قراءة في نص

قراءة في نص “تهلكة”

القصة للكاتب سنان علي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

من منا هو بعيد عن وساوس الشيطان أو حتى وساوس الناس وأفكارهم المدمرة؟
كثيرا ما نقع في التهلكة من حيث لا نعلم.. ليس بالضرورة أن يتمتع الإنسان بطاقة سلبية أو يحمل بعض الضعف في شخصيته لتجعله عرضة للتحكم من قبل من هم يلبسون زي الشيطان أو يمسسهم شيئا من صفاته أو رجسه، فهناك النفس الإنسانية وتأثيرها على الإنسان وأفعاله، وهناك تأثير العالم الخارجي في النفس الإنسانية.
لذلك يجب التفريق بداية بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان:
وسوسة النفس(وسوسة داخلية): النفس تأمر الإنسان بالسوء محبة للشهوات تميل لما يسعدها (كان خيراً أم شرَّاً) في حال غاب الرادع الديني أو الرقابة الذاتية، وسوسة النفس غالبا ما تتعلق بتنشئة الإنسان ومدى قربه أبو بعده عن التعاليم الدينية، غالبا ما تلام النفس أو يؤنب الضمير لفعل ما غير مستحسن مما يدعو النفس لمعاقبة أو محاسبة الإنسان، وكل منا أعلم بنفسه.. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم(ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها) صدق الله العظيم
أما وسوسة الشيطان(وسوسة خارجية): فغالباً ما تتعلق بمسائل الإفساد والغواية والضلال، وهذا ما تعهد إبليس بفعله، فالشيطان(أو من يحملون صفاته) يزين الباطل ويشوه الحق بحيث يبعد الإنسان عن الطريق المستقيم، ويعمل على إفساد العلاقات الرائعة والمثمرة بين الناس بتشجيعه على الحسد والنميمة والغيبة والسحر والبغضاء، كما يعمل على إشغال الإنسان عن العبادات المتوجب فعلها للتقرب إلى الله تعالى أو تعويده على الأنانية والدعاء للنفس فقط دون إخوانه في أثناء الصلاة مثلا.
لا يهم كان العامل داخلي أم خارجي، فهناك ما يسمى القدرة على تمييز الخطأ من الصحيح ودراسة أبعاد كل موضوع وعواقبه التي ممكن أن تكون مستحسنة أو لا، هذا يصب في إطار الخبرة أو الإيمان والتقرب من الإله، أو القدرة على التفكير الصحيح والتمييز والتمهل والدراسة، كل هذا يجعل الإنسان أقل عرضة للتأثر (الداخلي أو الخارجي) بمن يجرونه لفعل السوء أو الإقدام لعمل ما عواقبه وخيمة كان من أساسه خاطئ.
بالعودة لدراسة بعض أركان النص:
1-الاستهال في نص الكاتب: برأيي هو استهلال (حكائي مشهدي)، فهو حكائي برأيي لأنَّ الكاتب شدنا وجعلنا نركز الانتباه لفكرة النص(الهلاك الذي توضح مع سير أحداث النص)، ومشهدي لأنه بدأ بعبارة (عندما نضجت) ومرحلة النضوج هي نضوج للعقل والتفكير ومرحلة بلوغ الجسد ووصوله لمرحلة الشباب وهذا ما يحدد الفترة الزمنية الصحيحة الواقعة تقريبا بعد سن الخامسة عشر.
2-القفلة(النهاية): أحدثت توتر وخلخلة وتساؤل، حيث أنه ربط عذرية الأم بعقم الأب وظهور الابن الغير متوقع من هاتين المفاجئتين، إذاً كيف ظهر بطل القصة!!، وهنا يمكن تصنيف القفلة في نص الكاتب على أنها قفلة (حوارية) حيث اختتم القصة بقول (لقد كانت عذراء)، لكن من هو القائل؟ وهنا تخرج التساؤلات على أنَّ فاعل الشر إما إنسان طبيعي يتقمص شخصية شيطان، أو ربما هي تفكير نفسه و وسوستها.
