قراءات

قراءة في نص “حديث الشيطان”

للكاتبة سامية البحري

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

القراءة الأولى:
الله.. والله العظيم يصلح هذا النص لوحده كى يجسِّد فكرتنا عن معنى القصة القصيرة جدًا فى شكلها الحديث ومعناها الأصيل، ومسعاها الغنى بكل أشكال:
التفجر والتشظى وتوليد الدلالات والرؤى وتعددها غير المحدد التخوم.

ميتافيزيقا البدء.. وهندسات التواجد، وتشكلات الدوائر الروحية
فى عالم ضبابى كثيف تمتزج فيه كل ألوان الطيف وسحابات الإغواء المعتق الكثيف… الموت الحياة يترافقان توأمة وتلازمًا، وما بين الميلاد وثرى النهاية محض لحظة: “غرفة لها بابان .. يهرول الإنسان من الأول ليخرج من الثانى”
كما قال نوح عليه السلام فى الأثر وهو الذى عاش أكثر من تسعمائة عام: “الرّوح تعوي في مسرجة من الفخّار، موشاة بعبق الدّخان”.
لا أدرى ما هو الوصف الملائم للتعبير عن ذهولى إعجابًا لهذا التصوير عن شىء بالغ الصعوبة والغموض كل تهنئتى ابنتى سامية البحرى، وربنا يزيدك من نعيم التألق والعلو قد يكون من اللافت هذا البعد الشعري الواضح قصيدة النثر بإيقاعاتها الداخلية العميقة المناسبة تمامًا لهذه الميتافيزيقا الصوفية، وهذه الملامسة لقصة البدء.

دعوة لساحات التجلي
أدعو السادة الذين ينبشون فى النصوص المستحيلة للعزف على أوتار هذا القصيد الملحمى الضارب فى أعماق التخيل.. فى تقديرى هذا النص لم يعلن بعد عن نفسه.. يحتاج منا كشف غوامضه، والتجوال فى أرجائه. وفى ظنى أن هناك من الجوانب العديدة التى يمكن الوقوف عندها.. دينيًا، وباطنيًا، وفلسفيًا، وأيضًا
أضيف جانب القص.
هل تغيير صيغة المونولوج الداخلى بصيغة السارد للأحداث كان من الممكن أن يُقبل بنفس الدرجة فى هذا الموضوع بالذات وأمثاله من الموضوعات التى يجابه فيها الإنسان الكون وجهًا لوجه وكأنهما فى خلاء سديمى؟؟
أشك فى ذلك فيما يتصل بدرجة {الصدق الفنى}:
[ يتسلّل ] من رحم الظلمة [ يغازل ] الشوق المقبور بين [ أهدابه ]
.[ يندسّ ] في مسالك وعرة، [ يلمْلمُ ] الطّريق الممتدة في [ أحداقه ]، يهتزّ[ خافقه]، و[ يثمل ] بترانيم التّجلي.

التقسيم العضوي للنص
حديث الشيطان
أتسلّل من رحم الظلمة، أغازل الشوق المقبور بين أهدابي. أندسّ في مسالك وعرة، أُلَمْلمُ الطّريق الممتدة في أحداقي، يهتزّ خافقي، وأثمل بترانيم التّجلي.
الرّوح تعوي في مسرجة من الفخّار، موشاة بعبق الدّخان…يتسابق نحوها سرب من الشّياطين.

يتصاعد مارج، فينفلق صوت:
” مسالكي مضيئة..وطريقي معبّدة”
” شُدّي إليّ الرّحال”
أَخلَعُ سمعي، وألقي به في غياهب العتمة.
يُشرّع في وجهي التُّفاحة…ثُمّ يتوارى ليخيط سربال الفجيعة.
تغتالني الرّائحة، فأَقفزُ بين نهديْ ” حَوّاء” أترشّف منهما اكسير الحياة
في طعم التفاح.

عندما رفعت رأسي كان حفار القبور قد أعد لي وطنا في حجم
تفاحة قد استوطنها الدود

الحبكة لن تغيرها الصيغة من المونولوج إلى السارد ,
إنما المحك هو [ الصدق الفنى ] بمعنى :
هل من الطبيعى أن أعلم أنا ( الآخر ) أعماق المتكلم أكثر منه هو
كما فى :
أغازل الشوق المقبور بين أهدابي
أُلَمْلمُ الطّريق الممتدة في أحداقي
أثمل بترانيم التّجلي

