قراءات

قراءة نقدية في نص “أحلام صغيرة”

للكاتبة عبير هلال

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

يعتبر كادويل القصة القصيرة حكاية خيالية لها معنى ،ممتعة تجذب انتباه القاريء ،وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية ! إذا كانت القصة هي هذا التعريف من رائد من روادها ،فإن قصة الاستاذة عبير ، استوفت هذه الشروط ، فقد توفر فيها عنصر الخيال الذي يخلق الإدهاش والغرابة . هذا الخيال يكاد الذي يخنق الحقيقة ، ويحلق بالقاريء في عالم العجائب ، كما حلقت بطلة القصة في هذا العالم الخيالي ، الذي حقيقة شدني إليه شدا وكأني أغوص في حكايات ألف ليلة وليلة ، ومن حيث جذب الانتباه ، فإن الكاتبة نجحت بالفعل في شد الانتباهمم ، كيف لا وهي تحلق بك في عالم كله غرائب وعجائب ، ولعمري إن هذه الأحداث مطمح كل قاريء كيفما كان مستواه المعرفي ، وأما من حيث عمق الفكرة ، فإن النص لا يخلو من قيم إنسانية سنعرض لها في هذا التحليل لهذه( القصة / الحكاية) الخيالية . وكعادتنا سننطلق من عتبة النص أو ما أسميه شخصيا (مفتاح سمسم ) أو اللوحة الإشهارية التمهيدية لعرض البضاعة (النص) :الملاحظ أن هذا العنوان ، على الرغم من كونه لا يتميز بالتركيب المعقد ،على المستوى النحوي ، إلا أنه يضعنا أمام مجموعة من التأويلات سواء على المستوى المعنوي أو النحوي رغم سهولة التركيب ،( أحلام صغيرة ) هناك قراءتان لهذا العنوان ، تتجلى القراءة الأولى في اعتبار (أحلام ) خبرا لمبتدأ محذوف تقديره ( هذه ) و(صغيرة ) مضاف إلى الخبر (أحلام) فيكون التأويل النحوي (هذه أحلام صغيرة )وعلى مستوى المعنى ، أن يكون المقصود أن الكاتبة تتحدث عن أحلام (فتاة )صغيرة فيكون الموصوف محذوفا ناب عنه الوصف ، وأما التأويل الثاني فهو أن يكون المقصود على مستوى التركيب النحوي ( أحلام صغيرة ) أي أننا نصف الأحلام بأنها هي الصغيرة وليست جمع لمصدر مسند إلى فاعله كما رأينا في الترتيب الأول ، وتكون صغيرة مسندة على سبيل النعت أو الوصف ، فتكون أحلام خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه أحلام صغيرة ) فنصف( أحلام ) بالصغر ،تعودت قارئي الكريم أن أسهب في تحليل العنوان ، لأسباب فنية ، فاذا لم نتمكن من العنوان فإننا سنتيه في متاهات النص ، وكما لاحظنا العنوان هنا بقي مفتوحا يحتمل أكثر من قراء ة سواء على مستوى النحو أو المعنى .
النص : في تحليل هذا لنص سأنطلق من ثلاث أهداف أساسية ورئيسة في أي نص قصصي كيفما كان نوعه ، أو كانت الأهداف منه ، فلا بد وأن تتحقق مجموعة من الأهداف التي يجب أن تتحقق ،أثناء قراءتنا للنص ،وتحقيق هذه الأهداف يعني تحقيق النجاح في القصة ، الأهداف : وسأجملها في ثلاثة أهداف هي على التوالي :
١~الإمتاع : إن أي قاريء ، عندما يباشر قراءة نص من النصوص خصوصا في مجال القصة القصيرة ،إلا ويضع نصب عينيه تحقيق المتعة الفنية ،وأعتقد أن هذا النص حقق نسبيا إمتاع القاريء ، وانطلق هنا من موقفي كقاريء قبل أن أكون ناقدا ، فالإمتاع يقع على مستوى اللغة ، كانت الكاتبة من حين لآخر توظف الانزياح ، وبلاغة الغموض ،وتحلق في عالم اللغة ، لكن دون إسراف ، فلم تكن لتبالغ في هذه الانزياحات التي في بعض الأحيان ، ينقلب السحر على الساحر إذ يبالغ الكاتب في بلاغة الغموض ، فينفر القاريء من النص ، ويعزف عن قراءته ، فيكون الكاتب قد ضيع مجهوده سدى ، في هذا