قراءات

قراءة في نص “عصامي”

للكاتب عبد الله الميالي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

يرى الدكتور جميل حمداوي أنّ شروط ومقاربات القصة القصيرة جداً وتحليلها وتفكيكها يجب أن تعتمد على رؤى جديدة غير كلاسيكية. أطلق عليها المقاربة الميكرو سردية، ويقصد بها تحليل القصة القصيرة جدا من داخلها أي من بنيتها الثابتة وهي:
“حجم القصة القصيرة، فعلية الجملة، التراكيب، الإضمار، المفارقة، الصورة الومضة، التنكير، الإدهاش، المفاجأة، الحذف، السخرية، التسريع” ومع إضافة بُنى أخرى، كالتأزم وطرافة اللقطة، والإيحاء البلاغي القصير، والانزياح السردي.
يمكننا أن نكتب قراءة نقدية في نص (عصامي) وفق تلك المعطيات: العنوان (عصامي) جاء مستنداً على عنصر التنكير الذي هو سمة غالبة على النص القصصي وجنسه المستحدث، وهو الرجل الذي يصنع نفسه بنفسه، وعصامي اسم نسبة مشتق من كلمة عصام.
في مدخل وديباجة النص نجد كلمة (القلم) المُعرَّفة المتبوعة بالاسم الموصول (الذي) وهما المحور والمدار والرابط الموضوعي والفني للنص. 
نجد في النص فعلية الجملة من خلال الفعلين (نزف – حملوه) وهما مترابطين من خلال تأزم وتسريع الصورة الومضة وطرافة اللقطة داخل النص، كذلك المصدران (إعلان – وجود) يحتويان ويضمران حدث آخر وفاعلية للجملة.
كذلك نجد تقارب صوتي بين لفظتي (نزف- زنزانته) قلّ أن نجد مثيله فيما لو قيل سجنه، وقد خلق ذلك التقارب صورة ذهنية حسية حركية بين النزف الكثير ومكانه وهو الزنزانة ثم الحمل إلى المشفى مع ترابط وتلازم كبير. حتى نصل إلى انفعال وتأزم ومقاربة مضمرة بين عبارة (نزف حتى الموت)، (حملوه إلى المشفى). نتج عنه تسارع وسخرية مغلفة بحدث وموروث واقعي نشط ومفعل في مجتمعنا العربي وهو إعلان حالة الطوارئ.
أما النهاية فكانت مفاجأة وضربة صادمة تنزل معها الستار على خاتمة القصة القصيرة جداً. مع إيحاء بلاغي قصير، وإدهاش مؤثر في عبارة (خوفاً من وجود كلمة في أحشائه) . معها سنتحصل على قيمة مضافة في بنيوية النص وتكامليته وهي الحذف والإضمار، في تعليلنا للخوف وما ينبئ عنه من ولادة جديدة في أحشاء القلم العصامي، قد يكون هو أيضا عصامي بنتاج التبادلية والتكرارية والتكوم. ونلاحظ ربط تركيبي بين عبارة الخاتمة ودلالتها على الحياة الجدية كاستشراف وبين عبارة المدخل والمقدمة في النزف حتى الموت في الزنزانة.. فالقلم الذي مات يمكن أن تحتوي أحشائه على مولود خالد وهو ما يخلق تصور وإيحاء بمعنى جديد كالبقاء والخلود رغم الموت والعدم بنظر المزهقين للروح المتتبعين لعدميتها وانتهاء وجودها الظاهري.. وقد يكون ذلك وجهة من وجهات خنق الإبداع وقتل وإطفاء روح التجدد أو روح التمرد أو روح الثورة.
نص باذخ يمكن أن يُقرأ قراءات عديدة، ويتحصل منه على أفكار مضمرة، من خلال المتلقي وبأداة فاعلة ووعي محبذ.
عنوان جيد، واختزال وتكثيف عال، مع تواءم وتلاحق وتوحد عوالم السرد الانزياحي في مختصر مفيد، وهو من أبرز سمات القصة القصيرة جدًا.

السابق
عِصامي
التالي
منفى

اترك تعليقاً

*