مقالات

قراءة في يوميات الوجع لعمار بلحسن

في ذكرى رحيل عمار بلحسن
أن تكتب في أغلال المرض وزنازن الجسد…معناه أن تتعذب…في كل حرف أو جرة قلم وتغميسة حبر تسقط شريحة من نسيجك أو جلدك… بصمة وفداء لحرية الروح ومقاومة اليأس.
عمار بلحسن

أن تكتب في أغلال المرض وزنازن الجسد…معناه أن تتعذب…في كل حرف أو جرة قلم وتغميسة حبر تسقط شريحة من نسيجك أو جلدك… بصمة وفداء لحرية الروح ومقاومة اليأس.
عمار بلحسن

يوميات الوجع سيرة وجع على هامة لغة مقطرة من عصارة ألم ، لا يسعك وأنت تتلقاها إلا أن تكابد وتتألم شئت أم أبيت، ينمحي الزمن ويتوارى المكان وتصير اللغة مكان للألم ذاته الذي قاومه عمار بلحسن ، عبر اللغة النصية يدفع الكاتب متلقيه إلى المكابدة ، إلى الإحساس الكامل بعوالمه الباطينية ، التي تطل من السطح كرغوة حزن موجعة ، يخرج من بين فواصلها قبس منير وسط ظلمة الجسد الملغم الذي حاصره على حين غرة ” آه يا جسدي ، أتعبتني ياجسدي..” حصار الجسد لروح وانقلابه على صاحبه وتعذيبه المتواصل يضعه في صف العدو المتربص بعدوه .
يقف الكاتب في مواجهة الجسد وهي المواجهة المحتومة التي تتحول فيها الكتابة والقراءة إلى وجه واحد ينبثق منه في نهاية الأمر نص الجسد المتورم ” آه ياجسدي الذي كان وعذبني ، ياجسدي ودنياي ونصي بأي اللغات أقرأك وأكتب عن مكنوناتك…” هذا التساؤل المبني في اللحظة الحرجة لليأس و الآسى الذي يغلف غيم المصير الذي آل إليه الجسد في غفلة من الزمن، ويرصد غبن الحديث عن سيرة الجسد ومراياه المشوهة وحيرة الروح التي تحول الجسد إلى نص مكتوب وغير مكتوب ، نص ينفلت عن القراءة والكتابة في الآن ذاته لتبدو اللغة عاجزة عن قراءته وكتابته لهذا نحن أمام نص يعلن نفسه نصا مضادا للجسد وفي نفس الوقت نصا للجسد الذي يكتب ذاته بذاته، يكتب تورمه ويستعدي في الآن ذاته لحظات سعادته الماضية عبر الحلم وعبر الذاكرة أيضا حيث تنساب اللغة على جلد الوجع لتخاتل الجسد المكلوم وتنقدف كومضة برق في ظلمة الروح لتبدأ المواجهة التي أراد الكاتب أن يبدأها بالكتابة “وحيدا بي إرادة الكتابة ورغبة ملحة في الحياة… تهت وحيدا بحثا في عناء جسدي” ، ليرسم أيضا بدايات لهذا الوجع وهذه الحيرة مترجما آلام الجسد مند الطفولة” من صغري عانيت منك ياجسدي تحكي أمي…”
هذا التاريخ وهذه العودة التي تسربها الذاكرة خيوطا بألوان عدة لمحطات تعبرها الطفولة عبر أجساد الأجداد مبرزا بضبضدة الجسد وعنفوانه وأيامه الزاهية التي تتعثر فيها اللحظة من حين لأخر بفعل خروقات الوجع المباغتة للفرح ” رسغي يوجعني يتوقف شريط الذاكرة هنيهة” ليساءل الجسد عن غدره ” أه يا راحة جسدي المستحيلة فقدت القدرة على الكتابة يدي توجعني ورسغي تؤلمني ” يربط عمار بين الكتابة والحياة ، وبين الجسد وأداة الكتابة التي يفشل الجسد في تطويعها وبالتالي تطويع مطبات الروح من أجل المواجهة والتحدي حيث يستطيل ألم الجسد مقطرا رتيبا مما يجعل الكتابة سلاح ضروري يجهض كل محاولات الانقلاب التي يدبرها الجسد في غفلة من صاحبه لأجل إفناءه ” تغتالني ياجسدي..” يعبر الكاتب في هذه المواجهة إلى أقصى حدودها حيث يقرفص الموت كأخر نقطة في النفق ، لهذا لايتوان عمار في حشد تفاصيل الألم قاصدا شحن الروح لكي ينبت فيها أمل الانتصار على المرض من خلال استدعاء الغيبي والمتعالي من اعتقادات الكاتب يعود إلى الله ليدفع الأمل إلى أقصاه أيضا من خلال قدرته سبحانه وتعالى في فضاءات ملكوته ” مالك الغيب والشهادة والصحة.. ” ، لك العافية ياجسدي ، ولي الصبر والمقاومة لن تقتلني ياجسدي سأقاوم جيوشك الهمجية، ….عزائي أجساد أبنائي” هكذا يغلق عمار الطريق أمام خروقات الجسد ليسقط كل محاولاته عبر الأجساد المنحدر من صلبه ، أجساد أبناءه الثلاث ،” ياجسدي لي ثلاث جوهرات ،
لي سناء
وأنيس
ونسمة
ولك أن توجعني ياجسدي”
