قراءة في نص

قراءة في نص “زلَّة”

للكاتبة أفق الشام فاطمة الآغا

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

القصة من النظرة الأولى ستبدو عاديةً، بينما في طياتها أتون أحداث إنسانية دامية، بينما كنت في تطواف بين أروقة القصص المنشورة على جُدُر صفحات القصة القصيرة جداً في سماء الفيسبوك الأزرق؛ استوقفني هذا النص، لطرقه -حسب وجهة نظري- موضوعاً قلَّما يُطرح عادةً. لذا، سأسكب بعض مداد محبرتي وأرسم به ما زاحم عقلي حروفاً.
العنوان “زلَّة” بمعنى “خطيئة”، والذي يشي بوجود خطيئة أخلاقية تحديداً بين الطفل وأخته. وحتى لا نستبق الأحداث بهذا الظن التخيلي والافتراضي، سنذهب إلى أتون النص، وستبدأ الرحلة مع:
البداية وهي بداية وصفية (يعودان سعيدَين)، وأما مجاريات الأحداث فارتحلت أيضاً مع النوع الوصفي الدرامي الإجتماعي في رحلة الشتاء والصيف ذهاباً وإياباً.
عند لقطة: ” يذهلُهما الطِّفلُ وأختُه؛ يقلّدان بصمتٍ مشهداً بالجوّال…” يبدأ النص في إظهار ذؤابات نواجذه من الاضطراب والتأزم، وتصعيد التظاهرة وصولاً إلى ذروة نبتة القصة، ثم النتيجة ( القفلة) التي تسمح بالتأويلات والإيحاءات.
وظفت الكاتبة لفظتي ( الطفل وأخته )، لتعبر عن أن الطفل بحسب مفهومه العالمي هو الذي لم يتجاوز الثامنة عشر(بين 12-14 سنة الذي يبدأ الاهتمام الجنسي بالظهور في هذا العمر للطفل، 11-13 سنة للإناث ). ولم تذكر الكاتبة الأخت كطفلة، لتذهب بناإلى أن عمرها يفوق الثامنة عشر، ربما يصل سنها إلى الأربعين سنة. وبالتالي ذلك سيأخذنا لعدد من الايحاءات حول الأخت، منها:
أولاً: أن الأخت كانت أكبر سناً من أخيها الطفل
ثانياً: أن الأخت حاجتها للعاطفة أكبر من أخيها، بحكم عمرها ومستوى تفكيرها المتقدم –واحتياجها العاطفي المتزايد-، كما يؤكد ذلك الباحث النفسي “ماسي” حيث قال ( في معنى كلامه وليس نصاً) في العام 1980م: أن القيم تختلف بإختلاف العمر وصنف الفئات العمرية، إلى أربع. ما يهمنا –هنا في القراءة -منها هو تصنيف:
المعارضون: من 20 إلى40 سنة ( وقام بوصفهم بأنهم يرفضون النظام والضوابط الاجتماعية).
المصدر: كتيب: المحافظة على القيم للطفولة ( تطبيقات بناء القيم وفق خصائص النمو في مرحلة الطفولة) ، جمع وإعداد عبدالكريم بن كرامة ربيحان.
ثالثاً: الـمُبادأة في الإثارة لفعل الرذيلة.
ويعد ذلك توظيفاً ذكيا من قبل الكاتبة.
أما القفلة (تسقطُ ضفائرُها)) : ستجعلنا نحجز تذكرة لحضور عرض سينمائي في لقطات أدبية قديمة، لتسهيل التأويل ومعرفة بعض مدلولات كلمة ضفائر التي تلف أوتُعقد من شعر الفتاة، لتقريب قراءة القفلة للقصة:
ضفائر المرأة عند العرب ( من باب الأدب): ضفيرة الشعر تعني في اللغة العربية ب ( الغديرة مفرد غدائر، والغديرة خصلة من الشعر عندما تجمع الخصلات تسمى عِقْصَة وجمعها عِقَص وعِقْصات وعِقاص).
وقد عبر امرؤ القيس عن الضفيرة ب (العِقاص في حالة الجمع ) في معلّقته الشهيرة يصف شَعْر المحبوبة، بقوله:
غدائِرُه مُسْتَشْزِراتٌ إِلى العُلا تَضِلّ العِقاصُ في مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
المصدر: كتاب شرح المعلقات..
فمن هذا المدلول نخرج بأن ضفيرة المرأة لها معاني الجمال الذي يستدعي الغزل في جمالها. وخاصة إذا كان طويلاً وشديد السواد، كما هو المفهوم في العصر الجاهلي.
وبالنسبة لطول الشعر ( الذي تدل عليه الضفيرة )، فهو يؤثر في الجانب النفسي الإجتماعي بجوانب متعددة، ومنه نستخرج بعض أسباب قص الأخت ضفيرتها، كما يلي:
1- قصت ضفيرتها لأنها شعرت أنها انتقلت عاطفياً من مرحلة إلى أخرى، وهنا في القصة إيحاء أو تعريض بأنها فقدت عذريتها، ولم تعد بحاجة للضفيرة التي تبدي جمالها لجذب زوج المستقبل.
