتسم أفتح لها ذراعي لتلقي بنفسها في أحضاني، تتمرغ بي وتقول لي:”رائحتك تشبه رائحتها” لم تذكر لي من هي وأنا احترمت صمتها الطفولي).
تنقلنا الكاتبة هنا إلى صورة إيجابية هي من سمات الشعب السوري الطيب، مقابلة الخوف بمحاولة التهدئة وإغاثة الملهوف ولو بالنزر القليل المتوفر، الشعب الذي جمعته الخطوب في مخيمات اللجوء يدرك تماما أن هناك من يفوقه شقاء وحزنا، ولذلك لا يدخر جهدا في محاولة التخفيف عن غيره، هي ذي النخوة التي افتقدناها أيام السلم عادت إلينا أصيلة أيام الشدة ..
أشارت إلى سوريا بالأم، وهي فعلا أم شرد عنها أبناؤها قصرا، ولكنها ارضعتهم عزة وكرامة وأصلا، آتى النسغ ثماره حبا وودا وطيبة ، فغدت الطفلة الأكبر سنا اما لكل أخواتها اللاجئات .
(جاء الشتاء قاسيا، نخر البرد عظامنا؛ فكنا نجلس ملتصقات ببعضنا على أمل أن أنفاس كل واحدة منا تدفىء الأخرى. عندما وصل وفد سوري مرافق للصليب الأحمر، تجمعنا نشاهد ما يحدث، فجأة صرخت”ريم” إنه هو، وسقطت مغشيا عليها. عاد من جديد ذلك الأرق الليلي ينتابها، يتخلله هذيان يستمر إلى أن تشرق شمس يوم جديد. لاحظت عليها اليوم أنها تريد أن تصرح لي بشيء ضروري، طوقتها بذراعي؛ فأسندت رأسها الجميل على كتفي وبدأت بالحديث، لم أقاطعها خوفا من إحجامها عن الاستمرار في بوحها. استحلفتني ألا أخبر أحدا وبدأت تسرد لي كيف أن هذا الشخص هو الذي اقتحم المنزل، قتل والديها وأختها ذات الأربع سنوات، ومن ثم مارس معها ما لايخطر ببال طفلة لم تكتمل أنوثتها. استحلفتني أن أخلصها من هذا المكان فلا بد أن له عودة إليه في المرات القادمة.)
هنا تبرز الكاتبة عقدة النص، زيارة وفد سوري مرافق للصليب الأحمر وبينهم المجرم الذي أشقى البطلة…!
الصقر مع الحمائم …! كيف ذلك؟
تلك هي المأساة. . ترميز لذوي الألباب، هل فهمتم اللعبة؟ هل أدركتم حجم المأساة؟
مجرم يوزع المعونات على ضحايا… فقط يخلع ثوب الإجرام ليرتدي ثوب الطهر، لكن الجوهر قاتم بقتامة جرائمه.
مخيم اللجوء ليس آمنا ، لعل البحر أكثر أمنا…
وكان….
(كنت قد سمعت عن مهربين عن طريق البحر، وبما أننا في منطقة حدودية؛ فقد كان من السهل تقصي الأمر.
آن الأوان بعد انتظار ما يقارب أكثر من شهر، تسللنا خفية وهنا بدأت رحلتنا الشاقة سيرا على الأقدام، ثم في حافلة لأحد المهربين. لن أطيل عليكم أكثر، وصلنا إلى “المينا”، كان هناك قارب ينتظر، وعدد كبير ممن ينشدون الأمان. تدافعنا وأخذنا لنا أمكنة ومن ثم بدأت الرحلة الكبرى. هناك حيث المجهول بانتظارنا، حيث لا أهل ولا وطن كانت وجهتنا. في منتصف الطريق بدأ الزورق المطاطي يتهاوى بين الأمواج، أصبحنا في مرحلة حرجة. لاح في الأفق شاطىء الجزيرة لامعا شهيا. تهاوى القارب بحمولته الزائدة وانقلب رأسا على عقب. تمسكت بها جيدا، وأخرجت رأسي من بين الأمواج لأستنشق الهواء، وطلبت منها أن تتشبث بي جيدا إلى أن نصل سباحة.)
قصة باتت معروفة بنفس السيناريو ونفس الترتيب، رددها الكثيرون ممن عاشوا هذه التجربة المريرة.
جشع المهربين الذين لا يمكن تسميتهم إلا/ سماسرة الموت/ لا يقلون بشاعة عن المجرم الذي قتل واغتصب، لكن هنا الضحية هي من اختارته ليكون قاتلها…
(تشنجت أطرافي حتى كادت اللجة العميقة تبتلعنا، ولكنني صممت على إنقاذها ولو كان الثمن حياتي. لمحنا خفر السواحل، أخيرا سنصل أحياء، لكن قواي بدأت تخور وأنفاسي تتقطع وحشرجة الموت باتت قاب قوسين أو أدنى مني. لم أشعر إلا بأياد تزيح حملي الثمين وتضعه بأمان في القارب، هنا بدأت أتلاشى شيئا فشيئا، ناديتها”ريم” لقد وفيت بوعدي، أنت بأمان الآن. آخر ما لمحته وجهها البريء تملؤه الدموع وسمعتها تقول رائحتك كرائحة أمي، ثم لم أعد أرى أو أسمع شيئا.
/ما كتبته أعلاه كان أثناء إقامتي في المستشفى بعد إنقاذهم لي من موت محقق. حتى هذه اللحظة لم تصلني أخبار من “ريم”، لكنني لم أفقد الأمل بلقائها/)
رسالة وفاء بالعهد كادت أن تكلفتها حياتها ،لتنتهي العقدة بانفراج ولد رسالة:
أن الخير ما زال موجودا في النفوس الأصيلة، وأن هناك أوفياء يقاومون الخونة ويفوقونهم صلابة وشكيمة، والأبيض ما يزال يصارع الأسود، والخير باق يغالب الشر…..
بطاقة عرفان بالجميل خطتها دموع ريم لتتوجها بقولها: رائحتك كرائحة أمي. ..
وتأتي النهاية على كل الاحتمالات يضعها القارئ كيف شاء، لكنها على كل الأحوال مشبعة بالأمل بأن الحياة هي أمل كل من أمات اليأس فيه كل مقوماتها،
الحياة أمل … والأمل حياة.

السابق
تعتيم
التالي
شهيد الشبّابة

اترك تعليقاً

*