قراءات

قراءة نقدية في نص “إستقالة”

للكاتب مختار أمين

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

أضواء كاشفة على العالم الروائي عند الكاتب المصري مختار أمين
حفر في أغوار عالم المرأة

إن تنزيل جنس الرواية العربية الحديثة في سياقه التاريخي والايديولوجي، بات ضرورة ملحة، يؤكدها الترابط بين الاثر الإ بداعي ومحيطه الفكري والثقافي.
وسنن الأدب الأ جناسية تتطور بتطور العصر لتتفاعل مع متطلباته ومقاصده.
وبناء عليه فإن جنس الرواية العربية الحديثة لصيق في مستوى خصوصياته المضمونية والشكلية كأشد ما يكون الإلتصاق بالبيئة الإجتماعية التي أفرزته.
وعلى الرواية العربية اليوم أن تعي ضرورة تجاوز المتعة الجماليةإلى متعة فاعلة، وظيفية،لتتمكن من ترجمة قضايا الواقع إلى أسئلة حارقة، تطرح في صلب الاثر، وليس بالضرورة أن تصل إلى أجوبة شافية، بل يكفيها شرف عرض رؤى تحرّر الإنسان وتدغدغ المسكوت عنه، حتى يطفو على السطح فتمكن المتلقي من تجديد عقليته في النظر إلى الواقع من ناحية، وإلى كيفية بناء الأثر الادبي من ناحية اخرى، وعلينا ان ننظر إلى الإبداع من زاوية إنسانية صرفة بعيدة عن التصنيف التهجيني: كأن نقسم الأدب إلى أدب نسوي وآخر رجالي، إذ المرأة يمكنها أن تعبر عن عالم الرجل، والرجل يمكنه أن يغوص في عالم المرأة فيكشف مواطن الجمال والقبح، وهذا كفيل بتغيير الواقع نحو الأفضل، والمقصد واحد هو بناء الإنسان.
ولنا وجهة نظر نعرضها عليكم من خلال كتابات الكاتب/ المبدع المصري مختار أمين، الذي كسر القواعد وتجاوز المالوف حينما اتخذ من عالم المرأة الباطني وسيلة للابداع فادرك أن في قرار كل امرأة يكمن الدرر، وقد صرح بذلك قائلا:
الحقيقة أنا أجد قلمي دائما طيعا للكتابة عن المرأة، وعين قلمي تختار بطلات قصصي ورواياتي من مئات النساء.. أتمنى أن أكون متميزا في هذا النقل، أقصد النقل عن كل بطلة بشكل جيد يبلور موضوعا لها أو عنها قد تحتاجنه الأخريات، أو البطلات أنفسهن.. إشارة ضوء إما أخضر أو أحمر أو أصفر”
فكيف يتشكل العالم الروائي انطلاقا من هذا الانموذج؟
ـ ولادة النص ولحظة الإنبعاث:
إن نص “استقالة” هو أنموذج يكشف عن قدرة كاتبنا على التقاط التفاصيل، ورصد كيفية انتظام المتناقضات في بواطن المرأ ة،فيجعلنا نغوص في بواطنها على لسانها، فنرى الشخصية هي التي تنقل كل ما تحسه وما تراه، دون ان يتدخل الكاتب في توجيهها أو تزويدها بالافكار، وهي تقنية تخدم المقصد وتظهره، إذ أن الرواية هي إنتاج يتحقق عبر النظام العام وشبكة من العلاقات المعقدة والبسيطة فهي تأتي عبر بناء احداث ومسافات صغرى وكبرى وفضاءات محتملة للاحداث، من قبيل تعدد العلاقات التي تربط الشخصية بعالمها الخارجي والداخلي في آن، فنكتشف:
علاقتها بآلامها وأوجاعها “ذاهلة خالية التركيز أبدو، مسحة عينيّ تبدي صفاء ساكتا بلا عقل، الزمان طفل يلهو على وجهي، يبعثر أخاديدي يقلب سحناتي، بطبشور العمر يرسم خطوط آلامي وأوجاعي”
علاقتها بالاطفال “صياح الأطفال يوقظني كل صباح”
علاقتها بالمطبخ ” تسبقني قدماي للمطبخ”
علاقتها بالعمل، وهي تقوم برحلتها الصباحية فتستحضر شريطا كاملا يمر أمامها ، فتدخل في شرود، لا تستفيق منه إلا على صياح الشرطي.
علاقتها بالحب، وهي علاقة من نوع آخر بالنسبة إلى الحب ، إنه الحب الذي يخلق الإنسان ويعطيه كينونته، ويكسبه أبعاده، ولا طالما نظرت المرأة للحب من منظار دقيق وشفيف، فهو الوتر الذي تعزف عليه روحها، فنصغي إليها وهي تستحضر علاقتها بالمرآة، وتلك اللحظات الحميمية التي تعيشها كل إمرأة مع وجهها في المرآة، وهي تعشق صورتها في مرآتها كما عشق نرسيس صورته في الماء، فأضحى سجين تلك الصورة، وتلك الذات، وكل إمرأة هي سجينة تلك الصورة الجميلة، فتكره أن يخط عليها القدر خطوطه التعيسة، التي تحمل أجمل الحكايا، ترويها بعد حين إلى أحفادها.
فتهتف عبر تقنية الاسترجاع:
“كنت حبيبة مثل سندريلا، يغار كل من حولي من حبي، في الأيام الأولى من هذا الحب، أيقن أني ازددت طولا، اتسع فكري ورؤيتي للوجود، هل الحب الذي سواني على هذا؟ أم بطلي.. حبيبي؟
كلاهما كانا عملاقين الحب الذي كنا نتعرف عليه خلسة بين دفتي كتاب، أو من خلال مشاهد سينمائية لأفلامنا القديمة، وحبيبي..
