قراءات

قراءة نقدية في نص “إصرار”

بقلم الكاتب شفيق الموعي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

اقتحمت خلوته إذا هو شخص مكسور ومعتزل الحياة وقد يكون منتهيا إما بالموت أو بالإحباطات ، أرادت البطلة أن تمارس الحب معه لكنها قوبلت بالصد من قبله رغم ما بذلته من إغواءات وإغراءات ، فما كان منها إلا أن تمنت الذوبان إلى حد التلاشي لتعود من ملح وتراب وذلك بسبب إما ذوبانها الجزئي من الخجل لأنه لم يحدث شيئا بينهما .
أو ربما أرادت أن تعود لطينتها الترابية الأولى المكونة من الماء والمعادن بعد أن تدفن قربه وتتحلل جثتها لتختلط مع عناصره الأوليه فيتوحدان في جسد ويتكاملان ولو في الموت هذا في حال اعتبرناه ميتا وهو على كل الأحوال يعتبر الميت الحي .
أو ربما بهدف استرجاع الشهوة الأولى التي فطرا عليها قبل أن تسلبهما الأزمات أعز ما يملكان ، هو رجولته وهي أنوثتها التي تشوهت ولم تعد تقوى على الإثارة فيتشهاها وتتشهاه بقوة الشهوة الأولى التي دفعت آدم لأكل التفاحة تلك الغريزة التي أخصتها الحروب .
و قد يكون تشهيها للتحول إلى ماء وتراب يعود لما للماء والملح من أثر في تطهير الجروح وكيّها وبذلك هي تمنت التحول إلى هذا المزيج لترمي بنفسها في اللحظات الحميمة فتعقم جروحه وتخلصه من الشوائب التي تمنعه من التركيز معها ليعود إنسانا طبيعيا يتمتع بالخصوبة .
النص غني بالانزياحات التي تجعلنا نعيش واقع الجفاف بكل أبعاده .
وهذا لا يمنع ان يكون للكاتب وجهة نظر مختلفة يفاجئنا بها ومقصد آخر تماما يجعلنا نعيد القراءة لنتمتع بفيض الفكرة المصوغة في أفق مفتوح على عدة احتمالات لم تقيّدنا ولم تجعلنا أسيرة السطور .
وبالفعل فقد كانت وجهة نظر الكاتب والتي سأنقلها حرفيا على لسانه على الشكل التالي ( قد تكون البطلة هي وجبة طعام اقتحمت زنزانة أسيرٍ بطل أضرب عن الطعام وسلاحه أمعاؤه الخاوية وأرادت أن تقوم بالإغواء كما فعلت (زليخا) لكنها لم تفلح وفشلتْ أمام أنفة البطل وإصراره (فهو ك يوسف) فتشّهتْ أن تتحوّل إلى ماء وملح ليقينها أنّ البطل يعيش عليه. )
وهذا التفسير الذي ذكره الكاتب أقنعني وأمتعني وجعلني انتقل معه من تفسير حالة البطل بالمطلق على انه اسير زنزانة الزهد بالحياة و موت الشهوات وسرقة الفحولة بسبب الإحباطات والحروب والأزمات إلى حالة الأسير تحديدا وهو يرسخ في سجن معين معلنا الإضراب عن الطعام .
وفي هذا السياق نجد تضمينا للآية الكريمة ( كلما رأى قميصه قد قدَّ من دُبرٍ قال إنه من كيدكن إنَّ كيدكن عظيم ) فكأننا نرى الوجبة وهي تتشهى لإغراء ذلك الأسير وعندما فشلت راحت تكيد له حتى تنال من عزيمته كما فعلت زليخا زوجة عزيز مصر يونيفار في قصة العشق الممنوع من نبي الله يوسف .
وفيه تضمين أيضا للحديث الشريف ( ليس المال حقا سوى الزكاة ) كفكاك الأسير وإطعام الإفطار وسقي الظمآن وعدم منع الماء والملح والنار ، هذه حقوق قام الإجماع على وجوبها . وبالتالي فهذه الوجبة اللعوب تعرف مدى أهمية الماء والملح في استمرار الحياة .
وكذلك نجد تناصا قويا مع الآية الكريمة ( وهو الذي مَرَجَ البحر هذا عذبٌ فرات وهذا ملح أجاجٌ وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) .
الماء الحلو كالأنهار والعيون والآبار وهذا هو الفرات العذب ، بينما الملح الأجاج فهو مرّ زعاف لا يستساغ كالبحار في المشرق والمغرب .
وجملة ( تشهيتُ لو أنني ماء وملح ) اي تمنت لو تكون كالبحر الذي يضطرب ويموج خاصة في فصل الشتاء ، وها هي تتلوى وتغريه في فصل صموده الشتوي القارس حتى يشرع في تناولها وعندها تجزر وتتركه بعد أن حققت مبتغاها ونالت من عزيمته وإصراره .
أما إذا أخذنا الموضوع على محمل حسن فنستطيع أن نقول أنها تمنت لو تتحول إلى ماء وملح لتقيته وتغذيه وتمده بالصبر لينتصر في قضيته .
وإذا تابعنا التحليق في رحاب التأويلات سنقف حتما عند التحليل العلمي لمادة ملح الطعام ( كلور الصوديوم ) الذي يتألف من الكلور وهو مادة سامة ومن الصوديوم وهو عنصر خطر وشره للماء ويشتعل بمجرد ملامسته للماء ، وهو أيضا يدخل في تركيب قنابل النابالم ، فكأنها أرادت أن تفجر رغبته المكبوتة وتستثير غريزة الجوع عنده . او ربما ان تتحول إلى سم يقتل عنفوانه انتقاما منه لأنه لم يفض بكارتها بإحجامه عنها والتعفف عن مفاتن نكهتها ورائحتها .
ولكن نظرا إلى أن هناك رابطة تربط بين عنصري الكلور والصوديوم وهي عبارة عن رابطة شاردية تتمثل بانتقال الكترون واحد من الصوديوم إلى الكلور فيتشكل مركب هو كلور الصوديوم الآمن وهو ملح الطعام ، فنحن نستطيع أن نقول أن وجبة الطعام تلك تابت واستغقرت كما تابت زليخة وأقرت بذنبها وعوقبت بفقد بصرها ، ولمَ لا قد تكون حقا تابت بعد أن استمرأت إثارته وتحفيز غريزة جوعه لها ، وانهارت أدواتها وأساليبها أمامه عندها أعجبت به وقررت أن تبقيه على قيد الصمود .
وأخيرا نستطيع القول أن النص متجذِّر في شجرة الإيحاءات الوارفة ، وكلما هززناها تساقط الثمر.

السابق
إصرار
التالي
تراتيل الحنين

اترك تعليقاً

*