3-العنوان: يقول الناقد المغربي أ. صلاح هشام (العنوان الجيد هو الذي يثير غريزة التطّفل في نفس القارئ، والعنوان المباشر يفسد على القارئ المتعة الفنية التي لم يجدها إلا في الخيال باعتباره نوع من هروب الكاتب والقارئ من عالم الحقيقة والواقع).. وإني أرى العنوان (تهلكة) عنوان مناسب للقصة يلخص كل ما ورد فيها بكلمة عامة لا تمس أي فكرة جزئية واردة بالنص بشكل مباشر، والتهلكة في اللغة: مصدر هلك وهو كل شيء عاقبته الهلاك والفناء، ونرى بقصة الكاتب من قام بفعل الوسوسة والتحريض والكذب دفع إلى إنهاء أسرة مكونة من أب وأم وابن(شخصية الكاتب) وأفسد ذات الابن وربما أدى به إلى التهلكة لضعفه وخضوعه الأعمى.. يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم(لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) صدق الله العظيم.
4-التكثيف والرمزية: قصة لم تتجاوز ال 20 كلمة مختصرة مكثفة جدا وإيحائية أعطانا الكاتب مجالاً للتأمل، وقد وصلت فكرة النص تقريبا، وشعرنا بمرور الأحداث توالياً دون الحاجة لطلب التفصيل في السرد من الكاتب، بعض المفردات دلالية ورمزية مثل: (دفعني، لم يكتف بنشر أفكاره في رأسي): دليل على التحكم والسيطرة من قبل فاعل آخر
(عذراء، عقيم): دلالة على عدم القدرة على الإنجاب بتاتاً.
5-اللغة: إيحائية، ابتعد الكاتب عن المباشرة، اعتمد الكاتب على الفعل الماضي للدلالة على أنَّ الأحداث حصلت وانتهت في فترة غير محددة في الماضي(نضجت، أخبرني، قال…)، استخدم الكاتب مفردات لغوية سهلة متداولة مثل(عذراء، عقيم، لم يكتف، أخبرني….).
6-الشخصيات في النص: أرى تشخيصا في النص عندما استخدم الكاتب المفردات(أخبرني، لم يكتف، دفعني، قال، أفكاره) ومن هنا خلقت الرمزية، لمن يرمز الكاتب في تلك المفردات هل للشيطان هل لصديقه هل لنفسه هل …إذا من هو المقصود؟..وقد كانت هذه الشخصية رئيسية في القصة
كما أنه ظهرت شخصية الكاتب الرئيسية عندما استخدم المفردات (أخبرني، رأسي، نضجت، دفعني، أبي، أمي) بظهور الضميرين المتصلين ياء المتكلم وتاء المتكلم.
الشخصيات الثانوية المشاركة في القصة ( الأب والأم).
7-المفارقة: من عوامل إنجاح الققج هي المفارقة حقيقة لأنها ترفع إحساس القارئ وتخرق المتوقع، يمكن أن نرى المفارقة في النص في المفردات(أمي.. عذراء)،(أبي.. عقيم)، فكما هو معروف من المستحيل أن نجد أم عذراء وقد سبق لها أن أنجبت وصار اسمها أم، ومن المستحيل أن نسمي رجلا أب إذ كان ليس متزوج أو عقيم لا ينجب الأطفال.
9- المكان: حدثت الواقعة في مكان في مجتمع ما غير محدد حقيقة.
الزمان: كما تحدثنا، المشهد العام حدث في وقت ماضي غير محدد باستخدام الكاتب الأفعال الماضية في قصته.
أحيي الكاتب المبدع أ. سنان علي، على نصه الباهر وفكرته الجميلة التي طرحها وقدّمها بطريقة سلسة.

السابق
تهلكة..
التالي
تَماثُلٌ

اترك تعليقاً

*