قراءات

قراءة نقدية في نص “الرهان”

للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تطالعنا القصة القصيرة “رهان” كمنتوج فني ادبي ماتع بديع ، رغم كونه مجرد باكورة اعمال الاستاذ صلاح هشام ، تشرف علينا بإحساس قوي وصدق كبير من زمن بعيد وسنين خلت ، تعود الى سنة 1993 بمدينة واد زم ، تهدي قصة جد مؤثرة لواقعية احداثها ورمزية رسائلها ، محبوكة بجودة عالية منسوجة بإتقان كبير ، حروفها مشوقة أخاذة آسرة دون ضجر الى آخر الحكي !
حتما تنبئ بجلاء عن ظهور كاتب كبير متمرس شديد الملاحظة والوصف والتمحيص ، بذكاء يوظف الدلالات وأجل الرموز ، حرفه طيع كلمه بليغ سرده وازن ، ثري بالأمثال والصور والتشابيه القوية المؤثرة ، و بالأسطورة باب التاريخ وما ترسمه من معتقدات غيبية لوقائع ، وأسماء تعارفت بين الاهالي اقتنعوا بها وبوجودها كقنديشة على سبيل المثل .
“رهان” هو عنوان النص وعتبته ، اختاره المبدع لما يرمز به من تأثير ، خضع له البطل وذاك كان مقصده ، ييسر ويرغب في الولوج الى النص و الدعوة الملحة لقراءته ، لا محالة يزيد به القارئ فضولا ، فلا يكف يتساءل عن أي رهان سيعقد ، وهل سيفلح البطل في تحقيقه ، ولا يقصد بالرهان المعنى المعجمي السطحي ، بل ما يرمز به من حيث السياق وتيمة النص، وأغوار الدلالات .
وبدون مبالغة سأراهن أيضا على أن هناك صراعا نفسيا داخليا يشتد من خلال انسيابية الاحداث ، ويحتدم ويطغى على أغلب مساحات النص حتى الأخير ، حيث سيتحقق انفراجا واضحا لنفسية البط ل بعد أن تمكن من الفرار ، ليس فقط من النساء بل من اشياء عدة وعاها أخيرا ، و كان في حاجة ماسة للانسلاخ عنها ، وطرحها وراءه دون رجعة ليجد سكينة النفس وراحتها .
ولعل من اللازم القول كم من معذب لم تفهمه العقول ، ولم تعذره أصابع الناس، فتنعته وتسخر منه بكل الألوان ، وكأنه لن يعود للاستقامة أبدا ، الا أن الايام تكشف غور جرحه وتبوح بشظايا روحه ، فيتأبط من العزم ما يعيده لعقاله ، ويستنير بنور بصيرة . فيعاود تشكيل تضاريس روحه ، وهذا بطل قصتنا نموذج حي لذلك ، تلميذ مراهق في مرحلة حساسة جدا و في أصعب لحظات العمر ، كان من المفروض أن تحقق مرحلة المراهقة لديه التوازن عند الانتقال من الطفولة الى الشباب ، لكن عادة ما تتفاقم خلالها المشاكل وتختفي لغة الحوار البناء ، ويحل محله نقاشات حادة وخلافات اختار على اثرها عزلة تامة وانفصالا كليا عن عالم الآباء والراشدين ، وانصاع لها كل الانصياع .
حتما هذا سلوك يجنح نحو طريق الضياع ، فهو مراهق فتي قليل التجربة قريب الغضب والعنف والعدوانية ، اختبأ في حضن الصمت ، والصامت يعاني كثيرا من ثرثرة أفكاره، ركب أحلاما ثكلى وتاه في ظلمات السراب ، وهو يراه طموحا وفرض ذات ، كان يبحر في المجهول ويظن أنه خرج بكسب عظيم ، يحلم بما يختاره في عالم مغر حالم ومن حلمه يرفض أن يستيقظ ، و يحمله تيهه على أشرعة من الضياع ، اذ بأعماقه كان يشتاق الدفئ بملء الروح لما يتملكه من ألم و يشظيه من وحدة ، كيف له ان يهتم بدروسه وهو يعيش على قصف من الاهمال ، وقلبه تأذى كل الأذى من اللامبالاة ، فلا يكف محيطه ينعته بالبلادة والسخافة وحمل الادران ، لذا يعاني في صمت موجع، كل جزء منه يحن لمصباح يضيء به وحشة نفسه ، ولعل مؤدى هذا الوضع أسباب تعود لقسوة مفرطة ، ضرب عقاب ، حط قيمة ، سخرية لاذعة ، ميز لاخوة ، منح حرية واسعة ، او اهمال حقوق وتعويضها بمال فوق الحاجة ، أسباب كلها تتظافر، وتجعله ينفر من لمة العيلة الى عالم الطبيعة الرحب الواسع ، حيث يمارس غضبه وعنفه ، ويترجم احاسيسه ، ويكبل كل تعسف وظلم و لا تفهم ، لا غرو أن الحياة تصبح مستحيلة اذا خلت من كل دفء ، و أفقرت من الاحساس الصادق .
ان الانسان أحيانا يكون عدوا لصالحه وعقله وحليف نفسه الغرارة وهواه القاتل،لذا كان لزاما أن يضجر يوما من الوحدة ويصب الغضب على عالم الوادي ،فالأمل كان موجودا يرتكن باحدى زوايا نفسه، ومنه لا شك تتدفق الحياة وتتفجر طموحات فياضة،فكلمة الصديق برزت كالبلسم الذي أدفأ روحه، ورغبه في هجر تلك القدارة، ودعاه لاغتنام الفشل ،الذي يعد فرصة تتيح البدء من جديد بذكاء اكبر، ولم لا يكون ذاك الصديق مجرد وخز للضمير؟ ولم لا يكون ذاك الأنت البطل والراوي نفسه؟ نعم بصرخة مدوية من الضمير صار بطلنا متلهفا لأن يراهن على النجاح في كل شيء ،خاصة وأن الحياة حبلى بكل التناقضات في المدرسة والشارع والاصدقاء والوادي. تنفس الصعداء ودفع بكل الخيبات وعبد كل عسر، وأكد وجوده كانسان، لم تكن تنقصه القدرة بل الارادة الايجابية، فاندمج في فصله ،وقطف أوراق ربيع يانع بعد أن مرت عليه ريح الصحراء الجافة ،ورفعته مثابرته الى علياء السماء ،فربح الرهان وقوبل بترحاب من الدرس و الاستاذ صاحب العصا والاصدقاء و الجيران، والأب الذي تعود منه الاخفاق ،كان كل ما يحتاجه أن يغيرقناعاته، قال تعالى …(لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فالمراهق لا يسعده شيء بقدر أن تمنحه أذنك واهتمامك وتفهمك لطيشه نعم ربح الرهان لكنه عمى عن الحد المطلوب، وأحرق مراحل عدة وقرر أن يلحق شيطان الشياطين بعالم الكبار،حيث تفنن الكاتب في وصف عالم شريحة مهمشة منبوذة من نساء قسا عليهن القدر فذبحهن بدون رحمة ،هنا يتأكد أن المراهق بحاجة ماسة للرعاية والمصاحبة والتوجيه ،لا ادمان الاب على المقهى وتذكر الزمن الجميل.

السابق
حيوان عاقل
التالي
تجربة

اترك تعليقاً

*