قراءات

قراءة في نص “كويدرة والمتمردون”

للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

” كويدرة… شبح ضبابي، يغازل شرنقة مخي، يخترقني، ويعبر متاهات نسياني وكأني به مني قاب قوسين أو أدنى، أكاد ألمسه… هو بلحمه، أكاد أشم أنفاسه المفعمة بروائح الجانكا…”.
ولنتساءل: أيمكن أن يكون هذا الأنسان ذا شخصية عميقة مؤثرة لدرجة أنه يخترق حجب النسيان وينفذ بأعماق الذهن؟ فها أنا ” أكاد ألمسه”. أجل وأراه أمامي. انه ” هو بلحمه”، وهاي تلك الرائحة التي فاحت بعد ان سرى مفعولها في شرايينه ومنحه قوة ونشاطاً مضافاً لنشاطه.. ولكن.. ويا للمفاجئة.. سحنة سمراء بلون حبيبات قمح قديمة وقامة قصيرة تلتصق بالارض وبطن منتفخة مكورة…” ، فقد اختفت تلك الهالة عن كويدرة، بعد أن أوقعنا الكاتب صالح هشام في الفخ عندما سلب منا تصورنا عنه. وماذا بعد؟ وهل هنا ك المزيد؟ أجل “…. ركبتاه معقوفتان تصطكان، تخاله يتدحرج ولا يمشي كباقي خلق الله..” . ثم تبدأ شخصيته بالبروز، لنحاول تصورها والعيش معها وربما نكاد نلمسها أيضاً.. فالواقع بالنسبة اليه “أغبر” أما دنياه التي يعيش فيها فهي ” دنيا عوجة….” ولهذا فهو ” يعشق هذيان الهروب من واقع جريح..” ، أبعده عن روح المجاملة والمحاباة لمن حوله وبات يعيش وسط دائرة تصوره.. تخاله مجنوناً لكنك سرعان ما تكتشف الحقيقة الممزوجة بالاستغراب والتساؤل. شخص ثار على مجتمعه بطريقته الخاصة بعد أن آتهم من حوله من الشباب بالجبناء… ياترى ماذا يسبح في أعماقه عندما يصرخ ” كلكم صفر ضعفاء جبناء..” ومن يمد يده الى رجل غارت المعاناة في شرايينه فالتجأ الى الادمان على ” الكحول الرخيص” الذي يستفزه و ” يوقظ في رأسه شياطين الحكمة ..” كحول مركز أقل من 90 بقليل..” تلك الوسيلة الرخيصة الثمن وغير المقترنة بشراب الاغنياء الغالي الثمن . انه ” خمر لصوص ، فيه ملوحة من دم الحرافيش، فيه رائحة من جيوب المغبونين، تشربه جيوب عفنة متخمة بعجين البسطاء…”
وهكذا تتضح ملامح شخصية كويدرة تماما… انه سيمياء symbol للانسان المسحوق ضمن اضطهاد طبقي احتدمت فيه المتناقضات فبات المجتمع مقسماً بين غني وفقير.. ولكن.. من يجروء على الصراخ غيرك يا كويدرة؟
أجل … انسان يراد له أن يكون هكذا…عفوي… قريب من الجنون..ولسان سليط وخمر رخيص خال من شوائب اللصوصية يمنحه فرصة من الحرية ومحلقاً وسط عالم ينقله “وسط جزر بعيدة.. ينتشي بفقره ويتلذذ ملوحة عوزه”. وياترى… هل من سبيل لاسكاته وقد أصبح الآن بوقاً للرفض وصيحة مدوية يهيم بين الناس تارة ويعتزل مع نفسه أخرى؟ وتأتي المفاجأة عندما يقبض عليه وهو في حالة تلبس ” يشرب الكحول الرخيص ويدخن الحشيش..” أجل.. لابد أن يسجن ويختفي هذا الصوت.. “تهمة رخيصة”… ويصرخ القاضي متسائلاً عن اسمه وعمره وعمله وكأنهم لايعلمون حيث يجدها كويدرة فرصة لتسفيه من يحاكمه ويحاول أن يذله ويسكت صوته. انها تعرية للأنظمة الاستبدادية القائمة على استغلال الفقراء وامتصاص دمائهم لتنتفخ كروشهم وتمتليء جيوبهم باموال الشعب… وهنا.. يأتي الصمت لحظات ليثور القاضي: ” يا رجل…ألم تسمع سؤالي أم انك تتعمد عرقلة مسار العدالة؟” وأية عدالة لديكم وأنتم رموز ترسخ الفقر والحرمان والاستقرار، حيث تملأ قهقهته القاعة. أنا؟ ” هل تقصدني أنا يا سيدي؟
