نقد النقد

قراءة نقدية في قراءة الأستاذة زهرة خصخوصي لنص “الأقنعة”

النص: الأقنعة للكاتب مختار أمين.

القراءة موضوع النقد: تعددت الأقنعة والوجه واحد في نص “الأقنعة” للكاتبة زهرة خصخوصي.

القراءة

الإشكالية: هل تستحيل قراءة نقدية دون مدارس نقدية

تتقديم المبحث:
بحثت الناقدة في التحليلات الجزيئية والتحليلات اللغوية التي يتركز جهدها في إظهار لغة النص، ووصف مفرداته وجمله وتبويبها وحصرها وإظهار ما تكرر منها ويمكن أن نجمل ما ذهبت إليه في:
أين؟
كيف؟
1 ــ بحثت عن بؤرة أو مركز مولد لخلايا النص، يفترض القارئ وجودها في النص ثم تابعت تفرعاتها وتلمست بعد ذلك عودة تلك الإشعاعات بعد انتشارها وتوزعها بعداً أو قربا من المركز النص..
أين؟
تقول: القصّ مطيّة الأديب لتصوير زلازل تلك الصّراعات باختلاف درجاتها على سلّم الواقع تصويرا يتجاوز الوصف إلى الفعل
كيف؟ تجاوز الوصف إلى الفعل.
2 ــ بحثت في القصديَّة والنصية ولسياقها الخاص بالنص، ووضعته ضمن سياق الخطاب النثري، مما يجعل الواقعة النصية ذات وجود خاص بها، لكنه غير متقطع عمن سواه من المقاطع والفروع.
أين؟
أقف على تخوم نصّ “الأقنعة” للأديب مختار أمين
كيف؟ منبجسة من أفعال الشّخصيّات وعلاقاتها ببعضها وأقوالها وصفاتها والأماكن التي ضربت فيها خُطاها والمعاجم التي اغترفت منها وجودها القصصيّ.
3 ــ اعتنت الناقدة بالشكل الخطي للنص في مجمله العام
كالاستهلال والبدايات، والخاتمة والنهايات، والبياض بين المقاطع وتشكيلاته البصرية، وكذا تقسيم النص خاصة متنه/ الخبر..
أين؟
تمتدّ يد قراءتي إلى مائدة الزّمكانيّة وأنماط الكتابة واللّغة حضورا وبناء
كيف؟
1- الزّمكانيّة فَلَك الحكاية/×××مكانيّا×××:
تزأبقت الأمكنة وما عانقت التّحديد والتّخصيص الواقعيّ في “الأقنعة”
4 ــ درست مستويات النص الممكنة والمذكورة آنفاً، وفحصت انتظامها داخل النص، وتعرفت الى فحوى تقديم بعضها على بعض، وأثر ذلك في إبراز هوية النص النثري ..
أين؟
2- أنماط الكتابة، مشهديّة ومقصديّات:
كيف؟ نُلفي أديبنا قد بنى نصّه على أنماط كتابة ثلاث هي السّرد والوصف والحوار باثّا في ثناياها حجاجا
5 ــ استعانت الناقدة بالأدلة اللسانية إذا ما تحدثت عن المستويات النصية مجرداً، لدعم الاستنتاج وتقويته.
أين؟
أنهى الرّاوي حكايته بمشهد سرديّ، تلا مشهدا سرديّا آخر، ومشهد وصفيّ
كيف؟ ما اكتفى السّارد بنمط السّرد ومشاهده مطيّة لتقديم القضيّة وعرضها عرضا إخباريّا توعويّا في آن بل جعل نصّه بستان الأنماط الكتابيّة المتعدّدة الجائدة جميعا بشهيّ ثمار الحكاية ومقاصدها..
6 ــ فحصت الناقدة التأثر الأجناسي، وتبادل المزايا النوعية لاسيما أثر السرد في تشكيل النص النثري الذي تدرسه باعتباره نصا نموذجا مخصوصا بسردية ممتعة، وتابعت مظاهره، كالحوار والتداعيات المتسلسلة ببنيته والوصف.
أين؟
×××المشاهد السّرديّة:
كيف؟ بناء جعل فيه كلّ نمط يحضر ليرسم مشهدا من مشاهد حكاية تهاو بتنا ندركها ونجهل تفاصيلها أو ندّعي الجهل ونعانق التّجاهل…
7 ــ استعانت الناقدة بالعلوم الإحصائية وكل ما ينظم الخطاب النقدي من وسائل أخرى، لا تغدو الوسائل والأساليب فيها هدفاً بل وسيلة لكشف تنضيد النص وكتلته
أين؟
ذي التّراكيب والألفاظ أوردتها أمثلة عن الحضور اللّغوي الوظيفيّ المائز في هذا النّصّ، من قبيل الذّكر لا الحصر. والمتوغّل في النّصّ توغّلا أعمق وأدقّ قادر على أن يكشف لنا منها الكثير ويضيء من إبداع النصّ القسم الوفير..
كيف؟ قد حقّقت لي متعتين: متعة التّمتّع بحكاية هي من مرارة الواقع تنهل وبألق إبداع كاتبها تتحلّى، ومتعة اشتغال فكري المتواضع على زخم قصّ وصلابة إبداع وعمق بنية دلاليّة يُرهق.