آااه حبيبي..
يا ملكا متحررا من السماء، كيف لا أدرك وأنا في خضم السعادة أنك سترحل؟ كيف كنت لا أدرك أنك نموذج يمثل الواقع من حولي ويضحك علينا جميعا، تحاول أن تشبهنا.. وأنت ملك؟”
من هنا ندرك أن المرأة ـ كما رسمها أديبنا مختار امين ـ كائن رقيق، وطيف سماوي، تميز بالوفاء والعطاء بلا حدود، ونرصد هذا التماهي بين الشخصية الورقية والواقع، إذ أننا نكاد نمسك بالبطلة وهي ترتاد شوارعنا العربية، فهذه المرأة المعطاء، الواهبة للحياة، التي تنشر الحب والخير، هي بلا شك ذات ملامح عربية تتحلى باخلاق عربية أصيلة، مكافحة، مناضلة، تبذل الروح والجسد في سبيل أسرتها وتساعد في بناء مجتمعها، هكذا ينتصر الكاتب مختار أمين للمرأة وهكذا أكرمها، وإنه لفخر لي كإمرأة أن أتناول كتابات هذا المبدع، وأن أكتب حولها وأسأل الله أن يوفقني في الوصول إلى درر هذا المبدع، الذي تربى في تربة طاهرة ونقية، و نهل من ثدي مقدس، لذلك أدرك قداسة هذا الكائن القدسي الذي كتب عنه، وقد صرح بالعلاقة المعرفية الإدراكية التي تربطه ببطلاته قائلا:
“تخصصت في الكتابة عن النساء في رواياتي والمسكوت عنه.. كل بطلات رواياتي نساء”
كما أنه يدرك أن عملية الكتابة ليست إعادة الواقع كما هو ،بطريقة سطحية خالية من الإبداع بل الكتابة هي لحظة إلتقاء الفن والواقع في نقطة ساخنة فيقول:
“يفيد كثيرا في عملية التجسيد.. ليس الحرفي، ولكن الفني مطلوب جدا في العمل الإبداعي ، إذ أن الكاتب لا يقلّد الحياة ولكن يعيد تدويرها”
ويواصل الكاتب التقاط التفاصيل وعرضها على لسان البطلة، فنعيش معها تفاصيل اليومي، فنقابل “عم محمد البواب” و “البنات” و” المدرسين والمدرسات” “نافذة المكتب” “الفناء” “الطابور”
عالم بكل جماله وأوجاعه، عالم “السيدة رجاء” على لسانها لكن بقلم المبدع مختار امين، هذا هو الايهام الفني الجميل، وهذا هو عالم المراة رسم بفكر الرجل العربي.
ويبقى السؤال مطروحا على شفاهنا كما هو مطروح على لسان البطلة:
وذهبت إلى مرآتي.
أحدثها: هل أعود؟ أم انتهت الرحلة؟
لكن في ظل الغليان السياسي والإجتماعي والثقافي، الذي يزداد حدة في السنوات الاخيرة، تصبح العودة ضرورية، ولا مجال لانتهاء الرحلة، لأن هذا المشروع الحداثي ما زال يعاني عدة عراقيل التي تنتج بفعل المناخ الإيديولوجي المتحرك، وعلى المرأة والرجل أن يسيرا جنبا إلى جنب، لتجاوز هذا المخاض العسير، الذي ينتج عنه اتساع دائرة الثقافة، تجديد العقل، تطوير الأدب.
خاتمة:
إن عالم الرواية المصرية عالم بلا حدود، ظهر ليكسر النظم السائدة ويحدث الانقلاب في التصورات والرؤى، فنجد نجيب محفوظ قاص القاهرة بامتياز، وادوارد الخراط كاتب الاسكندرية القبطية، ومختار أمين كاتب أسيوط الذي استطاع أن يغوص في أغوار الشخصية، وخاصة عالم المرأة، وأن يحاور المسكوت عنه بطريقة جريئة، فاعلة بعيدة عن الإبتذال.
من هنا نكاد نجزم أن لكل محافظة في مصر روائي يميزها، وهذا ليس بالغريب على أرض الكنانة، أرض الخير والجمال.
تربة باركها الله فكرمها بأن ذكرها في كتابه العزيز، تربة ضاربة في عمق التاريخ كلحظة التكوين الأولى.
كنت أعتقد أ ن الغوص في عالم المرأة الداخلي والتقاط تفاصيله الدقيقة، لا تتقنه إلا المرأة لأنها الوحيد القادرة على ممارسة لعبة البوح أو التستر، بما تملكه من قدرات رهيبة ومتعددة إلى أن قرأت للأديب مختار أمين، فعثرت على قلم يبدع في وضع باطن المرأة على الفحص السريري، فيلتقطه بحنكة الكاتب وقدرات العالم النفسي، وهو ما يكشف عن عمق التجربة من ناحية، وقدرة فائقة في فهم هذا الكائن العجيب، الذي يصنع الحياة، ويعطيها جملة من الأبعاد…وإني فخورة بهذه التجربة التي يخوضها كاتبنا المتميز لأنها تكسر الحاجز بين المرأة والرجل من ناحية، كما أنها تبطل التصنيف المقيت : أدب نسوي/ أدب للرجل..وهو ما عارضته حتى في برامج التدريس، كم جميل أن يكتب الرجل العربي عن المرأة ويعبر عن عالمها الواسع والغامض، مع تحياتي وتقديري أيها الكاتب الراقي والمتفرد الأستاذ مختار أمين

السابق
إستقالة
التالي
قراءة نقدية في قراءة الأستاذة زهرة خصخوصي لنص “الأقنعة”

اترك تعليقاً

*