قراءات

قراءة في نص “رائحة الأضاليا”

للكاتبة مهدي أماني الرغاي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

هذه حوارية مدثرة بعبق حنان أم ،مسنة راسخة الأعراق، قدت من فيض عطاء وطهر متدفق وحب لا ينضب، كان وحيدها يمثل كل شيء في حياتها، بل يلخص لها السعادة بكل معانيها، هو وحده ابتسام شيخوختها، عكاز وقفتها، سبب هيبتها، دفئ روحها، فاق ارتباطها به كل تصور، لكنه نأى وآثر البعد وإنفاق العمر في غربة غير شرعية إلى ايطاليا على غرار أصدقائه، حيث أخده الحلم بعيدا إلى أقصى المنافي، وتركها مقيدة بأحزانها، مما جعل حياتها خواء، والقلب داب اشتياقا وشوقا حد الهذيان، كل ابتهاج تهشم لغيابه، وصار كل شيء مرا في عينيها لما عز اللقاء، واتسعت المسافات وطال الغياب، يكاد وجعه يشبه الموت الزؤام.
عنونت الحوارية برائحة الأضاليا، عنوان يخلق كل التشويق وعتبة تفتح النص على مصراعيه للمتلقي، وتشد انتباهه بل تأسره، اختير بعناية فائقة به رسمت بكل الألوان رموز القصة، والأضاليا نبتة بديعة متميزة طيبة الأصل والرائحة، لا تنبت إلا في ترابها، ولا تجمل ألوانها إلا تحت شمس بلادها المشرقة وسمائها الصافية.
أما الزمن فتحدد في القصة بمساء يوم الأربعاء، أبهى أيام الأسبوع لدى الأم المشتاقة المتلهفة لصوت ابنها المهاجر، فلصوته بالهاتف تأثير بليغ بالغ، يضفي على غرفتها سكينة لا متناهية، ويحيلها روضة أحلام بل عرسات مزهرات.
(يومنا نحن الإثنان) أخيرا فاح عطر اللقاء يملأ رحاب البيت، ويسقي صدر الأم ببرد الطمأنينة، ويمليها برنات الصوت حيث ترنم قلبها كهديرحمام، وزغرد كنورس متقلب فوق المحيط، نعم إتصال روحي أغرق المكان ابتهاجا، وقلص المسافات، وقرب روحين متعطشين لبعضهما في أسمى علاقة ود لأم وفلذة كبدها، مكنها من سماع نبرة الصوت والآهات والكلمات، فالأخبار المبشرة بقرب الحصول على وثائق الإقامة الرسمية بالبلد المضيف، سعادة مثلى يعيشانها خلسة من الزمن الغادر، فكانت كل كلمة تلتقطها المسامع مسيرة حب دافق لا تضاهى، وتفاهم متناغم المعاني يولد السعادة العارمة، لذا ضحكا وانشرحا كأطفال العيد.
قال (البيت أظنه فارغا ) أدرك بحاسته، بعينه الثالثة أن البيت فارغ، ربما لأنها لم تتلعثم، وأجابت بخرجوا دون ذكر اسمهم تجاهلا لهم لمقت أو قلة تقدير، أولعلاقة باردة تربطها بهم، لكن ذكرت العم العربي، اسم متداول شامخ، معناه من العروبة والمروءة، ولأن إبنها يحبه لم تتوان عن ذكره، 
(كيف أخلف موعد الأربعاء) نعم حرمت نفسها وليمة العشاء وأكل ما لذ وطاب من أجله، ولا عجب فهي التي قادت رحلة عمر صاخبة بالعطاء ونكران الذات في درب الرهان، لا تضنيها تداول الأيام ولا وهن السنين.
(يذكرك عودة أبيك من السوق محملا بالحلوى والسكاكر) تعيده لذكريات غالية وعادات مألوفة بأناسها ومشترياتها الأسبوعية، ولذكاء المبدعة ضربت عصفورين بحجرواحد، إذ تذكر بما خلا من جميل الأيام، وفي نفس الآن تعيب أكل السكر لما يتأتى عنه من أمراض وعلل.