– ومن غيرك؟ أمامي أنت والجدار! وأخيراً جاءت الفرصة الى كويدرة.. لقد فقد القاضي توازنه… لابد من تعريته وتعرية ألنظام حيث ينبري للقاضي مستهجناً: ” أنا لست رجلاً ياسيدي… لو كنته.. لما وجدتني أمامك..”، حيث تعم الفوضى ويهدد القاضي بطرد الحاضرين.. أجل أيها القاضي. ان أردت اسمي فأنا ” كويدرة… نبتة برية ترعرعت في تربة فاسدة”، لا يعيش فيها الا الفقراء الذين طحنتهم عجلة الاستغلال. تربة لاتليق بالبشر ” يتبول عليها الحمير.. ويدنس طهارتها زناة الليل والسراق ويمتص ماءها خفافيش الظلام.” انه لعمري كلام بليغ وعميق المعنى… فها هو يصرخ ويقول ان كانت تربتنا فاسده فهي أطهر منكم لأنكم تدنسونها ان داست أقدامكم عليها.. وماذا يهمك اسم لم يقترن “بالذبيحة ” فان حشرة ” الإرضة ..”. أجل إرضتكم ايها آلمفسدون في الأرض قد ثقبت ” جيوب أبي ولم يبق له فلس لشراء كبش عقيقتي..”. وها انك عرفت أسمي وإن أردتَ معرفةَ عمري…فإن ” أمي لم تزغرد يوم مولدي..” وكيف تزغرد أيها القاضي لضيف ثقيل وهي لاتملك ” جرعة حليب وثديها مترهل؟ ” وإن أردت أيها القاضي المزيد.. فها أنا أخبرك وبأعلى صوتي: ياسيدي.. ترضعني أمي الماء بدلاً من الحليب فيستمر الصراخ لوليد جائع ” ولا شيء غير ماء ساخن…”. أمًا مهنتي .. فأنا.. أجل أنا “لص، لكنني لا أسرق الميزانيات..” لينام الشعب الأعزل على التراب ويلتحف السماء بل ” أسرق دريهمات قليلة من جيوب الأطفال الصغار.. أكتري لهم الدراجة بنصف درهم لكل ساعة، ودريهمات أخرى عندما أمتعهم بألعابي وخدعي السحرية..أليست هذه سرقة مشروعة يا سيدي، أشرف من امتصاص دم الناس كالقراد؟” ويبدو ان القاضي لم يتحمل هكذا تعرية علنية فيضطر “مكرهاً تأجيل الجلسة.”
لقد رسم الكاتب صالح هشام شخصية كويدرة ومنحها بعداً زمكانياً جعلنا نؤمن أن البطل هو لسان حال المغلوب على أمرهم ، ولكن لابد لنا أن نتساءل: أيعقل أن تكون هكذا شخصية وسيلة وحيدة للصراخ ورفض الظلم؟ بالتأكيد لا، فالجواب عند كويدرة نفسه الذي يعكس فلسفة الكاتب نفسه بوجوب مقاومة الظلم خاصة وان كويدرة اتهم من اجتمع حوله بالجبناء… أجل .. أن كويدرة بحاجة لأيادينا لأن اليد الواحدة لاتصفق.. أن القهر والكبت قد يدفع الانسان السوي أحياناً الى محاولة التخفيف عن حالة الأغتراب الذي يحس به وهو مفهوم فلسفي ديالكتيكي مرتبط بشعور الانسان بالغربة وهو وسط أهله فالفقر في الوطن غربة.. وبالتأكيد فان الميول الانسانية تجعلنا نتألم لآلام الاخرين وكأنها آلامنا. من هنا تبلورت مفاهيم التضحية ونكران الذات والموت في سبيل حياة آمنة بعيدة عن القهر وآمتصاص دماء آلفقراء..
وهكذا مات كويدرة حيث ” يسري الخبر في الدروب والأزقة…نار اشتعلت في قطعة قماش مزيتة…حشود كبيرة تتجمع أمام محل الدراجات…” لكن صراخ كويدرة طيلة حياته لم يثمر كما يبدو فالجميع يقول: مات كويدرة ” مخموراً،،، قتله الكحول الرخيص!” . حتى الرجل الطاعن في السن، يترحم عليه ويوجه كلامه لمن حوله” لقد احترق الرجل ياناس! التهبت أمعاؤه … رحمه الله وغفر له..” ولو قدر الى بطلنا أن يعيش ثانية لاستغرب من شعب قبل الظلم وسلم رقبته لجلاديه ومصاصي دمائهم.
وأخيرا لابد من الاشارة بأن الكاتب قد أبدع باسلوبه السردي فتارة يستعمل اسلوب الحوار dialogue وأخرى اسلوب الشخص الغائب third person متنقلاً بمهارة ضمن حوار أخاذ يجبرنا عل المتابعة والتأني وأحياناً اعادة القراءة . ومنذ الوهلة الأولى تبدو مهارة الكاتب في الكشف التدريجي للتفاصيل وجعلنا نعتقد بامتلاكه شروط mechanism القصة القصيرة الملتزمة.. ان ثيمة القصة theme في الحقيقة صرخة لابد ان تساهم في تشابك ايادينا ضد القهر الطبقي وامتصاص دماء المسحوقين… لقد مات كويدرة لتنتصب القضبان وينام أصحاب الراي لأنهم تمردوا على ” واقع آسن جريح…”.

السابق
هـــــــراء
التالي
تَجن

اترك تعليقاً

*