قراءات

قراءة في نص “فرط الحجر”

للكاتب محمد الشطوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

العنوان.. كما يقال هو العتبة التي يدخل منها المتلقي إلى فيحاء حجرة النص إما للنوم أو الاستمتاع… قبل دخولي إلى متن النص أتوقف كثيراً أمام العنوان الذي بدء بكلمة فرط وكأن الحجر هو ثمرة رمان، تنفطر إلى حصاوي وقطع صغيرة، وجعلني أتخيل الحجر فرط صخرة كبيرة ليدخل إلى كوميديا النور والنار، شدتني هذه الكلمات لأتابع مشهد مسرحي بطله الحجر الذي يصنع النار بحركات تتراوح بين القسوة والمرح لتخرج شرارة تشعل ناراً أما للنور بإضاءة شمعة أو سراج أو ناراً للطهي وربما أحياناً بنظرة سوداوية، لهيباً يلتهم الأخضر واليابس ويرجع ذلك كله عبر التاريخ إلى الإنسان بطل المشهد المسرحي وما يفرضه عليه ضميره ونوازعه الأخلاقية التي جبل عليها..
المتن.. حجرة النص مسرحية الحجر

المشهد رقم 1
بعد العنوان الجاذب بحنكة من الكاتب أدخل بحذر بهو حجرة النص وأنا أنشد الاستمتاع…. بدأ الكاتب نصه باسم أبو نضال وهو أسم مناضل فلسطيني يبدي دهشة إعجاب بالانتفاضة” يا لها من انتفاضة تفوق فيها الحجر على السلاح، نبلة ومقلاع”، هنا تتجلى الجمل الشعرية للكاتب الشاعر.. رغم السلاح الفتاك للعدو الصهيوني إلا أنه أبدى العجز والخور أمام بطولة أبناء الضفة والقطاع فقد تفوق بأيديهم الحجر في المواجهة، وبنقلة شاعرية سريعة من الكاتب يدخلنا مع تفوق الحجر إلى قبة الصخرة واستطاع الكاتب الربط بينها وبين الحجر في أيدي شباب وأطفال الانتفاضة، قبة الصخرة تبدو شامخة وهي تركيبة بديعة صنعها الإنسان من الحجر، ويستمر الكاتب بلغة الإدهاش والنقل السريع إلى ضحايا الانتفاضة، حيث يسمو الحجر كشاهد على بطولة هؤلاء الفتيان، ليقف شامخاً برخامه الأبيض ليؤرخ أسماؤهم ويسجل بحروف من نور مصدره الحجر تواريخ صولات المقاومة ببطولتها الباسلة للأجيال القادمة، ويستمر المشهد البطولي سيره ملوناً بأشعة شمس الغروب الأرجوانية كما لون قبة الصخرة ، وهنا أبدع الكاتب بعبارة شمس الغروب لأن الانتفاضة غاب وهجها وبريقها ولم يبق منها سوى الأهازيج وتراتيل وتسابيح كلها لا تخلو من شجن، أي حنين إلى ذكرياتها وتصدح مع هذه الذكريات موسيقى جنائزية تحية لأرواح الشهداء، فيما يتقدم الليل ليسدل ستائره السوداء على أرض الميعاد ، وفي هذه الفقرة تفوق الكاتب في توصيف أرض السلام الأرض المقدسة التي ستبقى نوراً يحلق في سماء الأمل، كما سيبقى السواد يغلف آمال الصهاينة بأرض الميعاد مهما طال زمن الاحتلال والقهر.

المشهد رقم 2
“احمد ماهر.. مكانه فارغ يلفت النظر منذ فترة” بهذه العبارة بدء المشهد وراودني سؤال من هو أحمد ماهر ؟ أهو شخصية معروفة في التاريخ؟ أم هو إنسان عادي من الشعب المصري شيد مبنى رائع الجمال والتنسيق على النيل ، تشوه بانتزاع حجر من واجهته ، مما حدا بكل من مر أمامه للتساؤل من نزع هذا الحجر ؟ من شوه المنظر؟ ولماذا..؟ وهنا تدخل يد الإنسان التي تضع الحجر في برواز الجمال أو في بؤرة التشوه والقبح.. وكأنه يقول يد تعمر وأخرى تدمر .
ثم يأخذنا برشاقة إلى اسم آخر.. سهام فتحي ونفس السؤال راودني من هي؟ فنانة مشهورة، أم سيدة مجتمع معروفة ؟ أم مواطنة مصرية ” من نفس مكان أحمد ماهر كثيراً ما توقفت أمامه وتساءلت لماذا لم يضع الحجر في مكانه؟ “وتستمر في التساؤل “أهم يقصدون” ويستمر المشهد بجعل كل من مر بهذا المبني إلا وتمنى أن يكون كما أحمد ماهر وسهام فتحي ويشتعل المشهد بزفة تدق فيها الطبول وكأنه منظر فرح أو مأتم مع تكاثر علامات الاستفهام وتزاحم الأفكار ليدخل علينا العم معروف الجزار بقوله “يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. يا قاعدين يكفيكم شر الماشيين والجايين” ثم يخرج حجراً من محله الكائن أسفل المبنى على النيل، يمسك الحجر ويسن عليه سكاكينه.. هنا رسم الكاتب بانوراما رائعة لمنظر الإنسان الانتهازي ممثلاً في العم معروف الجزار، الذي نزع الحجر من واجهة البناية غير عابئ بما يسود الوجهة من تشويه أو تحطيم وتجلى ذلك بقوله يا قاعدين يكفيكم شر الماشيين والجايين ، فقد استغل الحجر لخدمة أغراضه ومصالحه الشخصية، وهو مشهد يتكرر عبر التاريخ متجاهلاً قيمة هذا الحجر في واجهة البناية وباختفائه ربما يسقطها على رؤوس الماشيين والجايين المتسائلين.