النص تتحكم الكاتبة في استعمال التوابل والبهارات ، فهي أشبه بطباخة ماهرة ،فلغتها مستساغة ، بعيدة عن المباشرة وبعيدة عن التعقيد، فهي إذن تأخذ العصا من الوسط ، كما يقولون . كونها تؤدي وظيفتها الأساسية ، وهي نقل الأحداث إلى القاريء بأسلوب شيق محبب لديه ،أما من حيث الأحداث فإن الكاتبة ، سردت لنا أحداثا تفاعلنا معها ، وكدنا نلبس عباءات الأبطال في القصة ، تعاطفا مرة وسخطا أخرى ، فالكاتبة جعلتنا نشارك في إعادة بناء النص ، لأنها بطريقة سردها جعلتنا ،قراء متفاعلين ، غير سلبيين لا نقبل على ابتلاع كل ما يقدم لنا ، من أفكار ، فالقاريء ناقد فنان عليه يتوقف نجاح الكاتب أو فشله في كتابة نصوصه ! الأستاذة عبير حلقت بنا في عالم الانزياح على مستوى اللغة وعلى مستوى الأحداث .
٢~التأثير : إن القصة الناجحة هي التي عندما ينتهي منها القاريء تترك في نفسه شيئا منها ، وترسخ صور الأبطال في نفسيته ، بل تجعله في بعض الأحيان يتقمص شخصية البطل ، ويصل هذا التأثير إلى حد مشاركة القاريء ، في أحداث النص. واعتقد أن الأستاذة عبير استطاعت أن تؤثر في القاريء من خلال سرد هذه الأحداث التي تتسم بالغرائبية والإدهاش ، والتأثير ، دائما يكون لسببين ، أما أن يكون من خلال اللغة الموظفة ، أو من خلال الأحداث التي تكون عبارة عن خرق للواقع المعيش ، أي يكون الانزياح على مستوى الحدث ، الكاتب الجيد هو الذ يجمع الحسنيين ، أي يجمع إلى جانب اللغة الانزياحية ، تكون الأحداث خارقة للعادة ، كما لاحظنا في نص الأستاذة عبير هلال ، وندرج الإمتاع ضمن عامل التأثير ، لا يمكن ان نتمتع بأحداث نص( احلام صغيرة )، دون أن نتأثر إما باللغة أو الأحداث أو الخصائص والمزايا التي يتمتع بها الأبطال في حركيتهم ، ونشاطهم داخل المتن القصصي ، يقول الفنان الرسام روبرت هنري :
(لكي يكون الفنان ممتعا للآخرين لا بد أن يكون ممتعا لنفسه وأن يكون قادرا على الشعور المكثف والتأمل العميق .وتلعب الشخصيات دورا كبيرا في هذا التأثير خصوصا ما لعبته البطلة من أدوار هذه البطلة التي تشد عواطفنا كالعاصفة !
٣~الإخبار : كل كاتب قصة ، يركز على مجموعة من القيم التي يستهدف توصيلها إلى القاريء من خلال النص ، دون اللجوء إلى الطريقة المباشرة التي لا تستقيم والفن القصصي ، وهذا ما نلمسه من خلال نص الاستاذة ، عبير هلال ، التي تستهدف إخبارنا ، بمجموعة من القيم الاجتماعية والانسانية والتي تتجلى في العلاقات التي تسود بين البنت والأب طليق أمها ، وأزمة العواطف الباردةالتي تطبع علاقة البطلة بأبيها ، الذي يعاملها بجفاء ، وإن كان هذا على مستوى مجانسة الواقع ، فإننا نستنتج من هذه القصة مجموعة من القيم والعلاقات التي تسود بين بعض الأنماط البشرية لأسباب اجتماعية خاصة ، وعملية النقل في حد ذاتها إخبار .
خلاصة : نستنتج من خلال ما سبق أن تناولناه في هذه المقالة أن الاستاذة عبير هلال تمكنت من تحقيق الأهداف التي حددناها مسبقا وهي الإمتاع والتأثير والإخبار ، إضافة إلى مجموعة من الخصائص الأخرى التي لم يتسع المجال للتطرق إليها ، ورتأينا أن نكتفي بهذه النقط . وأعتقد أن النص يحتاج إلى دراسات أخرى مطولة تتناول الخصائص والمميزات الأخرى من شخوص ومكان وزمان وسد وغيرها . نتمنى للكاتبة مسيرة سردية موفقة .

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
أحلام صغيرة
التالي
غبار القصائد

اترك تعليقاً

*