قراءات

قراءة في نص “خضراء”

للكاتب فلاح العيساوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة النقدية

حملت معي كل وسائلي النقدية و أدوات الحفر في عمق هذه القصة، أجد نفسي أدخل نصا يستبيح كل القراءات، بل يرسم أمامك ألف علامة استفهام، من تكون هذه الخضراء؟ من ترى هذه التي أباحت للغرباء قطف ثمارها و هي في لهو وضياع و تيه؟ ما الذي يربطها بالطوفان و التنور؟..
تدغدغني الأسئلة و أنا أحاور النص: ماذا أراد الكاتب أن يبلغنا من وراء هذه الرمزية المبهمة؟..
قد يرى البعض أن هذا النص لا يستحق كل هذه الأسئلة، و أنه نص عادي، لكن وجدته بالسهل الممتنع، نص يدعوك للهو مع دلالاته دون أن يفصح لك طريقا واضحا بل يتركنا نحدد الوجهة انطلاقا من قراءة كل واحد منا، حتى لا نختار طريقا واحدا.
خضراء: إذا أخذنا برمزية اللون الأخضر و دلالته فالأخضر يدل على البيئة و الطبيعة و التجديد و النمو و الصداقة… و إذا ركزنا على الدلالة الأخيرة لنقرأ النص من خلالها و هي دلالة الصداقة التي أصابها في زمننا هذا ضياع و تيه و أصبح يُلعَبُ بها حتى صارت ثمرة يستبيحها الغرباء في وقت ضاع منها الطريق لتحديد الرفيق الحقيقي، و إن تدخل من ينقذها لكن الضياع يجعلها تفضل الطوفان: ضياع القيم مما يؤجج نيران الفرقة، فادى الطوفان: ضياع القيم؛ الى فوران التنور: نيران الفرقة.
و قد تكون الخضراء هي تلك المرأة التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في حديثه: (اياكم و خضراء الدمن. قالوا: و ماذاك يا رسول الله؟ فقال: المرأة الحسناء في منبت السوء). فإذا كانت خضراء بهذه الدلالة فهي امرأة حسناء المظهر قبيحة الباطن، امراة لعوب غرقت في اللهو و اللعب فأضاعت طريق الصواب لتعيش في تيه بعد ما استباحت للغرباء التلذذ بحلاوتها، و للأسف بالرغم أن مُدَّت لها يد تنقذها مما هي عليه أبت إلا أن تكون غريقة الطوفان، لتؤجج نار الحسرة في قلب من أرادها بصدق و رغب في إنقاذها مما هي عليه من لهو و تيه.. و قد تدل عبارة “فار التنور” هنا على جحيم الهلاك نتيجة الاستهتار و القبح المبطن.
و قد تكون خضراء بصيغتها المؤنثة ترمز للوطن، وطن جميل أخضر لكن للأسف فتح أبوابه على مصراعيه للغرباء، ليستبيحوا خيراته و يدفعونه للهو و الانحراف عن ثوابته ليضيع و يتيه عنه الطريق الصحيح، و عندما اقترب غرقه مد الشعب يده يستعطفه من أجل مواجهة الوضع، لكن الوطن ( خضراء) أبى إلا أن يظل في غيه حتى لحقه الطوفان…… ففار التنور لتندلع الثورات كنيران تحصد الأخضر و اليابس…
القصة بنيت بلغة سليمة، و سرد متناسق، النص تكمن بلاغته في اعتماده على بعض المحسنات البلاغية مثلا العبارات التي تدل على الكناية:
1– اتركني و الطوفان… الطوفان كناية على الغرق في الضياع.
2- فار التنور: و التنور كناية على تأجج الوضع بعد ضياع الخضراء.
و هاتين العبارتين هما في حد ذاتهما يشكلان تلك المقابلة البلاغية بين الطوفان: الغرق و بين التنور: الاحتراق. كما يعتبر العنوان في حد ذاته صورة بلاغية لما يحمله من دلالات لا يمدك بالمفتاح بقدر ما يحيلك على قراءة النص من زوايا مختلفة.. لتبقى الرمزية هي بلاغة النص الطاغية التي كما قلت في البداية استباحت قراءات متعددة.

السابق
خضراء…
التالي
استشرافٌ الأصيل

اترك تعليقاً

*