قراءات

قراءة في نص “شجرة اللعنة”

للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة النقدية

مقدمة

إنها ورقة لا أقل ولا أكثر، فسحة في رحاب الإبداع لا هم لها غير الإنصات إلى النص فيما قد يوحي به من قراءة. ورقة لا ترمي إلى تجريب المفاهيم في استنطاقه مما قد يوهم أنه بدونها غير قابل لأن ينتج معرفة خاصة به عند القراءة . ورقة من بين الأوراق الممكنة في قراءتي النقدية المنفتحة على ما قد يقوله من مفاهيم وليس فيما يتوجب عليه قوله من خلال مفاهيم مسبقة….

1- من رمز إلى رمز تبدأ القصة

غالبا عندما تمتح القصة مادتها من مرجعية أسطورية تنفتح آفاق الكتابة فيها على وهمية العلاقة بالزمن كأفق اعتباطي يبعثر منطق الحكي فيها. قصة الأستاذ صالح هشام ” شجرة اللعنة” لا زمن لها غير زمن الحكي الذي يجعل من الأسطورة ورشة لاستنطاق الحدث ومن الحدث مطية لاستلهام حيثيات الأسطورة . وعليه، تفرض علينا قراءتها من حيث الكيفية التي تدبر بها الشأن الرمزي وتؤسطره حسبما يخدم الحدث ؛ رمز يحيل الى رمز آخر ، يقفز من مرجعية إلى أخرى ليجعل المرموز له كمينا غير قابل للبحث فيه عن معنى واحد أو حتى شرح أولي لما يريد أن يعنيه . لأن مايعنيه هو ما لا يريد أن يقوله في المرموز له بل فيما يربط الرمز بالرمز. ولكأن الأستاذ صالح ينقر في قصته على الرمز ليستفزه وليستحضر مرجعيته عن بعد حتى يكون مثل الشجرة ذاتها التي تبنين النص في حضورها الغائب والمشحون ببلاغة المفارقات أو على الأقل الثنائيات : البطل الجميل/ اينكدو، عالم الأطفال / عالم الكبار، عالم البراءة/ عالم الخطيئة ، عالم الخوف/ عالم الشجاعة، عالم التخييلي/ عالم الواقعي . فكيف يتمكن القاص من القبض على ما قد يبدو غريبا عن النص من خلال رموز لها مرجعيتها الخاصة؟
سوْال يحيلنا على علاقة الشخوص ببعضها، على ما تحكمه العلاقة بينهم من خلال الشجرة . والنص ينسجها بدءا في زمنين :
الزمن الأول : زمن طفلان بطلان يخرجان من أسطورة ” جلجامش” في واقع رمزي وتخييلي له شفراته القرائية الخاصة به. وهو زمن يتوج بحدث فاجعي تنتهي معه الأسطورة لتبدأ شخوص الزمن الثاني.
الزمن الثاني : زمن الكبار الذين يعالجون الحدث الفاجعي حسب نظام مرجعية الرمزي في ذاكرتهم الجمعية.
وبين الزمنين لا توجد علاقة مباشرة سوى الشجرة اللعينة. ذلك أن الزمن الثاني يأتي كردة فعل للزمن الأول إن لم نقل كأرضية أولية يخلقه ليعود اليه كي يتخلص منه فيحكم على نفسه بالضياع وكأن حاله يقول إن بموت الرمز يأتي وجه آخر من أوجه الموت.

