قراءات

قراءة نقدية في نص “البطل يغادر الرواية”

للكاتب بدوي الدقادوسي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

كلمة خارج السياق
هناك نوع من الكتاب يغيب إبداعهم عن قلمهم فترات كبيرة، حتى يطل علينا ببسمة منيرة كما الطفل الشغوف المرح من نافذة مخبئه ليدهش الجميع..
وهذا النوع من الكتاب من النوع المزاجي، الذي يتحكم فيه مزاجه حتى على نفسه، وعلى كل الأمور والأشخاص من حوله، غير أن هذا النوع دائما يعيش الحياة بفكر الكاتب، ولا يسقط عن رأسه ومخيلته لحظة حتى وهو نائم، ولكن مشكلته مع الطرح والورق ـ قليلا ما يطرح بمعنى أصح قليلا ما ينشرـ فقليلا ما يطاوعه القلم ليسقط أفكاره عليه بشكل يرضيه، وكثيرا ما ينشر أعمالا متشككا في جودتها، وأحيانا ينشر بعض كتاباته وهو غير راض عنها.. وبدوي الدقادوسي من هذا النوع..
لكن بحق إن جاد عليه مزاجه أبدع..

من أهم جماليات القصة القصيرة (الحدوتة)، وهذه (الحدوتة) نشأ جيل حديث من الكتاب يكرهها بشكل غير طبيعي، ويحاول بشتى الطرق طردها من القصة القصيرة وأنواعها ومشتقاتها الحديثة، ولا أفسر هذا إلآ لعجز في طبيعة المؤلف القابع بداخلهم، كالمراهق الهمجي المتعجل الذي يصعب عليك ترويضه وتعليمه، وهذا بلا شك يعد نقصا في الموهبة، ومنهم المصاب بالبارانويا الفكرية والكتابية يلتبسه المرض ويقنعه أن كل ما يكتبه إبداعا أدبيا لا يفهمه النقاد والمتخصصين، ويغالي في مرضه ويهبط عليه الوحي البارانوي، ويبلّغه الرسالة ويلزمه بتبليغها على العامة ليؤمنوا بها، فإذا به يخرج علينا بمهدي الجنس الأدبي المنتظر، أو المخلص، ويعلن أنه اكتشف جنسا أدبيا جديدا يتوافق مع مهاراته الكتابية المحدودة..
“اللهم لا تفتنا في آخر الزمان الأدبي، واهدي الضالين عن مسيرة الأدب والمدعين.. قولوا آمين”.

اليوم سأكون مع هذا النص الممتع ناقدا تقليديا، ولا أجعل هذه القراءة درسا من الدروس التي أتحين فيها النصوص الأدبية لأكشف عن درس ما.. وهذا لشيء في نفسي.

فكرة النص:
جاءت تشرح لنا الفرق بين القصاص المبدع، والعامة الذين لا يسقطون وجهات نظرهم فيما يدور من حولهم، وآنّات مجتمعهم بشكل أدبي ـ أي في عمل أدبي ـ له أسسه وقواعده..
فالكاتب أراد أن يسقط وجهة نظره على وضع عام يعيشه مجتمعه بعد ثورة اجتهدت أن تصل في آخر أيام مراحل نضجها، وتعلو بسقف طلباتها في الميادين التي تتزايد بالثوار لحظة بعد لحظة لتطيح بنظام مستبد، يحقق ما حرم منه هذا الشعب، بعدما نخر في جسد أخلاقياته الفساد بما يشبه مرض السرطان المدمر الذي انتشر في كل خليّة حيّة في جسده، فحاربه محاربة المريض اليائس المتعجل للموت، وأخرج صيحاته على مسبب المرض ونادى: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، وبعد أن ينجح في ثورته بخطوات قليلة يكتشف أن كل ما نادى به لم يتحقق حتى وإن تغيرت الوجوه الحاكمة بعد الثورة التي اكتشف أيضا أنها سرقت منه “وعادت ريما لعادتها القديمة” والوجه الحاكم هو الوجه القديم وإن خدعتنا الملامح، وارتد الشعب إلى مرضه والفساد كما هو الحال القديم..
هذه هي الفكرة مجردة في غرفة من غرف عقله تنظر في مرآتها عارية، ويتلصصنا الاستخباراتي نرى تفاصيل جسدها العاري..
دعونا نرى كيف ارتدت كل قطعة من زيّها المبهر الجميل الذي زادها حسنا وبهاءً لتطل علينا في حفلنا اليوم، لأجل أن نرى الفارق المعني بين القصاص المبدع الذي يعيش ويتعايش في الحياة من حوله، وبين العامة العاديين، وكتاب الجرائد والأخبار، ليسقطه أدبا له متعته الخاصة في النفوس..

