قراءات

قراءة نقدية في نص “الأم المكلومة”

بقلم الكاتب محمود عودة

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مدخل
شدني النص، فوجدتني مسكونة بهاجس الكتابة حوله ورأيت أن أحفر فيه حفرا أركيولوجيا علّي أبلغ بعض مقاصده، و إيمانا مني بالرسالة الحقيقية للأدب، أتقدم بهذه القراءة النقدية المتواضعة. 

قاعدة التداعي الحر للأفكار
يمكن أن نركز انتباهنا على التداعيات البارزة في النص سواء عند تدخل السارد لنقل الخبر، أو عند تصريح البطلة “الأم” بكل ما كانت تعيشه من لذّة في تلاحم الجسدين، ظنا منها أن اللّذة حاصلة في الحلم فحسب، وهو ما يدفعنا إلى أن نعلق كل الأحكام الأخلاقية أو العقلانية فتتداعى المشاعر والذكريات، وهو ما يسهل علينا ادراك الذات في علاقتها بنفسها و بالأخرين “الأب و الإبن ” على حدّ السواء .

مسرح اللغة
سأعرج على اللغة التي استند إليها الكاتب وهي لغة واضحة، جلية، لم تتعمد التوريات أو الترميز، وربما كان ذلك هو المقصد الأساسي من طرف الكاتب و ذلك لطبيعة الموضوع المطروح الذي يتطلب “في اعتقادي” الوضوح و الكشف و التعرية، باعتباره من المواضيع المسكوت عنها أو ما يطلق عليه بالمحظور .
ولكن سأنظر في اللغة من حيث الملفوظ، فبالاستناد إلى “لاكان” في نظرية التحليل النفسي إذ يقول “ليس لهذه القاعدة سوى وسيط وهو كلام المريض” سأضع شخصية الأم على الفحص السريري، فإذا اعتبرنا أنها هي المريضة نلحظ في كلامها الموجه إلى زوجها جملة من الأحاسيس والصور، و العواطف، والذكريات، والأفكار، التي يجب أن تخضع للتحليل ونذكر مثلا قولها””أراك يوميا في منامي ” أو “أشعر بجسدك يلف جسدي ” أو يتغلغل في ثناياه ” ….
فهذه الأم تنكمش على رغبات دفينة خلّفها موت الزوج ومعاناتها وهي الجميلة، الشابة، و التالي فإن إشكالية الجسد الناّبض بالحياة وبالشهوة المشتعلة، ظلت تسكنها في اللاوعي، لكنها مكشوفة من خلال الكلام “parole” ومن خلال الخطاب “discours”

الرغبة و الكبت
إن الحلم “تفريغ نفسي لرغبة في حالة الكبت” كما يذهب إلى ذلك فرويد، و بناء عليه نلاحظ أن الأم تعاني من كبت بحكم موت الأب، فنراها لا تحقق هذه الرغبات إلا في الحلم، لأن الرغبة اللا واعية التي تبحث عن إرضائها تصطدم برقابة الوعي و بالتالي فإن كل نتاج نفسي يبحث عن حل وسط بين الرغبة و الكبت، ولعلها وجدت هذا الحل الوسط في تحويل كل اهتماماتها نحو هذا الطفل الذي كان منتجا طبيعيا لعلاقة حميمية بينها و بين الأب.
أما شخصية الإبن فهي شخصية لا تبتعد عن هذه الثنائية “الرغبة و الكبت” فهي تختزل رغبات جنسية، عدوانية، و عندما تتوحد هذه الميولات تنتج الإنسان الذئب.
و من هنا تتجلى الرغبة المحرمة تجاه الأم وهو ما يكشف عن خصائص زمن الطفولة وكيفية انتظام هذه الشخصية التي تكشف بممارستها تلك عن شعور الكراهية تجاه الأبوين، فتصعيد رغبته نحو الأم ليس إلا انتقاما منها ومن الأب على حدّ السواء، وهو ما يحيلنا على “عقدة أوديب”
لكن ما الذي أيقظ “اوديب” هذا في أسرنا العربية؟

المقاصد و الأبعاد
بالنظر في موضوع الحكاية وعلاقته بالواقع مثّل صدمة، باعتباره يتضارب مع الصورة التي نرسمها في أذهاننا عن العلاقات الأسرية، خاصة الأبناء والأباء لكنه كذلك صيحة فزع يجب أن نطلقها جميعا لمراجعة المنظومة القيمية، التربوية، والثقافية، ولنا أن نتحدّث، بكل أسف، عن انحدار لكل هذه المنظومات المختلفة، ويعود هذا إلى ضعف الوازع الديني أولا، فهو يعتبر الخطر الأكبر، لأن الدين جاء لينظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وفي غياب هذه المهمة تتداعى القيم، والأخلاق والمجتمعات، والدول، ونصبح نتحدث عن قانون الغاب في عصر تتطور فيه حياة الإنسان في كل ثانية، مقابل انحدار المبادئ.

خاتمة
إن” الأم المكلومة “تنفتح على عدّة دلالات، وهو ما يدفعني إلى القول أن النص مفتوح، رغم نهايته المغلقة “انتحار الأم” فيمكننا أن نتصوّر “الأم المغتصبة ” تصورا مجازيا، فهي استعارة كبرى لصورة الأرض المغتصبة من طرف أبنائها الذين نهلوا من خيراتها وتنكروا للجميل فدنسوا التراب، وقتّلوا وشرّدوا، وانتهكوا الأعراض… إنها صورة الوطن العربي الذي يئنّ تحت أسواط أبنائه قبل الغرباء، فلا نكاد نسمع سوى العويل والنواح، ولا نكاد نرى سوى الجثث المقطوعة الرؤوس…
ترى هل تنتهي المأساة بدفن هذه “الأم المكلومة ”
هذا السؤال يطوف بين عقلي وروحي كما الظمأن يبحث عن ارتواء.
أتقدم بشكري للكاتب المبدع محمود عودة الذي جعلني أتوقف، وأتأمل، وأرفع القبعة في حضوره لطرحه مثل هذه المواضيع التي يجب أن نرفع عنها الغطاء لتفوح رائحتها النتنة ونشخص الداء علنا نساهم في العلاج.
كل الشكر والتقدير للناقد و المبدع الأستاذ مختار أمين لهذه الواحة الجميلة التي ترتاح النفس في ظلالها .
تحياتي و تقديري مع وردة و كتاب.

السابق
الأم المكلومة
التالي
مقاربة نقدية في نص “رسائل الموتى”

اترك تعليقاً

*