هذا التحدي وهذا التسليم بالوجع تخرج منه حبات الضوء التي تجعل عمار واثقا بأن جسده المكلوم لن ينتصر عليه لأنه ليس وحيدا في المواجهة ، هناك ثلاث جواهر مندفعة للحياة ، لهذا فالانتقال المتواتر من الأمل إلى الخيبة بفعل هاجس الموت الذي يحدق بلا توقف والذي ينطرح كسؤال مخيف ومرعب ، يترجمه لغم الجسد” جسد ملغم ، ارض مشعة حيث لا ملجأ أوظل أو حائط….” الدخول فيما بعد النهاية بعد توديع وجوه الأبناء والأم مع الإبقاء على حبات الأمل في أفق تلك اللحظة ” من يدري قد ينتفض الجسد من محنته وتهب الروح روح الأب القدسية في الأجواء، وأعود من بعيد من فيافي الموت ، ستمر بك روحي غدا كالطائر الحر ينشر جناحيه على البركة…” كما يحمل وصايا أخرى للأم الكبيرة التي حملته وهن على وهن ،” تكفلي بحمل الأبناء وأمهم الهشة فاطنة..” ” اسمحيلي يامن تهجلت وكبرتنيني…لم يسعفني العقد لأسكنك وأحبك أكثرا، وداعا ، عينيك على ابنائي حتى الغمضة الأخيرة وعاوني فاطنة في الزمان ..” هكذا ينزلق الدمع من مآقي عمار وهو يسلم الروح ويسلم لبارئها والجسد لتراب واضعا حكايته وتجربته المريرة في لغة تقطر من مزاد تخيطه الجروح القاسية ليؤثث مواجهة مسبقة مع الموت ومع المرض حتى لايفجع في فلذات أكباده كما فجع في جسده ” اهتموا بافاطنة و الأطفال كبروهم ، قدروهم أعطفوا عليهم ثم أرسوا فوق قبري نبتة أو زهرة وقولوا كان عموما أبا وزوجا لكن القدر لم يمهله ليكون أحسن….”
كان هذا نداء عمار الأخير للعالم وللأصدقاء ولكل الذين يعرفونه ليلتفوا حول جواهره البضة التي تركها عزاء له في هذه الحياة التي لم يقدر له فيها ليكون أبا وزواجا أحسن ، يعود عمار بعد هذا العبور برزخي للحياة وللمواجهة كأنما عمار كان رافضا للموت رافضا للخيبة ورافضا لكل ماهو سودوي عبر رجوعه إلي بدايات الصراع مع المرض وتمسكه بالحياة رغم ما يغوص فيه الجسد من ماء قميئ مدمر” سنناضل ونقاوم هذا النهر الأصفر والقميء ، سينجلي وتعود الخضرة إلى جسدي..”
هكذا تبدأ نقاط الضوء في الاشتعال وتتراءى في نهاية النفق كوة أمل مما يجعل عمار يرحل في رحلة بحث عن علاج ليفجر لغم الجسد ، هذه الرحلة التي تتحول إلى رحلة مطهر بعذاباتها وحواجزها التي تدفع بأحاسيس الكاتب إلى التحول عبر الألم الذي تشترك في مسببات عدة ، الغربة ، الوطن… والجسد….” عندما قال لي الصيدلي الفرنسي الشاب وهو يسلم لي الدواء لتحضير راديو سكانير في لانس ، ماذا يحدث لك سيدي؟
لماذا تجتاز سكانير؟
صمت وبكي القلب ، هل رأيتم قلبا يبكي؟ كان فؤادي ينزف وأنا صامت قبالة الصيد يلي الشاب
” ماذا يحدث لك سيدي؟
أتمنى لك حظا سعيدا مع السكانير غدا
يحدث لي ما حدث لأيوب النبي
يحدث لي مايحدث لأصدقائي وناسي وأهلي…”
في الرحلة يعرج أيضا عبر عوالم المناجاة والتأمل معانقا سيرة الأنبياء والرسل المبتليين وأصدقاء المرض ، يشاركهم الألم ، يأخذ من أيوب النبي حظه وصبره للوجع المقدس، ” أيها الجد المقدس العابر نبع المكلوميين” يناجيه من خلال حكاية النفي والألم ويستلهم من يوسف الجمال المؤلم ليدخل أغوار السماحة مع المسيح في عذاباته ، هكذا يقطف عمار ثمار مقاومته وصبره من روح الأنبياء وحتى الأصدقاء ، أصدقاء المرض ، يناجيهم … ، يناجي بدر شاكر السياب رفيق الدرب ، يناجي خدة وكثيرون عبر العالم ، يراسل أروحهم ويتذكر نضالهم ضد المرض ضد الموت ، لتكون رحلة عمار رحلة مطهر ورحلة مقاومة وبحث مضني عن أمل في الأفق رغم سوداوية الغيم الذي لاح له مند عرف بأنه تحت أنياب المرض الخبيث ، ليرسم فاجعة الجسد الغدار الذي زرع لغم لا يهادن أبدا ، لهذا اختار عمار التجاوز لهذا الجسد الصلصالي الفاني ليتشبث بالروح ويعتصم في مرافئها ، فقد ناجي الله وتمسك بحبله واعتصم وذرف الدمع حارا وحول أحلامه كلها إلى مسقط الرأس حيث سلالته التي تنام في صمت ، وحيث سينام الجسد إلى جوار الروح في انسجام وتجانس دائم ليخلد عمار وجعه بلغة قلما تعجن بتلك الطريقة الصوفية الرهيبة لتخلف سيرة ذاتية موجعة جدا ولتخبر عن نمط أخر من الحياة قد لا يدركه إلا القليل من البشر.

السابق
خروج
التالي
تخاطر

اترك تعليقاً

*