قراءات

قراءة في نص “ما بعد الخريف”

للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

أسلوب السرد الموشى بالرموز , والمطرز بالإزاحات والإحالات يدفعك إلى قراءة النص المرة بعد المرة . وحتى إن أخفقت فى استيعاب التجربة القصصية , فقد نلت متعة الإبحار فى عالم عبد الكريم الساعدى الذى لا يشبهه عالم آخر . الطابع المميز لأسلوب السرد يميز نصوص الساعدى حتى لولم يحمل النص اسمه . فهو يضعك أمام خيار لا بديل له , لا يسعك إلا أن تسلم قيادك للنص , وألا تحاول قيادته , ورغم أنى قدمت فروض الطاعة للنص , إلا أنه استعصى على وأبى أن يمنحنى سوى الإطار العام للتجربة . وعادة ماأعود باللائمة على نفسى , فلا يمكننى اتهام النص , خاصة إن كان لقامة أدبية مثل عبد الكريم الساعدى . فالواقع – متعدد الثقافات والتناقضات – يدفع المبدع الذى يتصدى للقضايا التى تتعلق بالسياسة أو المطلق إلى مواراة الفكرة خلف دلالات الرمز التى هى أكثر مرونة , وأقدر على التحليق إلى أفق أبعد مما يتاح للغة من قدرة على التغيير .. فالنص يعرض تجربة إنسانية مغرقة فى الذاتية . فهناك حوار ثانوى يدور بين الشخصية المركزية وبين رفيق ( الرحلة ) , بينما الحوار الأساسى إنما يدور بين الشخصية وذاتها , والنص محمل بعبء نفسى ثقيل , أثقل مما تحتمله نفس الشخص . فالغيوم المثقلة بالمطر هى نذير شؤم وخراب , وتعبيرات مثل الليلة الأخيرة , والليالى المخضبة بتأنيب الآلهة , وصهيل القمع , والأرض الجدباء , كلها تعبيرات تعكس العتمة النفسية التى يمر بها الراوى . ويوحى صهيل القمع بجبروت السلطة وعسفها , لكن الآلهة الرحيمة لا ترصد إلا ما يستوجب التأنيب . ويتبدى عمق الأزمة فى ارتباط تكبيرات المآذن بالهجير اللافح . يسرى المعنى إيحاء وإضمارا بما يعكس ارتباط الهم العام بالخاص , وكأنى بالشخص يتمزق فؤاده مابين الشر المستطير الجاثم فوق المدينة , وبين عجزه الخاص عن الإسهام فى دفع ذلك الشر .
وتبدو ملامح الصراع النفسى فى الحوار المقتضب المكثف الذى احتواه النص . فرفيق الرحلة الذى عرفه بوصف ( صاحبى ) يوجه اليه ذات السؤال مرات ثلاث , بصيغ مختلفة , يسأله أولا : ألم تصل معنا ؟ .. ثم يعود ليكرر السؤال : ألا تصلى معنا . يحمل السؤال فى المرة الأولى معنى الاستفهام , فى حين يحمل فى المرة الثانية معنى الحض . أما المرة الثالثة فيتضمن معنى اللوم , إذ يصيح به فيما يشبه الزجر : لم لا تأتى معنا ؟ سيدركك الوقت . والملاحظ أن الراوى لا يبادر بإجابة صديقه فى المرتيين الأوليين , يلتحف فقط بذكرى تلك الليلة الحلمية إذ تبدو مشاهد زيارته الليلية للمسجد كرؤيا أكثر مما تبدو كحدث واقعى . ويبدو الراوى وكأنه يستمد من كلمات شيخ المسجد ( لا تخف بنى , إنك فى بيت الله ) زادا نفسيا يعينه على التماسك بين قوتين تتجاذبانه . فهو كالمحير الذى لا يستقر على قرار . لكنه فى المرة الثالثة يجيب السائل وكأنما قد ملك أمره : سأصلى هنا , فالأرض كلها ملك الله . أما مشهد الليلة الحلمية بتفاصيلها المغرقة فى الرمزية , فهى تجسيد للحوار الذاتى الذى ما فتأ يدور فى ذهن الراوى , فمشاهد التابوت المخصص له , والضباب الكثيف فى قاع التابوت , والخيوط الذهبية , وصرخات الغراب الأسود , وثغرة الضوء فى ستارة الرعب , والأيدى الطويلة التى امتدت إليه بما يشبه النجدة ماهى إلا تمثيل رمزى للمحنة الداخلية . وهى بتراتبيتها المقصودة أشبه بمراحل التجربة النفسية التى قادته إلى اتخاذ القرار الأخير الذى حسم به أمره : ( سأصلى هنا …… ) .. فهو فى النهاية تمكن من أن يرجح استقلاله الذاتى , ووجد من البراهين ما يؤيد ميله إلى مخالفة الجماعة . تلك حدود التجربة , وإطارها بقدر ما يمنح النص من نفسه . أما كنه التجربة وطبيعتها فأعتقد أن الكاتب القدير قصد أن يغلفها بالإبهام , تحياتى وتقديرى لإبداعك صديقى العزيز عبدالكريم الساعدي . .

كاتب قصة قصيرة
نشر مجموعة قصصية بعنوان عش الدبابير .
م
أحد مؤسسى جماعة أصيل الأدبية بالأسكندرية الفترة من 1958 الى 1995 .
أمين أمانة القصة القصيرة الأسبق بشعبة المبدعين العرب .

السابق
ما بعد الخريف
التالي
العُــذري

اترك تعليقاً

*