التطبيقي بالمنهج – الحضور المفهومي
ولجت ميداناً ليكون الانتقال بالنقد من التجريد النظري إلى التطبيق والممارسة النصية عبر تحليل مستويات السرد وكشف عناصرها وما يمكن أن يضيفه فعل القراءة إلى الملفوظ النصي.
وتجاوزت التحليل النصي عند كل من الباقلاني والجرجاني خاصة وإنّ هذه التحليلات التراثية هي قليلة كما وإضافة الى ذلك تعاني من انشغال النقاد القدامى بالشروح والتفاسير والعلوم (كعلوم البلاغة والعروض والنحو) وغيرها من طغيان الدوافع الذاتية والخصومات، وضعف صلتها بالمناهج المعاصرة، وتكلس افرادها وفهمها المحدود للتراث النقدي، وكانت رؤيتها الطلائعية هذه..
تلك الرؤية التي ما فتئت تخرج عن المستوى التركيبي والدلالي والإيقاعي، و(ما تضم من عناصر صوتية ولغوية وصرفية وعروضية وبلاغية ودلالية أو معنوية) الى نقد بالعلم ومدارس النقد ما ظهر منها ملائما وما بطن ..
لكن الناقدة بذكاء وحكمة وعبر المناهج النقدية مجتمعة منتقاة للنص على نحو ما نراها اتخذت سبيلا بين أهمية المستويات وماهية العناصر، فأصبح النص (تحفة) للتأمل والوصف على رأي مدرسة النقد الجديد وصار (دليلاً) أو (نسيجاً) على رأي مدرسة أخرى ..
أن اعتماد الناقدة للتحليل هذا هو عبارة عن عملية مستعارة من العلوم الطبيعية لتدل على تفكيك المركب ورده إلى عناصره التي يتكون منها مع التشديد على عنصر منها لأنه واحد منها..

نقد النقد والتنظير للنقد – مجالات التدخل
توسّلت بمجموعة من النظريات والمناهج المعاصرة. إذ نجدها أخذت
** مفهوم الدينامية من العلوم البحتة و العلوم الإنسانية جميعها (2)
فطبّقت على النص الأدبي النثري ما يمكن ان أطلق عليه:
** مفهوم النمو والتناسل: المدخل لكل سيكولوجيا، لكل سوسيلوجيا، لكل أنثربلوجيا، لكل تاريخانية، ولكل نظرية في الأدب.
** الانسجام والاختلاف: فحوى النظرية في أن الأدب لا يحاكى ما هو كائن، بل ما قد يكون وفقاً لقانون الاحتمال انسجاما واختلافا..
** الحركة والسيرورة:خلق الثنائية المتعارضة للمحسوس غير المحسوس، للحقيقة والوهـم ، للخارج والداخل ، للموضوع والذات..
** الصراع والحوار: يتلخص اساسا في بنية السرد .. وتعدد وتنوع أنماط التبئير والأصوات، وتفعيل البيئة الداخلية للنص بما تحتوى من صراع وحوار وعلاقات زمان ومكان وسببية..
ولكل مفهوم من هذه المفاهيم حقل نظري وعلمي وفلسفي، وسياق لغوي ونفسي واجتماعي قد نشأ فيه وترعرع . “فمفاهيم النمو والتناسل والحركة تعود إلى علم البيولوجيا و العلوم التي تأثرت بها مثل الكيمياء والفيزياء والهندسة ذات الصلة الوطيدة بعلم الطبيعة المابعد حداثي. واللسانيات الوظيفية، والنحو التقليدي والتحويلي، والبنيوية التكوينية التي تجسد سيميائية غريماس خاصة ما نطلق عليه المربع السيميائي وأهم عوامله “. منقول مختصر عن (1)
وتعتبر هذه المناهج الأخيرة، مثل التداولية والحوارية، مناهج اجتماعية وأنثروبولوجية تهتم بالاختلاف و السيرورة و الصراع و الحوار”. كما ذكرت كثير من الدراسات ..

خلاصة
لقد انبنت منهجيتها على الدمج الواعي لخصوصيات كل منهج في بديل خاص ومخصوص هو – بلا شك – محصلة تمازج مجموعة من المناهج والجزئيات المتراكمة ببوتقة التمايز.
أن اهتمام الناقدة وتبنيها للتركيب المنهجي هذا لا يمكن اعتباره إسقاطا لمدارس وهوغير التلفيق، إنه ينبني على المنحى الابستيمولوجي المتجانس والمتماسك.. ولقد قدمت وجهة نظر جديدة للقراءة النقدية منتظمة في إطار مشروع بحث عن بنيات صورية عامة لقراءة كل أشكال النصوص السردية.
لقد لجأت إلى التركيب بين مجموعة من المناهج في تحليلاتها النقدية فاستعمل الأسلوبية واللسانيات و التداولية والحرارية وجمالية التلقي إلى جانب المنهج السيميائي وهو المنهج الطاغي في نقدها..
ـــ هكذا برزت القراءة النقدية للكاتبة زهرة الخصخوصي ذات ثقافة واسعة ومعرفة كبيرة بالخلفيات النظرية والفلسفية للمفاهيم والتصورات المختلفة.. وقد لا أكون منحازا لو اعتبرت أن تجربتها النقدية هذه متميزة وغنية ويمكن لنا في إطار رؤية حداثية أن نعيد قراءتها وأن نبحث لها عن نسق يؤهّلها لأن تصبح نظرية في النقد حديثة..

هوامش ومراجع
(1) علي جواد الطاهر، منهج البحث الأدبي، مكتبة النهضة، العراق، ط (2)، 1972.
(2) يمنى العيد في معرفة النص، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983. في معرفة النص، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983.

السابق
قراءة نقدية في نص “إستقالة”
التالي
أصـابع مريم

اترك تعليقاً

*