(أسمع ضحكتك الزوينة… مع الشخرة… والغمازتين) تراه شأن كل أم بعيون قلبها، لا ترى أبدا من يماثله بهاء وفتنة، فبناظر قلبها ترسم ملامحه، ولا تخطئ رغم أنه غائب عن النظر، ذاك أغرقها في هناءلا يقدر لسماع عمق ضحكته البهية بداية ونهاية إلى الشخرة، التي تحفر على خديه الغمازتين، دليل البهاء والجمال الفاتن (كل أم ترى ابنها زوينا) ولا أم واحدة ذمت ابنها أبدا، بل تراه الأبهى في الكون. حتما كانت رغبتها ملحة في ضمه، والإطمئنان على صحته، فشعرت ببرودة تسري بأعضائها، لذا استفسرت عن الأمطار التي شحت، ودعت باللطف لعل الناس تهتدي وتومىء في ذلك لزوجة ابنها، حيث تذكرت السترة خاصة وهي من حاكتها بيدها وباركت كل غرزة بذكرالله الواحد، هي لباس واق يرمز للستر والدفىء والحماية ودفع الأذى ،إذن السترة نسجت و تبللت برضى الله وحب الوالدين ،كما ساعدت في نسجها الضاوية أنتاه الغالية والجارة الحسناء رمز الضياء والسناء، والتي أضاعتها منه الغربة والبعاد. زوجوها على مضض خوف البوار وانتظاره سنينا.
(لم تغسلها بعد…احتفظت برائحتي عليها) تريد أن تطمئن أنه يحبها كما تعودت، تريده أن يسكن تلافيف قلبه كل ما ابتعد عنه، وطنه الذي غاب عن ناظريه لغته تقاليده أمثاله، وخاصة أخلاقه في مجتمع غريب مترد الأخلاق.
قالتها لي الفاسية ابنة فاس العتيق مدينة الحرف التقليدية والحضارة العريقة والعاصمة العلمية لتذكيره بثراء البلد الأم.
قلت ميمتي أي أم مصغرة بالعامية المغربية وما أعذب وقعها تأثيرها على أمه التي قابلتها بوليدي تصغير ولد تقربا وتحببا وتذللا كل هذا العناء لأجل الوثائق التي لم يفز بها رغم اختياره عجوزا شيبة عصية بل رجلا مستخفيا الحمد لله ان تربيتها حمته من الفاحشة.
قال (اكتشفت أنها ليست امرأة ) فخافت أن يضعف من أجل الأواق وراودتها شتى الظنون، خافت أن تفقده الغربة إنسانيته وأخلاقه الحميدة بعد أن قبل بالشيبة العاصية في سن جدته وكل لأجل الوثائق الملعونة ،حقا إن الغربة تنخر الجسد والروح، وتشظيها لألف شرخ.
(وأنا ماذا أفعل؟) سأل وغير الموضوع، حسب أمه غيرت وضعها المادي بما أرسل لها من مال، لكن مازال الأثاث على ما عليه مترهلا مؤلما للظهر والضلوع تسحق الأرضة خشبه، فالمال استحوذت عليه زوجة الأخ ظلما من وافاكاوش حسب تعبير الام الغيرمتعلمة. واشترت دملجا جميلا مثله باعت الأم ثمنا لتحقيق الغربة، أما الأخ المسكين فوديع تحت تأثير النانوخة ولسان الحمار منصاع لزوجته المولوعة بأمور الشعودة والخرافات. 
(لا لاتضربني لست أبكي،) قد تكون تجرأت على ضربها لأنها ادعت أنها شرقت بشربة ماء لاحتما إنها تبكي، هذه ضريبة الغربة بعيد وأنى له أن يحميها من ناكرة الجميل، التي أصبحت سيدة بعد أن كانت خادمة مطيعة.
تلمست صحنا نصف فارغ وقطعة خبز يابسة، وفوضت أمرها لله المطلع، يبدو هذا ما يجود به عليها هذا البيت الذي كانت خيراته لا تعد أيام عزها، فالموقف عسير أكبر من كل الكلمات، ووقع السهام أليم أما نزعها فأوجع بكثير، جعلت ابنها يتمنى ولو للحظة أن يعفر وجهه بيديها، بتراب وطنه ويستنشق هواءه ويرى شمسه التي تتربع السماء كالعروس ذات الضفائر الذهبية، وخاصة ليدفع عنها كل أذى.
(قلت لي أنك رئيس الطباخة في مطعم عربي) صدقته ورأته يرتع ويأمر ولا يعصى، إنه يكذب كما كذبت هي عليه لكن كان صادقا في أن المهاجر السري لا يرى الشمس اتقاء دوريات الشرطة، التي لا يكف رجالها يتصيدون فئران القبو المظلم مثل ولد الزاهية الذي اعتقل لما اشتاق رؤية الشمس للحظة الكل يظل يعمل تحت الأرض وينام بالقبو، ولا ينعم بالإنارة كبقية الخلق حيطة وحذرا، ولايعمل إلا في النوار أي الخفاء، وبالطبع لا يأخد إلا أجرا زهيدا مقدار عيشه، الكل هنا أسود معتم دياجيربما فيه الإنسان يدعى اكحل الراس عربي عنصرية وميزا ومقتا، الحلم عادة يكون ورديا أي حلم هذا الأسود؟ الذي جرى الشباب إليه فحصد أرواحهم وما زالوا؟.