2- قصت ضفيرتها لأن من رأتها في المحمول كانت قصيرةالشعر، وتحاكي الخيال وتريد أن تكون كتلك الفتاة قصيرة الشعر، وقامت بما يسمى في علم النفس التحليلي والاتصال الإنساني بــــ ( التعميم)…
3- قصت ضفيرتها، كناية عن التدمير النفسي الذي وصلت إليه، وبالتالي هي تُعاقب الضفيرة التي كانت سبباً في ارتكاب الخطيئة الجنسية.
4- قصت ضفيرتها، لتعلن تخليها عن التمسك بالقيم الأخلاقية فيم يتعلق بمنع وتحريم العلاقات الجنسية، سواءً بين الأخوين أو مع الآخرين، وقص الضفيرة نوع من الإنفتاح وأنها دخلت إلى حياة من حرية جنسية بعيداً عن الدين أو حتى عن العادات والتقاليد.
5- قصت ضفيرتها، لأن حبيبها أو من كانت تأمل الزواج به قد تزوج مثلاً، وأنه عبر لها يوماً ما بحبه لشعرها الطويل، فقامت بالانتقام منه بطريقتها..
بعد هذه القراءات لأسباب قص الأخت لضفائرها، سنعود لما أشرت إليه في بداية القراءة أني سأتحدث عن العنوان بشكل أكثر ثرثرةً، وهذا هو المكان المناسب لهذا الحديث.
وبشكل عام:
القصة ارتسمت بالطابع الوصفي، وامتاز النص بالتأزم والإربكاك الذي أجادتـه القاصة، وهو ما جعل القراءة تذهب خلف معنى الطفل، ودلالات الضفيرة أدبياً، نفسياً، وإجتماعياً. كما أن القصة امتازت بمشهدية جيدة ظهرت من خلال الحراك الخارجي للقصة كالعودة من سهرة، “يقلدان بصمت مشهداً بالجوال…”، والحراك الداخلي النفسي الذي يظهر على الأبوين (الإندهاش)، ويظهر بقوة على الطفل والأخت. الزمن كان حاضراً في القصة ويتضح أنه في فترة المساء أو الليل. كما أن المكان أيضاً كان غالباً في المنزل. وبذا توفر الزمان والمكان واللذان هما من أساسيات القصة فلا حدث (في مكان) بدون زمن، وإذا توقف الزمن في علم الفيزياء فلا حركة. سرعة الأحداث ظهرت شكلاً في الكلمات الفعلية في جميع جمل القصة ( والسرعة من شروط الققج، كما نعلم).
أما بالنسبة للانسياب الزمني بين الجمل الفعلية، فقد أكون صائباً بوجود فجوة زمنية ليست بالفارقة، ولكنها موجودة وإن كانت بشكل غير ملحوظ أو خفيف- بين أحداث القصة- وظهر ذلك في النص كما يلي:
” يذهلهما الطفل وأخته؛ يقلدان بصمت مشهداً بالجوال… تسقط ضفائرها” والفجوة الزمنية أن الأبوين كانا يشاهدان أحداث التقليد ( حيث التقليد أخذ وقتاً بحسب التعبير عنه بالنقاط التي أتت بعد كلمة “بالجوال…”، ربما يذهب ذهن القارئ القاص أنه كان هناك زمن يمكِّن الأبوين من إيقاف سقوط الضفيرة وإن لم يكن المنع بالحركة فبالصوت وهو الأسرع).
وأيضاً جملة “تسقط ضفائرها” جاءت في سطر مستقل ما يدل على بدء حدث جديد يمثل فاصلاً زمنياً وإن كان قليلاً. ربما لو كان هناك فاصلة (،) بعد النقاط التي بعد كلمة ” بالجوال….” لربما زال هذا الفارق الزمني، حيث أن الققج يجب أن تدور أحداثها في زمن قصير جداً، لذا سميت القصة بالقصة القصيرة جداً. وفيم يتعلق بالمشاكسة والمفارقة،لم تظهر بقوة بحيث يظهر الحدث في إتجاه وكانت القفلة في إتجاه آخر.
نجحت القاصة بشكل جيد في التكثيف الذي نستكشفه من خلال صعوبة استبعاد أي كلمة في النص، ولا نتكلم هنا عن إعادة صياغة بنائية للقصة لتكون أكثر تكثيفاً مثلاً. وأما القفلة فكانت من النوع التأملي، والمأساوي. لتجعل القارئ يغوص في تأمل مدلولات وأسباب سقوط الضفيرة. كما امتازت القصة بتشغيل الحجم القصير جداً وظهر ذلك في التكثيف، إلى جانب أن القصة رصدت الذات من خلال الآخر، والرصد من أغراض الققج ذات البعد الإنساني. كما امتاز النص بجمل توليدة فكل جملة تولد نتيجة أو سلوكاً في الجملة التي تليها. القصة فعلاً رغم صغرها إلا أنها تجعل العقل يقوم بوظيفته بشكل فعال لتتبع أحداث القصة. هو حقاً نص قصصي جميل جداً، أهنئ القاصة القديرة الأستاذة: أفق الشام فاطمة الآغا على قصتها البديعة.

السابق
زلَّة
التالي
تيه

اترك تعليقاً

*