قراءات

قراءة في نص “من أين يأتينا الألم؟؟”

للكاتبة مهدية أماني الرغاي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

في نصب عينيها، أن القصة القصيرة تحمل التشويق والتكثيف، وهي المجيدة في تصوير لحظة أو خاطر من الممكن أن يمر عابرا على خيال الكثير دون الإلتفات إليه بالتمحيص والتدقيق، وتجسيد اللحظة وتصويرها، ولكن الكاتب الأديب له رؤية لا يسمح أن تمر اللحظة عابرة في خياله دون الوقوف عندها، وتستفز ملكاته الإبداعية ؛ فيصوّر الفكرة موضوعا ويختار قالبها الأدبي الذي يليق بها. تماما كما فعلت الكاتبة صبت الفكرة في قالب أدبي ملائم وكانت قصة قصيرة. وهنا بدأت تؤلف النص. والنص، أي نص لابد أن يؤلف قبل الكتابة. من الممكن أن تعمل مسودة كتابية له تكتب أفكاره. تكتب شكلا له. تختار اسلوبه السردي، ولكن هذا يقع في حدود البروفة للنص فتجد خيالك في النص أشبه بالواقع، ثم تعيد شكله وتقوم بتنسيقه. إذن كيف لها أن تصوّر شعور البطل على أنه في ضيق مما آلت إليه حاله من جرّاء فعله طوال حياته؟ ويحمل ما تكتبه التشويق لدى المتلقي، وتظهر أدواتها وحرفيتها ؟ بداية من استخدامها للغة في اللفظ الموحي الأنيق، وبناء الجملة القوية، ثم التكثيف، ثم العبارة التي تحمل عنصرا من عناصر الفكرة لا يتكرر، في غزل ونسج بديعين، ثم الخاتمة (لحظة التنوير) التي تضيء هذا الغزل وتلم بخيوطه حتى يتضح هدفها مستنبطا من هذا الغزل.
نراها في البداية قد صوّرت البطل وهو يقف أمام مرآته مستنفرا من منظره وجلده المتقيح نادما على ما آلت إليه حاله، بلغة أديبة متمكنة تعرف حدود القصة القصيرة، وتعرف ما يلزم لها وما لا يلزم، ولا تنسى أن تصوّر اللحظة والموقف وهي تؤلف نصّها في عملية جذب وتشويق للمتلقي -لغة الأديب- جملها تكون أنيقة لها وقع منغم على القارئ باختيار ألفاظها بعناية. هي التي تسوق إبداعها وتوظفه توظيفا محكما، لا تنساق وراء العبارات والجمل تترى منها دون أن تتحكم فيها وتتدخّل في عملية تكرار معاني العبارات، والجمل، والزيادات، والشطب، والشذب فنجدها تقول في أول مفتتح القصة : (استيقظ ذات صباح مضطربا، مشتت الفكر، مشمئزا مما عليه حاله وما آل إليه.) واكتفت ولم تضف زيادة، ثم نجدها تعكس حال البطل على شكل المرايا الذي ينظر فيها التي تفسر كثيرا من حاله، وهنا وظيفة أديب يكتب أدبا جماليا يروق لذائقة المتلقي، لم يكتب خبرا في جريدة، بل يصوّر نصا أدبيا في متعة. كتبت تقولت : (نظر في المرآة الصدئة المعلقة في مسمار أعوَج على جدار تآكله جذام الرطوبة) وهنا لابد أن نتتبع علامات الترقيم وهي تستخدمها وفق ما وظفت له لخدمة الحالة النفسية التي تحاول اسقاطها في نفس المتلقي، هي تريد أن يقرأها بطريقة معينة ويقف حيث تقول له : قف هنا. أسرع هنا. أربط هنا هذا بذاك، فأجادت في الفصل القطعي بالنقط، ثم تبدأ في سطر آخر -وهنا توضيح وظيفي لعلامات الترقيم في اللغة العربية- وكثيرا ما ننصح الكتاب بهذه الضرورة.
فنجدها تصف المرآة بالصدأ معلقة في مسمار معوّج على جدار تأكله جذام الرطوبة. اسقاط أعطي التوءمة لحالة البطل الذي انشغل به المتلقي من أول لحظة، وبين الوصف السردي حتى لا ينفصل المتلقي بالسرد عن البطل والفعل، فهذه إجادة في نصوص الحالة. لأن نصوص الحالة تجعل المتلقي منشغلا بحالة البطل، وأحيانا الوصف السردي يعوقه لو خرج عن حالة البطل وانتقل لأي شيء آخر. ثم تصوير الصراع.
ماذا بعد أن نظر البطل في المرأة وراعه ما بدى منه، ونفر منه، وعوّل ما آلت إليه حاله على ولوغه في الرذيلة، وأنه يتكبّد ما فعله بنفسه على مر الزمان ؟.
والصراع لابد وأن يؤول للحسم والنهاية فنراها تقول : (هشم المرآة بقبضة يده. …… “حتى آخر جملة” ….. دلق في جوفه دُنًّا و زَادَ) هنا تصوير فعلي جيّد للصراع، ثم النتيجة. تطوّر الحدث ليأخذنا لرد فعل يؤولنا إلى النهاية، والنهاية من قلب الأحداث ونتيجة الصراع لابد للبطل العودة للنقاء؛ فاشتاق لماء قراح دلقه في جوفه نضّج خلايا جسده، هنا وإن كان حل الصراع فلسفيا لأن الكاتبة أرادت أن تستوحي في فكر المتلقي أنه يشتاق لمرحلة الطهر والنقاء الأولى له : (فأحس براحة لم يذق طعمها مذ كان في استقامة النخل السامق) فأعاد لبس جلده بطريقة مختلفة : (متوخيا أن يكون اليسار هو اليمين) هنا هدأ: (وصمت أذناه ضحكات سخرية) ولكن الزمان هو الزمان، والإنسان المتعارف على البطل بإفعاله هو هو الإنسان فـ (امتدت أيدٍ تبتغي نضي ورقة التوت عنه) فكانت لحظة تنوير في الخاتمة بارعة متقنة لتفتح النص مرة أخرى في رأس المتلقي بالسؤال: هل سيفلح البطل بالحفاظ على ورقة التوت تستره، أم ستفلح الأيدي في إسقاطها عنه؟ هل سيقاوم ويحافظ على مرحلة النقاء الذي استرشفها ماء قراحا أعاده لمرحلة النقاء بعد تصفية الحساب مع النفس؟ فتعيدنا الكاتبة في الختام إلى اسم النص: من أين يأتينا الألم؟ من شرور أنفسنا ولا من البيئة المشكلة لنا، ولا من فهم الناس الثابت الذي لا يتغيّر لنا؟ .
ومن هنا حقق النص كقصة قصيرة هدفه القوي والمبتغى. أن يظل في رأس المتلقي ويدور عبر مشاهد ولقطات وعبارات وأسألة؛ فيلتصق في ذهنه جمال القصة القصيرة وخصوصيتها كلون أدبي محبب..
تحياتي للكاتبة آماني.

السابق
من أين يأتينا الألم؟؟
التالي
محاولة انتحار

اترك تعليقاً

*