قراءات

قراءة في نص “روح مبدع”

للكاتب بن خليفة منجي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة
منذ القديم ومعول النقد يحفر في لغة النصوص الشعرية ، باحثا عن ترسباتها من أفكار نصوص غائبة مختلفة فيها مركزا على أسباب جماليات الكتابة في المجال الشعري ، فهذا الجرجاني يركز على النظم في سياق الجملة والنص بصفة عامة وهذا دريدا( يعتبراللغة لغة جنون لها لذتها ) وهذا نيتشه يعتبرها (جنونا عذبا عند الحديث بها يرقص الأنسان فوق الأشياء) ، وهذا وهذا وهذا ، لكن سرعان ما تسلل النص السردي بين الأيدي كالماء الزلال ليفرض نفسه و لتمارس المعاول الحفر في لغته أيضا إلى جانب لغة الشعر الذي ظل يحتكر لعبة اللعب باللغة التي تفتح نصوصه على التعدد ،و تنويع القراءات متحكمة في محاربة تكريس المعنى الذي يقتل الانفتاح ويدمر التعدد وبالتالي تفسد ملكة التخييل والتأمل والتأويل عند المتلقي ، ها هو الفن السردي بجميع أنواعه يجرنا تياره إلى أعماق بحار اللغة بعيدة الشطآن ، عميقة الأغوار ، فانتزع النص السردي الجملة الشعرية من الشعر التي لم تعد حكرا عليه ، ولم يبق مبدأ الائتلاف والاختلاف في سياق لغة الأثر الأدبي تقتصر عليه ، أصبحنا نبحر في لغة النص السردي ، فنجد الكاتب حسين منجي ساردا محلقا في فضاء الانزياح وبلاغة الغموض ، آخذا بعنان الحصان المجنح ( البغاسوس الاغريقي) الذي لم يعد حكرا على الشعراء بل أصبح يركبه القاص أيضا ، الذي فطن إلى أن ضرورة خلق مسافة التأويل والتفسير بين النص والمتلقي ضرورية حتى يتمكن من تحقيق اختراق خفي الرموز والاحالات التي يوظفها الكاتب ،فيحدث في نفسه شهوة أشبه بالشطحة الصوفية او فرحة الطفل الصغير عندما يقبض على طريدته ، ربما هذه الملاحظات النقدية التي أقدمها للقاريء الكريم كانت نتيجة استفزاز ذاكرتي من طرف القاص المنجي حسين بنخليفة وانبهاري بهذه اللغة التي تدغدغ مكامن الشعور الجميل مني من خلال هذا الجميل الذي يكاد يتغنى ((روح مبدع )) فيه بلغة شعرية شاعرية وليس بلغة سردية هنا يكون اختلاف المقاسات في توظيف اللغة و المنجي حسين بنخليفة يعرف أن القاريء الذي ينهي النص ولا يبقى في ذهنه ندوبا منه أولى به أن يرمى في مطرح النفايات ، حسين ،بطريقة فنية جميلة يطبق في إبداعه لغة نصه بعض عصارات نظرية النظم لشيخ النقاد العرب عبد القاهر الجرجاني، (الكلام الناجح شدة ائتلاف في شدة اختلاف) ماذا يعني هذا ؟ يعني أن المبدع تجول كالمتبضع بحث عن الوحدات والعناصر اللغوية الفوضوية في فضائها الفوضوي الذي لم يتشكل بعد ، فانتقى واختار ، ما يستسيغه ذوقه /وذوقه بطبيعة الحال من ذوق القاريء / من هذه الوحدات ، فبدأ كالبناء البارع الذي يبحث للآجرة الجميلة عن مكانها في جغرافية الحائط كذلك أستاذنا كان يبحث لكل كلمة عن مكانها المناسب في جغرافية الجملة وبالتالي في جغرافية النص ، فالنص نوع من البناء ، وهو يعلم ان اختلاف الكلام يتوقف على تدخل المتكلم وفق قدراته التكلمية ووفق خلفيته الشخصية والثقافية والتاريخية ،فيرتب ما اختلف من هذه الكلمات ، عن طريق إسناد بعضها للبعض ، فيخلق التآلف بينها فتسمو كلمة بجمال كلمة وتجمل الواحدة بجمال الأخرى ، وتستقوي بقوتها سواء كانت قبلها أو بعدها وهنا سأعطي بعض الأمثلة البسيطة فقط لأترك المجال مفتوحا للقاريء الكريم للغوص في أغوار النص للوقوف على جماليات التركيب والإسناد الذي يرفع كلمه درجات ، ويبرز فضيلة هذا التركيب أو ذاك و لهذه الأسباب أفضل أن أشارك القاريء عملية التحليل لا أن أفرض عليه شروحاتي الشخصية !