(لن أقول لها.. ستصيبني بعين الحسد) سخرية سوداء صارخة، أيحسد من يسكن قبرا وحرمت عليه أشعة الشمس؟
(الورد تحت الأرض) يطمئنها والكل كذب، أمه بنبتته الضلاليا إنها لم تخلف العهد وظلت تزهر كل صيف وتمد الأم بلسيناتها اليابسة، نبتة ترمز للعطاء للصبر للوفاء مثله تماما.
(آه… يا وليدي ليتك ما ركبت البحر) تناغي طيفه وتترقب، تعبر المسافات كل ليلة بسفين شوقها، وتجدف بحنينها في البحر العريض المتلاطم، وتسافر إليه عبر الذكريات وتصافح الغالي الساكن شغاف القلب، ضجيج ذاكرتها لا يفتر، وبوصلة قلبها دوما اتجاه البحر، فبعده علقم واسمه لحن سرمدي، تطرد به حر لهيب الغياب، لو بإمكانها لأسكنته بؤبؤ العين، كما أسكنته سابقا بطنها ولم تضجر .
(ستجدين نفسك تتعفنين في دار العجزة) داهمتها كالموت المفاجىء ناكرة الجميل مساعدتها سابقا، تفجر جنونها دون سبب، صارت تزبد وترغي وتصرخ كطبل لا يسمع إلا نفسه، الأم المرعوبة تأبطت الصمت وغاصت في غبنها، تعزي النفس بالأمل البعيد وتلوك الحسرة، وتخنق الدموع الكثيفة، وتمني النفس بقرب فوز ابنها بالوثائق ورؤيته ولو للحظة، إن أسعفها القدر وطال العمر، على ما يبدو صارت القسوة لها واقعا، تجتر خيباته كل يوم ويشظي روحها التهميش والمهانة، متى سينتهي إحساسها بالظلم ويأتي القصاص؟
ستعيش على أمل واحد أن تطرق من جديد مزلاج الباب يد غالية، تحررها أخيرا من جلادها ومن انتظارها القاتل، أيتحقق ذلك قبل الممات ياترى؟
حواريتك أستاذة مهدية أماني الأديبة الفذة بديعة حقا، كرست بين ثناياها قصة الإنسان والهجرة بأنواعها، فيها غصت إلى أعماق المجتمع المغربي خاصة والعربي عامة ،بحروف تتدفق شلال إبداع، تدوب صدقا وتملي مشاعر دفينة، تترجم أحاسيس قوية مرهفة، ترسم الحنان والمحبة بكل العناوين، ومعان تحتوي المواقف الكاشفة لأعماق النفس، وتحكي كل الكلمات برونق مذهل آسر.
فلا يختلف إثنان أنك نسجت حكيك بحرفية كبرى، فجاء طيعا وديعا متفردا، يخدم آليات السرد، أما تطعيمك للحوار بالعامية الدارجة المغربية القحة فأسهم في بناء الشخصية ومستواها البيئى والثقافي، وقرب الإنفعالات وردود الفعل، فلم يكن مقحما ولا غريبا ولا نشازا، بل دون مبالغة رصعته في مكانه الأنسب، كما لو كنت سائغة جواهر محنكة ،ناهيك أن دور الأم لا يترجم مواقفها الحرجة إلا كلمات بالعامية، تلخص الخيبات وتؤكد مغربيتها، فاللغة حتما تعد سلاحا لا يقاوم، وصرخة عالية تدعو للعودة إلى الأصل، إلى الشمس، ودفء قلب الأم، كلها هناك تعوز، ويفتقدونها
كما أن الحوار يساهم في رسم خصوصيات الشخصيات وتقطيعها، ويزيد من حيوية النص ويرفع من جماليته.
أروع ما اعتمدت أيضا السمة المشهدية، والتي تعبر عن مختلف مظاهر الصراع الفكري، هي لقطات مشخصة كما في السينما، وإيحاءات رمزية وتأملية، توحي بما أضمر من معان ودلالات تحيل على عوالم اجتماعية حقيقية، أما القفلة وتعد في هذا اللون الأدبي أهم عنصر لإيجازها ومفاجأتها وجملها الصادمة أحيانا فأهديتها مذهلة.
أهنئ الأستاذة الأديبة الكبيرة السيدة العظيمة مهدية أماني.

السابق
تَوَالِي…
التالي
عِصامي

اترك تعليقاً

*