المشهد رقم 3
ندخل في هذا المشهد مع قيمة الحجر المادية والروحية ” الحاج أبو الوفا: هنا في مكة .. كيف يتأتى النوم؟ حول البيت مع الحجر الأسود، وحجر اسماعيل ومقام ابراهيم، مشهد روحاني مع شعائر الحج والعبادة لله سبحانه وتعالى، فهذا الحاج الذي قطع المسافات والبحار والمحيطات ودفع الأموال ليصل إلى البيت العتيق، وجب عليه ألا يضيع لحظة من تواجده دون صلاة أو طواف ثم تقبيل الحجر الأسود لكي يرتاح وتقر العين، فلم يكترث إلى زحام المتزاحمين على تقبيل الحجر الأسود دون تحقيق المراد.. ويستمر المشهد مع قيمة الحجر الروحانية “أمس رمينا الجمرات.. رأينا الحجر كيف يضرب الحجر .. والعبر بالمعنى والرمز؟.. هنا يتجلى فكر الكاتب في التعبير القوي عن شعيرة من شعائر الحج المهمة .. ثم ينزاح بنا الكاتب إلى الشيخ الشعراوي في توصيف الحجر” سبحان الله.. حجر يقبل، وحجر يرجم ..( وحجر ينداس وحجر ينباس).

المشهد 4
نقل الكاتب المتلقي والمشاهد بخفة ورشاقة من أجواء العبادة والحج إلى ثورة الشعب المصري في 25 يناير ليعرض لنا قيمة الحجر وأثاره في تاريخ الشعوب والأمم .
“الطبيبة أشجان رمزي.. عشرات، بل مئات الثوار من أبناء مصر في أيام مشهودة يصلون المستشفيات ما بين قتلى وجرحى” تقرير الطبيب الشرعي يؤكد على أن السبب في كثرة الإصابات والدماء غير الرصاص والقنابل، هو الحجر وكسر الرخام ويتساءل الكاتب ببراعة من فعل هذا بأبنائنا؟ من غذى أرض الميدان بدم الشرفاء المسلمين من أبطالنا، هؤلاء الذين حولوا حجر البناء إلى حجر هدم وفناء… وفي هذا المشهد يضعنا الكاتبة في المفارقة العجيبة في الوصف التاريخي للحجر منذ خلق الله آدم حتى يومنا هذا، وكيف استغله الإنسان كل على هواه، منهم من استعمله سلاح للدفاع عن نفسه ومنهم من استفاد منه للبناء والسكن وأخر استعمله في شحذ السكاكين وآخرون لقهر الشعوب.

المشهد الأخير
ينقلنا الكاتب في هذا المشهد إلى الأهرامات الثلاثة مع انزياح على القبور والشواهد الرخامية التى تخلد أسماء شهداء الثورة.. ويؤكد أيضاً تخليد قيمة الحجر كما خلده الأجداد بالأهرامات وهي قبور للفراعنة رغم قوتهم وجبروتهم في زمانهم وهو مشهد يبرز استغلال الإنسان عبر الأيام والتواريخ لأخيه الإنسان ثم يدخل الكاتب على المشهد خلفية رائعة مع صوت القارئ يرتل “ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد “.

الخاتمة
تنتهي هنا مسرحية.. فرط الحجر.. كوميديا النور والنار وكأني أرى الكاتب يقول مهما فعلت أيها الإنسان واستخدمت الحجر للقتل او البناء أو البهرجة ومها تعلو وتسمو في بناءك فمصيرك إلى زوال ويبقى الحجر شاهداً على كل أفعالك.
كل التحية للكاتب المبدع الأستاذ محمد الشطوي على هذا النص الرائع واتمنى أن اكون وفقت في قراءته وتحليله.

السابق
فرط الحجر
التالي
فتنة

اترك تعليقاً

*