قراءة في نص

قراءة في نص “توتة توتة”

للكاتب مصطفى عوض

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تمهيد
توقفت كثيرًا أمام هذه القصة ؛ تحيرت .. من أين أبدأ .. تمرد القلم بين أصابعى .. حرن كما الحصان الحارون .. استملته بقطعة شوكولاته ؛ أبى .. حايلته بحبة {كرميلة} كما كان يصنع معنا “سيدنا” في {كتاب} القرية الذي كان يعلوه برج الحمام ؛ تبسم بشرط ؛ أن أقص عليه {حدوتة} قبل تسجيلها بمداده الأسود .. وقفت شجرة {اللبخ} الكثيفة الفروع والأغصان حائلا بيننا .. تذكرت شجرة التوت بأورقها العريضة، الواقفة بجانب {طوف} المصلية الرابضة على شاطئ الترعة المخترقة لديار القرية إلى قرى عديدة بماء المحاياه .. وقعت بجانبى بعض {فصوص} التوت الأبيض ؛ إلتقطت إحداها .. نفخت فيها لإزالة الأتربة العالقة بها .. إلتهمته بتلذذ ؛ قرأت الفاتحة على روح والدى الذي غرس عودها ذات يوم لا أذكره .. في نفس اللحظة شخص أمامى {مروى، وحمزة} شددت على يد الأديب \ مصطفى عوض .. تمنيت أن تلقى قصته (توتة توتة) موكب أحد وزراء التربية والتعليم على مستوى الوطن العربي ، أو بالأحري القائمين على تطوير التعليم، وتحك لهم جلدا، ويعرفون أن المبدعون في شتى المناحي قادرون على نسج ما يجعلنا نتصدر الأمم جميعها في كل المجالات.

نعود للقصة القصيرة {الزلزلةْ} للأستاذ \ مصطفى عوض لنستخلص منها الأتى:

الفكرة والمغزى
تحمل الفكرة ثلاثة دروس بليغة …
ـ الثورة على كل القواعد المتعارف عليها في أسلوب السرد المعتاد، فلقد صنع “الكاتب” أسلوبا مغايراً، ووقفنا أمامه مشدوهين .. نبتسم مع أسلوب {الديالوج} السردى الذي استخدمه “الكاتب” مع مجمل الأسئلة المطروحة بأسلوب ماتع ؛ مما جعلت القصة متنامية، وسريعة الحركة، وجعلت المتلقي مشدود إليها ؛ رغم أن المغزى يحمل بين طياته دموع ساخنة متعلقة بمصيبة الموت.
ـ العلاقة التربوية في أعلى صفاتها بين {المعلم} وتلاميذه، بخلاف العلاقة الأسرية المحافظة بين الآباء وأبنائهم البنات، ودور الأم الواعية التي تصنع أفضل الأجيال.
ـ العلاقة الحميمية بين التلاميذ أنفسهم، والتواصل المبنى على التعاون المعرفي، وتبادله في مراتبه العليا، والصداقة البريئة، وكأن “الكاتب” يريد أن يقول : التعلم يمكننا التحصل عليه، وتحصيله من مصادر متعددة ؛ بخلاف التعليم عبر المناهج والمقررات الدراسية النمطية.

الحدث
هنا .. لابد لنا من وقفة لنوضح أن هذا النمط من الكتابة {الحكى} المنطلق من قواعد الواقعية {التسجيلية} والمطعم بدرجة عالية من خيال “الكاتب” لبعض القيم التي يريد بثها في أحسن صورة يراها من خلال مخزونة الثقافي والمعرفي .. يرفع عنا تصنيف “العمل” القصصي طالما التزم “الكاتب” بوحدة الحدث ، ووحدة الشخوص ، والزمان ، والمكان ؛ وهذا ما لمسناه بأيدينا .. مجريات الأحداث سيرت “الكاتب” كما هي، ونحن معه نتلقاها برحابة صدر ، وتمتع وجاءت مجموعة الأفعال والوقائع مرتبة ترتيبا سببياً، تدور حول ذات الحدث.