2- الحكي بين المحادثة الجوانية والمحادثة البرانية

تبدأ القصة مع طفل موزع في حكيه على أسلوبين خاضعين لتقلبات وتطورات الحدث: أسلوب المحادثة الجوانية وأسلوب المحادثةع البرانية. انطلاقا من إحالات رمزية، يحكي الطفل عن مغامرته التراجيدية مع صديقه في محاولاتهما لاقتحام لغز الشجرة وطلاسيمها التى تبعث في آن واحد على الرهبة والرغبة. فلكل رمز حدث ولكل حدث قصة. غير أن لعالم زمن الحكي الأول الذي يجمع البطل الجميل بصديقه ايكيدو، إحالات رمزية تتوزع بين المقوسة منها و غير المقوسة :
– الإحالات المقوسة : (أنا سليل الوركاء !!) / (خمبابا )/ ( يا ايكيدو) / (ليليث) / (البطل الجميل ) / ( خمبابا).
– الإحالات غير المقوسة: مروض الخوارق/ قاهر الإنس والجان/ الحصان المجنح/ العفريتة / المارد/ الوحش…
الإحالات المقوسة تترجم الإحالات غير المقوسة في لغة جلجامش وتبنين الحكي في تبايناته بين رمزيات أسطورة واضحة المرجعية ورمزيات كائنات غرائبية يتداخل فيها الديني بالخرافي في الذاكرة الجمعية. وبقدر ما يقابل القاص بينهما تارة في تحميل الرمز الأسطوري من دال إلى دال وتارة في تكثيفه منتقلا من شفرة إلى أخرى ، بقدر ما تتضح لنا تقنيته التي يستعملها في الاشتغال على الرمز. الإحالات المقوسة ( البطل الجميل..) لها وظيفة خدمة اُسلوب المحادثة الجوانية لاستكناه ” أنا” الطفل التي ما تنفك عن محادثة نفسها والبحت لها عن قرين جواني- double- قادر على تحقيق ما لا تستطيعه في عالمه الواقعي ومواجهة لغز الشجرة : ” حدقت في المرآة – يقول البطل الجميل- وأمعنت في التحديق حتى كدت أخترق نفسي بنفسي(…) وصحت صيحة أفزعت أمي : أنا (سليل الوركاء!!! )أنا الثور النطاح!! أنا !!! أنا…وأطلقت ساقي للريح، أطير في الهواء ، وفي قرارة نفسي أني أمتطي الحصان المجنح “.
جلماجش تأتي كخطاب داخلي يخول للطفل معانقة هذا البطل الجميل الثاوي في قرارة النفس والتي كادت أن تخترق نفسها بنفسها. ويستعملها القاص كتقنية بلاغية لترشم خطاب ” أنا” الطفل وتعطيها مفاتيح الدخول إلى عالمها التخييلي بموازات مع أسلوب المحادثة البرانية (” أنا البطل الجميل ، أنا سليل الوركاء ” / “كانت الشجرة مأوى للعشاق من أبناء القرية وحتى من الكائنات الحية “). وهكذا تطل ” آلانا” على جوانيتها لمعانقة رغبات النفس في محادثة صامتة ( وفي قرارة نفسي أنني أمتطي الحصان المجنح ) وعلى برانيتها للملمة تناقضات تصورات محيطها و الإجابة عن أسئلتها وهواجسها المقلقة.
لماذا لجأ القاص إلى رمزيات أسطورة جلماجش مع العلم أن مسرح أحداث القصة له رمزياته ومرجعياته الأسطورية ؟
هنا تكمن خاصية قصة ” شجرة اللعنة” وقدرة القاص على جعلها مرتعا لأسئلة تحرق عالم طفل يبحث عن الحقيقة، حقيقة الأشياء والرموز ، حقيقة العين المجردة من الحسي والألغاز المستعصية على إدراكه..فالطفل مهووس بتملك الحقيقة من خلال المعرفة، إلا أن المعرفة التي كونتها القرية( الذاكرة الجمعية) حول الشجرة تبدو ناقصة لإشباع رغبته المعرفية. فلابد من معرفة أخرى ولا بد من التنصل من الذاكرة الجمعية لسبر لغز الشجرة وتطويع أسئلة قادرة على إنتاج أجوبة أو شبه أجوبة في عالم تخييلي. يخلع الطفل انتسابه الى ذاكرة القرية الجمعية ويفبرك له إنتسابا وانتماء آخر، ” أنا سليل الوركاء.. أنا البطل الجميل”، فيجد نفسَه أمام نفسه بدون حصانة رمزية إجتماعية، يخلق مرجعية خاصة به لا أساس لها غير الرغبة في تقويض الأسئلة التي تكبر حجم قدراته الإدراكية . وخلق الشيء من العدم يعود إلى العدم في التخيلية أو إلى محنة قاسية الثمن للأنا : ” أعود كالذئب المسعور ويموت ( سليل الوركاء) في أعماقي “. وبموت سليل الوركاء الرمزي وموت صديقه التراجيدي تقتلع الشجرة بجذورها فتحل اللعنة على أهل القرية وتهجّرهم من منازلهم..

