قراءات

قراءة في نص “منفى”

للكاتبة جمانا العمود

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

أولاً الشروط والأركان:
العنوان، منفى، مفردة نكرة، ذات دلالة مكانية، وتحمل دلالات أخرى تصل إلى المنفى الداخلي، النفسي، فتأخذ معنى الاغتراب. وهذه الدائرة الواسعة من الدلالات تعطي للعنوان دوره في شحن القارئ بالرؤى التي ينتظر من النص إضاءتها، وكشف مضمونها.
الجسد السردي، بداية النص تحمل عقدته، من خلال هذا التركيب الشرطي الزماني الذي يحمل طرفين متناقضين “كلما أوقدوا لي شمعةً، تناولني الزمن بصفعته”، ولتضع القارئ في لحظة شعورية من أهم سماتها الأسى والترقب لإدراك سر هذا التناقض.
وهنا تأتي القفلة الشعرية لتجمع المتناقضين في ضفيرة واحدة، وتتركنا ونحن نحمل أسى شعرياً رقيقاً، لا يتوقف عند أسى شخصية النص، بل نحمل معها أسانا، ومنفانا في الزمان، وهذا اتساع آخر لدلالة العنوان.
ثانياً:الميزات الفنية والدلالية، اشتغلت الكاتبة على نصها بلغة رومنسية، مستخدمة تيمة متناسبة مع موضوع النص، الشموع، وهذا التركيب الشعري “كلما أوقدوا لي شمعة” وأجواء الفرح الرقيق الذي افتتحت به النص، لكن دون أن تتوقف عنده، بل لتتجاوزه في الجملة التالية مباشرة بصورة نقيضة تحمل كما هائلاً من الأسى “تناولتني يد الزمن بصفعة”، لتؤزم النص وتضعنا في أشكالية منطقية، وشعورية أيضا، تحتاج إلى توضيح، وهذا يجعل العقدة في ذروتها، والنص متوتر النبض، شاداً للقارئ بحثاً عن تفريغ لهذه الشحنة العاطفية التي نجحت الكاتبة في شحننا، قراءً، بها منذ البداية.
ثم جاءت العبارة الوسيطة بين البداية والقفلة، لتضع الحكاية على منصة أعلى، وتعطيها شيئا من التعيين والتوضيح، بانتقال سلس رائع في زمن الحكي، من الزمن الماضي المطلق، إلى زمن حاضر لا تحدده الأيام والشهور والسنين، بل زمن اختارت الكاتبة أن تحدده الصفعات، حتى جاءت القفلة لتوضح الحكاية برمتها.
إذن، الزمن، ذلك الرفيق اللدود المتربص بنا في كل سنة، في كل شمعة نوقدها من أعمارنا… هذه هي الحكاية.
“منفى” نص رقيق، استطاعت الكاتبة، بتوظيف مجموعة من الأدوات الأسلوبية واللغوية المناسبة لموضوعه، أن تجعله نصا عالي القيمة، إنسانيا شاملاً، رغم أنه، من حيث الظاهر، ومن حيث الراوي المتكلم، يبدو نصا ذاتيا.
فالتكثيف جاء موفقا جدا، اختارت ما تحتاجه فقط من تراكيب تركز على رؤيتها من الحكاية، وتعمّق أثرها في نفس القارئ، وتجعله يشعر أنها حكايته هو، في مزج رائع بين الجمل الفعلية والوصف معاً، فأفعال النص، بالإضافة إلى دورها في الانتقال بمستوى الحكاية، فهي أيضا تحمل الوصف مع هذه الوظيفة، وصورها كانت منسجمة مع جوهر الحكاية، وتغمس من مدادها… “أوقدوا لي شمعة، تناولني الزمن بصفعة..” واعتمادها على التشخيص والأنسنة في بناء النص “تناولني الزمن بصفعة، أصابعه الخمسون” لتجعل الزمن، أو العمر هو بطل الحكاية، ولتجعلنا كلنا شهودا، أو شخوصا في حكاية لا تنتهي، نشعر بها لكن، ليس كلنا قادراً على الإمساك بومضة الشعور تلك التي استطاعت الكاتبة أن تمسك بها لتشخصها في نص غاية في الرومنسية، واسع في إنسانيته، وتلك القفلة الشاعرية التي سيرافقنا أثرها طويلا، ونتذكرها، عند كل شمعة جديدة نشعلها من أعمارنا، وصفعة جديدة يضيف فيها العمر إصبعا جديدة تحفر تجاعيد وجوهنا وأرواحنا، وليصبح، أخيراً، عمرنا هو منفانا، ووجودنا ذاته هو سبب اغترابنا، وليتجاوز النص كونه مجرد حكاية قصيرة جداً، ويصبح “منفى”، هذا العنوان الصغير، والنص القصير جداً، رؤية فلسفية ميتافيزيقة، وعودة إلى ذلك الجدل الأزلي الذي انتاب الإنسان، منذ أن وعى وجوده، عن الزمن/ الدهر، عن وجوده ذاته وسط هذا الغموض المطلق الذي يغلفه.

السابق
منفى
التالي
روح

اترك تعليقاً

*