قراءة في نص

قراءة في نص ‘قَدَرْ’

القصة للكاتب ساجد المسلماوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

هذا النص الرشيق الذي يتناوله القارئ بانسيابية رغم رمزيته الواضحة ويطرق الاذن بخفة … حيث أنه لاشك من النصوص المنبرية الجهورية ذات الإيقاع الداخلي المؤثر وبما أنه احتلت الجراءة صيغته وصبغته والحكائية متنه، وقد ارتكز على شخوص أكملت الحكاية فلابد أنه أشار ببنانهِ لأكبر شريحة وللهمّ العام المتموضع في زوايا الشارع العربي وأزقته … فللفقر أدوات حرب قاتلة … لقد نزع الكاتب إلى المنلوج الداخلي ولكن بصوت مرتفع وتناغم السرد مع أنفاس كاتبه بعفوية مطلقة بعيدا عن التقطيع واللهاث واستمر ليدل على شكلانيته واسلوبه الخطابي الواضح وهذا بحد ذاته مايجذب المتلقي ويشده إلى مضمونه ومحتواه العميق وبالتالي رسالته .
المسلماوي له من الاعمال الأدبية الكثير وللذكر … / مخطوطة بعنوان نفض التراب (قصص قصيرة) وأيضا / مخطوطة بعنوان وخزات (قصص قصيرة جدا).
وهذا النص الذي نتناوله قد أفلح كاتبه في ابتكار خيال خاص وبني على تصوراته التي رسمها وعبر عن رؤيته بشكل جيد حيث تفنن برسم المؤثرات والامساك بالمشهدية وهكذا كانت سيمياء النص وسحره الذي وصل القارئ ليتقبلها الآخر ويؤمن بفكرته.

فكرة_النص
أو قضيته … الفقر بمواجهة العدل وتلك الحقيقة الثابتة ( الإنسان) فيما بينهما
الأول يهدد والآخر ينفذ والضحية ( الإنسان ) بين نارين … لشدة وضوح النص وبساطته بثوب رمزي مزركش بعيدا عن الغموض والاقفال … هذا النص القصير جدا بكل أركانه ومشروطيته ولكن … مالا يحتمله هو هذه الاستطالة في مستهله وهذا يأخذ عليه (أتذكر جيدا لحظة واجهني الفقر ملوحا بسيفه) لواعتمد الكاتب ( أتذكر جيدا… هاجمني الفقر بسيفه ) هذه العبارة مع النقاط الثلاثة الدالة على المسكوت عنه بما ان السرد بني على الانفعال لكان نجح بالتأزيم من البداية وأثرى عقدة الانفعال والتبئير وابتعد عن التفصيل وارهاق المستهل لوقام بحذف اللفظتين ( لحظة، ملوحا ) ولن ننسى أن باستحضار الفنتازيا والاتكاء عليها داخل المدلول قد أنجحت السرد ومنحته آفاقا واسعة لأسلوبه التراجيدي وانسنة أبطاله من خلال العبث بأدوات الحرب ( السيف والخنجر ) السلاح الأبيض المصنوع من الفولاذ في القرون الوسطى على سبيل التعبير والتأريخ تزحف الى ذاكرتنا أسلحة الفايكنج ولاحقا العرب الذين تفننوا ولهم باعٌ طويلٌ بصناعة هذه الأدوات الهجومية الدفاعية على حد سواء، وهنا تم الاعتماد على الهدوء في الإيحاء كي تكتمل اللوحة بروية مع لغة خدمت النص بشكل مميز وتلك الصور الفنية الغرائبية وهذا إن دل على شيء فهو يدل على قدرة الكاتب وخبرته وتلك المهارة المستقاة من العمل المتواصل في مضمار القص القصير جدا والتعبير عن موقفه الإجتماعي المحاذي لإنصاف الإنسان والخروج به نحو الأفضل وتكريم آدميته من خلال ارسال رسائل العدل والفقر السالف ذكرهما وانتشاله من وسط التقطيع وانهيار معيار الإنسانية ومثالب من يتواطؤون لانهياره.

تحليل النص
أول ما يلفتنا هو تلك العنونة المهيبة المنتقاة بحكمة ورصانة والتي كانت عتبة الدخول لما تحتها ( مفردة نكرة)
قدر .. جمعها أقدار والقدر: وقت الشيء أو مكانه المقدر
القدر: القضاء الذي يقضي به الله على عباده
قضاء وقدرا: دون قصد أو تدبير من أحد
القضاء والقدر: ( الفلسفة والتصوف) عقيدة من يرى أن الأعمال الإنسانية وما يترتب عليها من سعادة أو شقاء وكذلك الأحداث الكونية تسير وفق نظام أزلي ثابت.
وأرجح أن الكاتب المسلماوي قصد بالقدرأول تعريف، لهذا السبب ومن خلال العنونة استنتجنا الزمان والمكان المقدر لهما. المكان ( الشارع العربي ) الزمان ( هذه المرحلة ) والتوقيت الدموي والنزف المستمر، وكان للعنونة دورا بليغاً في الإشارة للظلم واستهلاك الإنسان على شكل قربان في كل محطة موجعة او كوقود بين العدل والفقر وأيضا يتوضح مكان سارد الحكاية حيث يختبئ وراء نصه أوخلفه إن صح التعبير ويراقب كل التفاصيل وقد حدد ملامح أبطاله بدقة ونراه أيضا ينتقل كساحر نحو وسط الأحداث المتصاعدة ليتقلد دوراً بطولياً رئيسياً مع شخوصه ( الفقر، العدل) ( أتذكر جيدا الخ…
وقد عبر تماما عن انفعالاتهم ( البطل الثاني ألا وهو الفقر حيث هدد وابتسم ( مستهزئا) و العدل البطل الثالث الذي أنجز المهمة بخنجره.
وهنا الحوار الداخلي ينجز محاكاته ( المنلوج الخاص ) وكان الحوار الخارجي يتدفق على لسان الكاتب ويحكي كل الحكاية.
لقد انتظم السرد وكانت المساند للقص القصير جداً حاضرة وبقوة وتلك الأفعال المنسرحة ( أتذكر، استوقفني، أراد ) كان لها وقعاً وأثراً واضحاً في وصول الحدث إلى ذروته وتأتي المفارقة بكامل تجلياتها في قفلة النص الصادمة والمدهشة حيث ( انغرز خنجر العدل في ظهري ) وباستخدام الخنجر المتصالب مع السيف نرى الشارع العربي غريقاً بين الفقر والعدل وديمومة القهر.
قد تختلف الرؤى وتتعدد التأويلات لانه نص مفتوح وأبوابه مشرعة وتتالت منظومته صعوداً كالسهم لتتصيد المتلقي وقد تختلف الرؤى ويتم اسقاط الفكرة بين قارئ وآخر كلٌ حسب همه وهذا يحسب للنص حيث يرتقي بمجموعة رسائل وكل واحدة تصيب هدفها بانتظام لقد اعتنت رسائله بالإنسان المضطهد وابتعدت به عن الإتجار وسمَت بإنسانيته.

السابق
هلوسة
التالي
المسافات

اترك تعليقاً

*