البدايات ودوائر الحيرة
فى مقدمتنا للمجموعة القصصية القصيرة جدًا ( نافذة الشيطان ) للأستاذ الكبير
يحيى أبو فارس كتبنا _ أنا والأستاذة الجليلة الناقدة القاصة الشاعرة رجاء البقالى _ الإشارة التالية:
” الشيطان ضرورة فى الوجود الكونى والإنسانى على حد سواء، و هو وجود ثنائيات _ أو هو ثنائى الطبيعة بالأساس _ فهو المقابل للإنسان وهو المقابل للخير وهو المقابل للنور، وهو التحقيق الفعلى للوجه الآخر من منتصف الليل الإنسانى حيث الظلمة والوحشة والهلاك والدمار والعذاب الأليم رغم ما يتزيا به من رداءات البهرجة والنعومة وهو ما يحقق المعادلة الكونية وحكمة الخلق باعتباره أقنومًا للشر يتضح به معنى الاختبار والامتحان” وهنا أيضًا _ فى نص الأستاذة سامية البحرى _ تحقق نفس الأمر، وكانت المقابلة لازمة بين العنصرين الفاعلين المتقابلين المتبارزين واتخذت (احتدامًا) صيغة المونولوج أو ضمير المتكلم لتجسيد الصراع ..
اللحظة المختارة التى يصورها النص هى لحظة الغرابة والخطر وعمق البؤرة ومركز الدائرة، فهى تصور أخطر وأهم وأصعب لحظة فى الكون… قابلها أول إنسان وحده فى بداية الخلق.. ويقابلها كل منا كما قابلها الجد الأكبر منفردًا، لذا كانت صيغة المونولوج الخالد هى (أتشودتنا) جميغًا.. (أنشودة) كل منا على حدة.. فهو يجابهها وحده بالضرورة، جتى لو كان بين مليارات البشر.. لحن يتكرر ويُعاد دومًا حتى نهاية المسرحية.
حين الخروج.. والتحقق.. تهرع الشياطين لاستقبال المرصود الوليد بكل صنوف الإغواء .. على الجانب الآخر تكمن سحابات الغواية والضعف الذى تمثَّل للتو فى سحر الأليف، وإرهاصات الفاكهة المحرمة.. وكأنه الحلم المسربل فى جوانح اليقظة، نصحو لنجد المثوى :
“نوى لا يُرتجى منها ارتجاع”
فـ” ليالى العمر أفراس إلى غاية الموت حثيثات سِـــراع”
كما يقول “محمد السباعى” فى ترجمته لرباعيات (الخيام)

النص يطرح التساؤل .:
حتمية التهاوى والنهوض.. التراوح بين الأرض والسماء..
التدنى و السمو:
“كيف ننظر إلى الشيطان المطل علينا يدعونا إلى عالمه بينما فطرة الخير تطالبنا بالعودة اليها؟”
كما طرحنا فى مقدمة مجموعة الأستاذ يحيى أبو فارس , فمقارفة الخطيئة مزدوجة التحقق، حيث الخطيئة تتجسَّد و تتجلى مدخلا للتطهر كما فى المفهوم ( القبالى kabbalah ) اليهودى القائل بأنه كى تتطهر..
لابد أن تنغمس بكليتك أولا فى مستنقع الخطيئة:
“لا بد لي أن أتحول لخطيئة لأعرف معنى الفضيلة ……”/ (يحيى أبو فارس)
…… النص رحلة حزينة بين لحظة الولادة والموت مرورا بمآسى الاختيار المؤلم

الصور دالة الانطباق والتحقق
النص يرسم لحظة سيريالية بالغة الصعوبة.. أو هى الاستحالة بعينها..
كيف أصف لحظات التكوين الأولى _ والمتكررة أصداءً بعد ذلك إلى يوم القيامة _ حتمًا مقضيًا وصراعًا خالدًا فى تنويعات لحنية متحدة الطبيعة و الروح؟
لابد من الاستهلال المقتحم كالسيمفونيات التى تعالج تلك الموضوعات المشابهة {السيمفونية الخامسة لبيتهوفن مثلا و المعروفة بالقدر}، وأيضًا الصور التى تتكىء على المعانى الكلية المناسبة لهذه العوالم الغرائبية الغامضة..
هو [ تسلل من رحم الحلكة ]
هى [ مغازلة شوق مقبور بين الأهداب]
هو [ الاندساس فى المسالك الوعرة و الدروب الموحشة]
هى [ لملمة الطريق الممتدة فى الأحداق]
هو [ السكر و الثمالة بترانيم التجلى]
هى [ الروح تعوى و تصرخ فى مسرجة فخّار تتوشح عبق الدخان]
هذا هو [ تلوين ] النص بالألوان و الظلال التى تم استدعاؤها من عوالم أُخر موازية
لابد من انطباق الشكل والمضمون .. المبنى والمعنى، والبلاغة هى الموافقة والمواءمة، فلا يمكن وجود الهزل فى مواقع الجد، ولا الفرح فى مواطن الأسى، وكما أن لكل علم لغته الموافقة:
اللغة العلمية
اللغة الصحفية
اللغة الأدبية
وداخل هذه الأخيرة تتعدد المناحى والسبل: رثاء أو هجاء وسخرية أو وجدًا وعشقًا، فكذلك لا أتخيل أن موضوعًا كهذا يمكن أن يتخذ لباسًا آخر غير هذا الرداء الذى وفقت كاتبته فى تفصيله له بكل اقتدار ومهارة لا أعتقد شكلا آخر على الإطلاق غير هذا _ ليعطى نفس الأثر الموافق لجلال وبراح وفلسفية هذه الرؤية _ ولو تغيرت اللغة [ تجميعًا و تركيبًا] والألفاظ
والصور، لما تحقق فى تقديرى نصف الأثر الذى أعطاه هذا الشكل الذى أثنى عليه غاية الثناء والتقدير.

السابق
حديث الشيطان
التالي
ورقة التوت

اترك تعليقاً

*