وظف الأستاذ المنجي حسين بن خليفة لغة الانزياح وبلاغة الغموض بشكل احترافي وفي جمل محبوكة التركيب وتتسم بالقصر نسبيا مما ساهم في تألقها وبريقها فمثلا ( فروح/فنه…وحضن/جبل…فوق اجنحة خياله ….عجز الحرف عن نطقه …..المبرد أفصح لسانا …..)، فعلى سبيل المثال كل من يقرأ هذه الكلمات منعزلة ومفردة عن سياقها سيجدها لا تخرج عن حدود دلالتها المعجمية وقد لا نستسيغها او لا تثير في النفس أدنى اهتمام ، لكن عندما ترتب في خيط عقد جواهر ولآليء ، تبهر العقل ، وتنتزع منه شهوة الغرابة والاندهاش، فيصفق لهذا التركيب أو ذاك وقد لا يستسيغ الكلمة نفسها في تركيب آخر ، وهذا بطبيعة الحال يعود إلى براعة المبدع باعتباره مثل الصيرفي الخبير الذي يحسن اختيار مواقع جواهره في العقد ، فكذلك يرقى الأستاذ المنجي بهذه الكلمات من خلال خلق هذا التآلف بينها وبين ما بعدها وما قبلها ، لإبداع سياق جميل رائع لا يقتصر على اللغة الشعرية فحسب ، فهو ا أشبه ببائع المزهريات التي فيها زهورا متنافرة الألوان مختلفة الأنواع ، لكن الاشتغال على خلق التوافق بين أعناق زهور المزهرية يجعل الباقة خلابة رائعة تشعرنا النظرة فيها ( بنشوة كنشوة الخمرة أو نشوة طرب الألحان ) فالمزية الظاهرة والفضيلة القاهرة تظهر جلية واضحة من خلال جمع أعناق المتنافر من الكلمات ، وبالتالي خلق الصورة الفنية التي تحلق بالقاريء في سماء التخييل والانزياح وباعتباره ناقدا لمقروءاته ، سيعمل على الحفر في لغة النص من أجل هدمه وإعادة بنائه على مقاسات تفكيره ورؤيته الفلسفية للحياة ، وأظن أني ك(قاريء يكتب ) أرى أن المبدع قد نجح في هذه الخاصية الفنية والتي تتجلى اساسا في اللغة الحسناء التي ترفل في جمال الترتيب والتركيب والإسناد ، ولم يقع في شراك تلك اللغة المباشرة التي لا تخرج في معانيها عن منطوقها أو عن مستوى بنيتها السطحية فتكبل خيال القاريء ، فاللغة كتابة وقراءة لا تعطيك بعضها إلا إذا انصهرت فيها كلك وأعطيتها نفسك وكنت خادما لها ، وإلا استعصت عليك وتمنعت ، فتجد نفسك تغرز أظفارك في الصخر فلا تحصل على شيء ،وأقول إن البحث عن المعنى التابث من القضايا التي خيضت حولها حروب نقدية كبيرة لأن تكريس المعنى التابث يحد من جماليات انفتاح النص على تعدد القراءات والتأويلات والتفسرات ، وهذا يجعل لغة النص غير قابلة للهدم وإعادة البناء ، وتكون أشبه بالصخر لا يؤثر فيها إزميل القاريء، فينفر ويعزف عن القراءة ، حسين المنجي حسين بنخليفة كان فطنا لهذه الخاصية أي أن خاصية الانفتاح في النص لا تكون إلا من خلال القدرة على النظم والتريب . والانزياحات توابل النص الإبداعي إن لم نقل أنها ديدن جماله وعصب الحياة فيه !في كثير من الاحيان ما اهتم بمشاكل اللغة في قراءاتي النقدية وإهمال المعنى إيمانا مني أن المعنى يؤوله كل قاريء بطريقته الخاصة لكن اللغة هي التي يمكن ان نجد فيها بعض المشاكل الفنية و لأنها هي جوهر النص الأدبي بصفة عامة وقد نجح الأستاذ المنجي حسين بنخليفة في توظيف اللغة الجميلة الراقية التي يشدها القاريء من تلابيبها ( ولا تشده) لتبحر به في بحار الجواهر والدرر التي لن يجدها أبدا على الشواطيء فالمد البحري لا يرمي إلا الفتات ، وأيضا لتحلق به هذه اللغة الانزياحية بعيدا عن جاذبية الواقع التي تفرضها اللغة المباشرة ، هنيئا لك بهذه الملكة التخييلية الرائعة ، وهنيئا لقرائك بأسلوبك الجميل في الكتابة والذي صراحة أرى ألفاظه تومض وتخبو كضوء تلك الهوام والخنافس الليلية المضيئة التي تنير عتمة ليل عز فيه ضوء القمر ، سر على دربك فلغتك تخدم جماليات الفنون النثرية بصفة عامة

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
درس الوليمة
التالي
الدراجة

اترك تعليقاً

*