قراءات

قراءة نقدية في نص “الدَّرْبُ الوَعِر”

للكاتب سمير عصر

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

الإيمان هو ملاذ الإنسان عندما يشتد الكرب. تختلف العقائد وتتباين. ويظل الدعم النفسى الذى يوفره الإيمان الحقيقى لصاحبه هو سنده فى مواجهة المحنة. والشخص فى النص هو مسلم يعتقد بلا ذرة شك فى نصوص الكتاب المنزل من الله على نبيه. والآيات التى ألقيت فى روع الشخص أو استحضرتها ذاكرته اذ يجره الجلادون يسوقونه الى حتفه، تعد المؤمن بأنه – لكونه إلى جانب الحق – سيتبدل خوفه أمنا. وتعده بأنه أعلى وأقوى من جلاديه. وتراث االمسلم الدينى يجعل من الحياة الدنيا رحلة اختبار وامتحان توطئة لبلوغ الحياة الخالدة فى الآخرة. لذلك يتبدل حال الشخص من الخور والضعف إلى القوة والثبات ما أن تجرى على خاطره آيات النجاة من الخوف  فيملك زمام نفسه ويرتفع خفيفاً فوق الأرض بعد أن كان يجر جرا. ويقف شامخا وهم يطوقون رقبته بأنشوطة الجلاد . هو بفضل إيمانه واجه لحظة شنقه بثبات وكبرياء من يوقن بتفوقه على جلاده المغرور بعدده وعتاده . والنص ينتهى ويكتمل عند وقوف الشخص بثبات فى مواجهة الموت. أما ما تلا ذلك فهو زيادة من الناحية الفنية. فقد اكتملت التجربة. فالصوت إذن الذى دوى حوله “لا تخف نجوت من القوم الظالمين”. لم يضف جديدا إلى النص. إضافة إلى أن القارىء لابد أن يتساءل (صوت من هذ ؟). فالنص من بدايته يرويه راو عليم قادر على وصف المشهد الذى يجرى أمامه. بالإضافة إلى قدرته على استشفاف دخيلة الشخص المساق إلى الإعدام وقراءة
أفكاره . أما بعد تدلى الشخص من حبل المشنقة فليس من مصدر للعبارة التى تضمن الآية ” لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” . إلا صوت الكانب نفسه وأفكاره . فكما هو معلوم يفقد المشنوق وعيه فور توتر الحبل. والنقاد يعدون ظهور صوت الكاتب من مثالب القص. إذ على الكاتب أن يتوارى بأفكاره وقناعاته خلف شخوصه ولا يدلى بتوجهه الخاص بشكل مباشر. وإذا كان ذلك من لزوميات عموم القص. فأراه ألزم وأوجب إذا كان النص يدور حول فكرة تتعلق بالمعتقدات الدينية وهى كما هو معلوم مثار خلاف، ولم تكن يوما من الأمور المتفق عليها، ليس فقط بين الأديان المختلفة، وإنما بين الملل والطوائف داخل الدين الواحد.
ولا يخفى أن هذا الخلاف الذى يصل الى حد الدوجما بين اصحاب المعتقدات الدينية هو مادفع كافة الجروبات والصفحات الثقافية على تباين توجهاتها الى الاتفاق على مبدأ حظر المنشورات الدينية، ولعل احتفائى وتناولى لنص صديقى العزيز سمير عصر هو محاولة منى للتمييز بين المنشورات التى تتناول الموضوعات الدينية وتخوض فيها، وبين تطرق الأدب الى مايتماس مع العقائد من زوايا انسانية هى محل اتفاق . فالشخص فى القصة وهو مساق الى الشنق بجريرة تعد – بالضرورة – عملا إجرامياً فى نظر الحاكم أو ولى الأمر، بينما يعدها هو من أمور الواجبات التى توجبها أو تكفلها العقيدة، لن يختلف سلوكه وإحساسه، وردود أفعاله أيا كان الدين الذى يعتنقه، فالنص إذن رغم دورانه فى فلك العقيدة الإسلامية، واستشهاده بنصوص الكتاب وأياته، إنما يعرض حالة انسانية، وتجربة تستحق التأمل من حيث سطوة العقيدة وقوة تأثيرها على معتنقيها، وحياد الكاتب هنا ضرورى مادام الأمر يتعلق بنص أدبى لا يقدم حقائق، بل تجارب انسانية، وليس من شأنه الترويج لفكرة ما، بل إشراك القارىء فى تجربة.
ولا يفوتنى التنويه والإشادة بلغة الكاتب الرصينة الراقية، وبراعته فى انتخاب الألفاظ، وبناء الجمل، فى السياق الذى يوصل المعنى، وينضج التجربة، رغم المساحة القصيرة التى اختارها لنصه الجميل. تحياتى لصديقى المبدع سمير عصر.

كاتب قصة قصيرة
نشر مجموعة قصصية بعنوان عش الدبابير .
م
أحد مؤسسى جماعة أصيل الأدبية بالأسكندرية الفترة من 1958 الى 1995 .
أمين أمانة القصة القصيرة الأسبق بشعبة المبدعين العرب .

السابق
الدَّرْبُ الوَعِر
التالي
بالعُتمة والحواسّ تتشكّل مشهديّة السّرد في نص “خيانة”

اترك تعليقاً

*