3- بلاغة المفارقات في دلالة الشجرة اللعينة

لماذا للشجرة وجهان : وجه للمتعة/الحياة، ووجه للضياع/ الموت ؟ لماذا للخوف منها وجهان : وجه للرغبة ووجه للرهبة ؟
مدخل الإجابة عن هذه الأسئلة تأتي على فم أحد رجال القرية الذي يؤكد أن “هذه الشجرة هي سبب فتنة الكبار ومصدر قلق ورعب الصغار”، تفتن بقدر ما تخلق الفتنة، ترعب حيث تُغري وتغري في ما ترعب ، تحتضن مغامرات أبناء القرية الغرامية فيما هي تأوي الكائنات الحية الأخرى…الشجرة تحيل إلى هذا وذاك، خزان ذاكرة جمعية ومسرح أعراضها بكل تناقضاتها و مفارقاتها. إنها حياة المتعة للكبار وهم ” يعزفون أنشودة الحب الخالد” وموت الحياة للصغار إذا اقتربوا منها. فمنها وبها يتحول غرام الكبار إلى أرض قابلة لحرث الرغبة خارج المحرم ويتحول اقتراب الصغار بالمحرم رغبة تقتل المعرفة. وبين معرفة الرغبة والرغبة في المعرفة تأخد الحقيقة مسارات الرمز، رمز الشجرة التي تعني الشيء ذاته ونقيضه، تعني كل شيء ولا شيء .
اقتراب البطل الجميل من الشجرة كان ورطة “الرغبة في المعرفة”، على إثرها ذهبت المعرفة المبتغاة وبقيت الرغبة حبيسة ذاتها، لا تملك من متنفس لها غير أعراض الرهبة في الجسد: “كنّا نحس بها / أفقد السمع نسبيا/ قلبي يركل في كل أنحاء صدري/شعرنا أن مئات الأعين تخترق أجسادنا الصغيرة كالسهام /أصوات أشباح تصم أذني ..” رؤية العين غير كافية للإجابة على صوت الرغبة التي لا صورة لها ولا موقع يمكن من خلاله ضبطها إذا ما جنت في رغبتها لدى بطل جميل يختلق أسطورة على مقاس ” أناه” المتعطشة لمعرفة الرغبة . فالشجرة من حيث وجودها ليست في النهاية إلا ” شجرة فرعاء، رعناء، شعتاء كعش اللقلاق..تستحوذ على الكثير من الأمتار المربع من الأراضي الجموع ..” لكن لماذا تخترق رمزيتها ثنائية الرغبة /الرهبة ؟ هناك فرضية توحي بها القصة كإجابة مبطنة لدلالاتها في الذاكرة الجمعية وهي كونها ” كائنا مفهوميا” ( جيل دولوز ) يساعد شخوص القصة على خلق إنتاج تصورات مفهومية للشيء من حيت هو . فأهميتها لا تكمن في دلالتها ولكن في الممكن التي تتيحه من مقولات مفهومية قابلة لإعادة إنتاجها حول الشيء من حيت هو. لأن الشيء ذاته يستحيل مقاربته من حيت هو بل يفرض الإلتجاء إلى كائنات مفهومية لمقاربته ، كيفما كانت مصدرها سواء فلسفية، فنية أو أساطير العالم الآخر، كما هو شأن علاقة البطل الجميل بالرغبة. الشجرة إذن تحضن مجمع الكائنات المفهومية القادرة على إنتاج معرفة حول الوجه الآخر للرغبة، تلك المضروبة بصك المحرم : الجنس غير المقنن، الجنس مع كائنات الليل… عالمان يكونان شرطا من شروط إنتاج معرفة الوجه الأخر للرغبة : المرئي واللامرئي في علاقة تواشجية، لأن اللامرئي حسب تصورات رجال القرية له القدرة على التمظهر في المرئي، وارتياده كلغة قابلة للاستنطاق : اللئيمة ( العفريتة) هي التي قتلت صديق البطل الجميل بعد أن فسخت نفسها في شكل أفعى – ومنذ بدأت هذه الثعابين تخرج من جذع الشجرة ما رأينا فوقها طيرا يطير ولا شيء. لم تكن الشجرة تشكل هاجسا للجماعة وإن كانت مأوى للمحرم والكائنات الليلية بل قد نستنبط أنها كانت تحقق وظيفة اجتماعية في حصر الوجه الآخر للرغبة المضادة لما تقتنه الجماعة من سلوكات مثالية. غير أن حدثا تراجيديا ( موت صديق البطل) كان كافيا لأن يضع رجال القرية أمام قلقهم اتجاه هذا الوجه الآخر للرغبة الذي ولد الشعور بالذنب، وبالتالي الانتقام. انتقام من أنفسهم وضياعهم في إتلافهم لرأس الخيط كما تقول قصة الشجرة اللعينة.