العقدة والحبكة
ولما كان هذا العنصر الأساسي في بناء القصة القصيرة، ويظهر مهارة المبدع، وتميزه عن غيره، ولأن القصة التي بين أيدينا مغايرة تعتمد على المواقف المبنية فوق بعضها كالبنيان المرصوص، يفرضها “الكاتب” أو تفرض علي ؛ إلا أنه قد عمد على إظهار نقاط بعينيها كهدف أساسي قبل أن يشرع حتى في الكتابة نرصدها في الأتي من خلال السرد، والتي تجسد معان كلية داخل القصة : ــ
((ـ مروى
تغلق كراستها مضطربةً وتقوم:
ـ من خلق الإنسان؟
تصمت متظاهرةً بالتفكير ، يجذبها حمزة من تنورتها القصيرة، يضع يده قريباً من شفتيه، يهمس:
– قولي له الله
تردد مروى:
– الله
– ومن خلق الكون؟
حائرةً مروى تنظر للمعلم
– الله
يهمس حمزة
تتنهد مروى
– الله
– أحسنت
يقول الأستاذ، يشير بعصاه فتجلس، تهمس باسمةً:
انقذتني يا حمزة من عصا المعلم)).
لنتوقف أمام نوعية الأسئلة !.
وعصا المعلم غير المستخدمة !.
والعلاقة بين الزملاء !.
ومردود ذلك على المتلقي ؛ ليس من حيث الموافقة من عدمها على مجريات العملية التعليمية ، ولكن للنظر في الحوار وتدعيم تلك العلاقات، وما تشكله من بث أواصر المحبة بين الجميع.
((تكتم ضحكتها، تمد يدها بقطعة حلوى من تحت الطاولة، يأخذها حمزة ممتناً، آخر اليوم يخرجان، كعادتهما يقطعان المسافة إلى بيتيهما سوياً، مد حمزة يده في جيبه، أخرجها باسطاً راحته أمام وجهها، حباتٌ صغير صفراء، وحمراء، وسوداء
– ما هذا يا حمزة؟
منبهرةً تهتف مروى
– توت
– وما التوت؟)) .
ثم يمضى “الكاتب” بالتصعيد …
((ـ حمزة حر هههه ؛ غداً أحضر لك الكثير من التوت، سنأكل حتى ننتفخ هههه
يجري نحو الغابة، يخاطب نفسه :
ـ حمزة حر
تسيل دمعة
ـ وحزين
في اليوم الثاني، لم يحضر حمزة
مر يومٌ آخر وحمزة لم يجيء
في اليوم الثالث – وكان المعلم حزيناً – سألت مروى:
– حمزة لم يحضر يا سيدي
– لن يحضر حمزة بعد الآن
بصوتٍ خفيضٍ أجاب المعلم
وطعم الدمع المالح في شفتيها تسأل:
– لماذا؟
– حمزة مات
– ما معنى مات؟
– يعني ذهب إلى الله
لكن حمزة قال أنه ذاهبٌ ليحضر التوت، حمزة لا يكذب، طعم التوت حلو، مذاقه عذب، أفضل من طعم الدمع المالح .. مساءً سألت أمها:
– لماذا يذهب الناس إلى الله؟)) .
نفس “الديالوج” الآخاذ ، والأسئلة البريئة الصعبة التي يصعب على الأطفال الوصول إلى كنهها، وتثير في المتلقي التدبر، ووضع نفسه مكان المسؤول .
((تصيح مروى
ترفع الأم حاجبيها، يطل الأب من وراء الجريدة
– الله يسكن في الغابة
– في الغابة؟!!
تندهش الأم، يضحك الأب عائداً للجريدة
ـ من قال لك هذا؟
تضرب مروى الأرض بقدمها الصغيرة، تضع يديها حول خصرها:
ـ ذهب حمزة ليحضر التوت، ولم يعد، قال المعلم أن الله استبقاه، حمزة لا يكذب
في ذهنها يقفز سؤال: ترى كان يذهب لو يعرف أن الله يسكن شجرة التوت؟)) .
ونلاحظ تطور الأسئلة الذي يؤثر بالقطع في تطويرالسرد، ومن ثم تنامي “الحبكة” دون الالتفات إلى “العقدة”، ونكتشف الأدوار الذي حددها “الكاتب” على شخوص قصته بعناية فائقة، واللغة المصاحبة، والمتفقة مع الأبعاد الثقافية في خلفية كل شخصية .
ثم يصل بنا “الكاتب” إلى خط “النهاية” ونحن نملأ المناديل بالدموع الساخنة، ونتيه بين الدروس التي احتسيناها من يد ماهرة برحابة سرد، وحنكة حبكة …
((يومين وغابت (مروى) ظلت طاولتها وحمزة شاغرةً كئيبة، يومٌ آخر والطاولة كشجرةٍ فاجأها الخريف، في اليوم الثالث دنس جمعٌ هائلٌ حرم الغابة، كسروا صمتها الخاشع الشفيف
ـ مرواااااا
صاح صوتٌ شاحبٌ ملتاع
ـ حمزاا
من أمام شجرة التوت الكبيرة مرو، دهسوا ثماراً ترقد على العشب في سلام
– مروااااااا مروااااا
– حمزاا
توقفوا عند الشجرة، تلفتوا يميناً، ويساراً، في كل اتجاه، بينما حمزة ومروى يتوسدان سحابةٍ فوق الشجرة، كفيهما الصغيرتين على شفتيهما، يكتمان ضحكاتٍ تكاد تفلت من فمهما المحشو بالتوت، توتٌ أصفر، وأحمر…وأسود)) .
وبهذه الجرعة المتكاملة، وذائقة وطعم وحلاوة الكاتب الجميل ، والذي أشكره على هذه الوجبة الدسمة، فإن كنت وفقت فمن الله، وإن كان غير ذلك فيكفينى شرف المحاولة .
والله ولى التوفيق ،

السابق
توتة توتة
التالي
جموح

اترك تعليقاً

*