قراءات

قراءة نقدية في نص “أوتار”

للكاتبة ريتا الحكيم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

نقرأ نصّ “أوتار” للمبدعة ريتا الحكيم فتسكننا دهشة أمام منهجيّة بنائه.
فالبنية السّرديّة المألوفة ثلاثيّة تتأسس على تراتبيّة الأحداث وتسلسها يستهلّها الرّاوي بوضع بداية يُفضي إلى سياق تحوّل تتأزّم فيه الأحداث وتبرز العقدة وتهبّ الشّخصيّات باحثة عن حلول فينتسج وضع الختام منسلّا من رحم الاضطراب واللّاتوازن هادئا نابضا قرحا بحلّ العقدة أو ناثرا أدخنة التّلظّي بالفشل في ذلك..
لكنّ المبدعة ارتأت لغاية في فكرها أن تنتسج لنصّها هذا بنية سرديّة مخصوصة..
بناء النّصّ في قصّة “أوتار”:

استهلّت المبدعة ريتا قصّتها هذه بمحاولة لحلّ العقدة فكانت البنية السّرديّة كالآتي:
1- محاولة لحلّ العقدة: (أمسك حنجرته بيديه محاولا إصلاح حبالها المتقطّعة…..أربعة)
2- وضع البداية: استرجاع (كان قد مضى عليه دهر……….سليمة)
3- محاولة لحلّ العقدة: (تذكّر كيف كان يصلح قيثارته……لم ينتبه أنّه أخطأ في تركيبها)
4- مقطع تفسيريّ قائم على الاسترجاع يفسّر فيه الرّاوي عبارة “أخطأ في تركيبها” (لقد عاش…ا… فتات الحياة)
5- بروز الرّاوي معلّقا مبديا رأيه: (أمّا الان فهو في خضمّ تجربة لا مثيل لها ستغيّر مفردات لغته… يقع الفأس في الرّأس)
6- وضع الختام المأساوي: الفقرة الأخيرة(انتهى من مهمّته………….آخر النّصّ)

المبدعة ريتا بتصرّفها في البنية السّرديّة المألوفة لم تبتدع جديدا منهجا جديدا لكنّها حمّلت منهجها ذاك رسالة مثقلة بالمقاصد ترسم صورة تهاوي الذّات وتهدّمها…
هدم الذّات في قصّة “أوتار”:

نقف في هذه القصّة على ثلاث محطّات حدثيّة هامّة هي:
1) تجربة التّصعّد توقا إلى ظفر بالحقيقة والحرّيّة، ظفر بالحياة.. تكابد الشّخصيّة في الحكاية مشقّة النّحت بالظّفر في درب تسلّق جدار خانق وثلاثة أخر تعاضده..يكاد يدرك القمر والنّور فيتهاوى مكسّرا قيثارته.. والقيثارة ترمز إلى الصّوت وتحيلنا على أنّ هذه التّجربة أسّها النّضال برفع الصّوت في وجه قتامة الاستبداد..
تُحمّل الكاتبة ريتا هذه التّجربة الأولى في النّصّ، الثّالثة في سلّم ترتيب تجارب الشّخصيّة تصاعديّا زمنيّا،رسالة مفادها أنّ طلب الحرّيّة بالهتافات والاحتجاجات نضال لا ربحَ يُجنى منه غير الهلاك…
2) تجربة تجربة النّضال السّرّي حاضرا من خلال صورة رجل العنكبوت وهي التجربة الثانية تصاعديا في سلّم تجارب شخصيّة القصّة.
3) تجربة الخنوع: صوّرتها الكاتبة المبدعة بتشبيه الشخصيّة بالجرذ الباحث في الزّوايا عن فتات حياة. وهي أولى تجارب الوجود التي خاضتها شخصيّة الحكاية..
4) تجربة إصلاح ما تلُف دون تروّ ولا منهج، وهي تجربة التّمسّك بذات المنهج النّضالي عبر ترقيع الشّعارات والاحتجاجات البالية بتعجّل ودون تأمّل في التّجارب السّابقة والنّهل من دروسها، ممّا يُفضي إلى تشويه الذات وانبتاتها وهو السّبيل الأقصر إلى الفناء..

إنّ المبدعة ريتا في نصّها هذا “أوتار” وهي ترسم هذه المشاهد الأربع، التّجارب الأربعة، الأوتار الأربع تشرّح واقعا سياسيّا نكابده في الوطن العربي منذ ما يُسمّى ب”الرّبيع العربي.. وبعد التّشريح تقيّمه ثمّ تقف على عمق الدّاء فتصرخ:” ألا إنّكم بهذا المنهج وإن اختلفت وجوهه تهدمون الذّات الهويّة وتطمرونها .. أما من مصغ رشيد؟..”
رائع ما خططت مبدعتنا ريتا رغم بعض التّراكيب القليلة التي تحتاج إلى مزيد اشتغال عليها.. دمت متألّقة.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
أوتار
التالي
من الآن لن أكذب

اترك تعليقاً

*