الموضوع:
علينا أن نرى كيف ألبس فكرته زيّا قصصيا “حدوتة” جاذبة أمتعتنا، وجعلتنا نفكر، وتحقق رسالة من ضمن رسالات الأدب على المتلقي، وهي بعد قراءتها تجعلنا نقول في صوت واحد: “إلى أين نحن ذاهبون؟”.
عمل الكاتب على عامل الإدهاش من أول سطور قصته، وصوّر لنا معاناة كاتب وشقاءه للخروج بروايته إلى الجمهور، وجعله رمزا إسقاطيا على معاناة المثقف المفكر الراصد لما آل إليه حال الشعب، وأراد أن يجسّم صرخاته في المطالب، مدشن أوجاع شخوص روايته وطلباتهم بالعيش الآمن الكريم أمام البطل الذي رمز به للحاكم المنتظر العادل، واستغل التزيّد في الادهاش والمفارقة، بيوم الاحتفال بخروج روايته إلى النور، ووقف يتكلم عن كيفية إنجازه لهذا العمل ومدى تضحياته، وإذا به يفاجئنا بخروج البطل من الرواية معترضا متهربا من الدور الذي كلفه به المثقف الذي يرمز به إلى الكاتب، وكانت المفاجأة رد فعل بطل الرواية، ورد فعل الكاتب بأنه يتوسل إليه حتى أنه نام على الأرض يمسك بقدمه يقبلها حتى ينقذ هذا الشعب الذي فسد وفسدت أحواله، ويريد أن يحقق له أحلامه في البقاء في دوره الذي تنصل منه، وجعل الشعب يخرج بثورة من جديد ينادي بنفس الطلبات، وهو يصوّره بشخوص الرواية التي خرجت من روايته تهتف “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” أي أن الحال كما هو الحال ، لا تغيير..
والحق أن الإسقاط الرامز القوي بدلالاته المرشدة المفسرة باستخدام عنصر الإدهاش والمفارقة، وبراعة تأليف الحدوتة جعل العمل قمة في تكنيكه، واستحسان أسلوبه ولغته التي أتت تماثل روح النص ببساطتها وسلاستها، والبعد عن الغموض اللغوي في اختيار الألفاظ وبناء الجمل..
ولكأني أشاهد نوع من المسرحيات اندثر.. عزيز على قلبي، هو “المونودراما”، مسرحية البطل الواحد الذي يستطيع أن يقنعك أنه مخلوق داخل حياة تعج بالزحام والأشخاص المختلفين، المتفاعلين معه والمتحاورين، وكلهم من ابتكار خياله، في إتقان يشعرك أنهم حقيقة..

جماليات النص:
أسلوب النص، أسلوب إخباري، فيه روح السخرية برداء البساطة، ذكرني بطريقة معاناة نجيب الريحاني في أفلامه، وهو يجسد ما بداخل شخصياته بشكل يبدو جادا بسيطا، ولكنه ينم عن مأساة حقيقية تعيشها هذه الشخوص، وأيضا بنهج تمثيلي سهل ممتع وهو: “شر البالية ما يضحك”..
ولكن من أشد ما نمّ عنه هذا النص اكتشافي لبدوي الدقادوسي كمؤلف بارع، وكثيرا ما تكلمت عن الفرق بين المؤلف والكاتب، قلت أن الكاتب لا بد أن يكون مؤلفا أولا، ثم كاتبا، وهناك كتّاب لا يجيدون التأليف الجيد لنصوصهم..
لا بد للكتاب الجدد أن يقوموا بالتدريب على التأليف حتى يكتبوا قصصهم بأفضل شكل ” ألّف نصك قبل الكتابة”..
ساعد التأليف الجيد للحكاية أن يرسم لنا الشخصيات بمعالم واضحة، حتى وإن أخبرنا الراوي عنهم ولم يصوّرهم في فعل حقيقي، وهذا استحسان مونودرامي عالي، وهو يتكلم في أول السطور واصفا وجهة نظر زوجته فيه، وانهماكه في كتابة الرواية، والتخلي عن مسئولياته تجاه أهل بيته، في التقاط جيد لبعض التفاصيل التي تشي بمكنون قوي لهدف القصة، وما تريد أن تنقل لنا ما آل إليه فساد الشعب، في إخبارنا عن فساد أخلاق الطبيب وهو يكشف على زوجته، وكشف جانب سلبي لمثقفين الثورات من خلال هذا المشهد، بذلك الكاتب المثقف الذي ينادي بأفكار نبيلة تسعى لبناء المجتمع وهو متحررا منها بسلوكياته، وأيضا كرر المشهد مع المدرس وابنته، ونفس اللامبالاة من الكاتب..
حقيقة أمتعني بدوي الدقادوسي في نص “البطل يغادر الرواية” تحياتي لك أيّها الكاتب المزاجي.

السابق
البطل يغادر الرواية
التالي
عالم

اترك تعليقاً

*