4- مفتاح الإحالات المقوسة

الطفل “بطل جميل” ينصب نفسه مروض الخوارق وقاهر الإنس والجان، طفل استثنائي في مخيلته
وعادي جدا في إحساسه وحياته. واستثنائيته في مخيلته لا تعني بتاتا مغالطة لواقعه ولواقع الأشياء . إنها مخيلة لها واقعيتها فيما ينسجه البطل الجميل حول نفسه. لأن ما ينسجه هو ما يعيشه وما يعيشه أكثر واقعية من رمزيات الأسطورة التي يخلق منها عالمه التخييلي، تماما كالطفل الذي نسمي ما يقوم به من فبركة أشياء وحكايات “باللعب”. فكلمة اللعب تسمية لا توجد في قاموسه، على الأقل في إحدى محطات تكوينه البيو-نفسية. لأنه ببساطة لا يلعب بمفهوم الكبار، فما يفعله أكثر جدية وحقيقة مما يسمى باللعب. وهذا ما اسثتمره القاص الأستاذ صالح هشام بتقنية أدبية عالية، بطل القصة طفل يعيش تحث وطأة فكر سحري pensée magique من كونه خاصية من خاصيات الفكر الطفولي، لا قانون له سوى القوة المطلقة على كل شيء حيث سببيات الأشياء تنمحي أمامها ، لكنها تتلاشى بسرعة إذا ما اكتوت بما لا يستطيع الوعي وعيه، ألا وهو الموت. ولكأن انكيدو ليس إلا الوجه الآخر للبطل الجميل : كانت بطولتي مزيفة/ وكنت أكثر جبنا منه. وليس أنجع طريقة لترصد علاقة “أنا” الطفل السحرية الباحثة عن عالم وجودها في عالم الكبار من أسطورة لها نفس المكونات.
للمغامرة حدود كما للمخيلة حدود، لكنها عندما تترك لنفسها في عالم طفل تجره الرغبة في المعرفة إلى اكتشاف اللغز، عندما تدخل إلى اللغز، يموت كل شيء، لأن قيمة اللغز توجد في فاعليته الرمزية والنفسية وليس في ما قد نكتشف فيه من دلالات متعددة المشارب.

السابق
اللص
التالي
سلّة

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. المصطفى بلعوام ، عرفته عن قرب من خلال طريقة ابحاره في النصوص ، سواء كانت شعرية او نثرية ، فابحاره يختلف اختلاف كبيرا لانه ،لا يرضى بقراءءته الا سابرة لاغوار النص وفي ادق تفاصيلها ، وما يمنحه هذه الميزة التي يكاد ينفرد بها هو انه عندما يمارس فن الاستغوار والاختراق والبحور ، يطبق نظرياته العلمية التي لا تترك شيئا من النص ، الا وشرحته من اللغة على شكل كلمات الى تركيبها في سياقات ، مختلفة ، واعتبر هذا القلم الذي يعمل في الظل من ابرز الاقلامالتي تمارس النقد لدفع عجلة الادب العربي الى الامام ،هو الناقد الفد الذي لا يبحث عن القاب او عن ثناء وشكر وانما ، يبدل مجهوداته حبا في الحرف العربي الذي هو في امس الحاجة الى امثال المصطفى بلعوام ، جازاه الله خيرا ،فهنيئا للنص بهذا المشرط الرائع والازميل الذي ينحت الددر والجواهر على اجساد النصوص ، بوركت استاذي !!!!! صالح هشام

اترك تعليقاً

*