قراءات

قراءة نقدية في نص “الرّفيق ديونيسوس”

للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

تتعسّر الخطى في نصوص تلتحف بالبلاغة فتمسي الصّور فيها صخورا زلقة لا مناص من الحفر فيها لبلوغ ذروة مقاصدها . وذا شأن الكتابات القصصيّة الدّافقة من قريحة المبدع عبد الكريم السّاعدي..وهذا النّصّ الذي جاد به علينا تجلّ من تجلّيات مخاتلة ظاهر الحكاية لمواراة باطن دلالاتها استفزازا لفكر القارئ وتحريضا له على إعمال آليّات الاستقراء الأدبي للمشاركة في بناء النّصّ امتدادا من الكاتب إلى القارئ ثمّ ارتدادا إليه..وسعيا إلى الظّفر ببعض الدّرر الدّلاليّة المخبوءة أرتكز على العنوان والإطار الزّمكاني وشخصيّة الحمار وملفوظ الشّخصيّة الرّئيسيّة..

العنوان 
جعل الكاتب عنوانا لنصّه هذا “رفيقي ديونيسوس” وهو مركّب بدلي يتكوّن من المركّب الإضافي رفيقي واسم إله الخمرة في الحضارة الإغريقيّة “ديونيسوس”. رفيق صيغة مبالغة من الفعل رفق وتعني شديد الرّفق كثير المرافقة ويطلقها العرب صفة للخلّ الذي لا يفارق خلّه في السّرّاء والضّرّاء. وقد اتصلت هذه الصّيغة بالضّمير المتكلّم المفرد ليدلّا معا الاتّصال والتّلازم بينهما في دروب الحياة .والبدل في هذا المركّب البدلي هو اسم إله الخمرة في المعتقد الإغريقي القديم الموسوم بأنّه ملهم طقوس الابتهاج والنّشوة .وهذا العنوان بهذه الخصائص يقذفنا في لجّ أسئلة حارقة: ماهذه الرّفقة؟ من هذاه الشّخصيّة التي تلازم الإنسان ملازمة الرّفيق؟ وما الرّابط بينها وبين إله الخمرة والبهجة والفرح والنّشوة..؟ أسئلة لا يفكّ اللّبس الحائل بيننا وبين كنهها إلّا بتوغّل في طرق الأبواب العناصر النّصيّة الأخرى التي رأيتها خليقة بتحقيق ذلك..

الإطار الزّمكاني
زمانيّا امتدّت الأحداث على مدار ثلاث أزمنة مثّل اللّيل الزّمن الطّاغي نصّيّا عليها (التّسع عشرة سطرا الأولى والسّطر الرّابع والثّلاثين من النّصّ) وهو زمن اتّسم بالمكابدة والشّقاء(ارتشف الليل أساه/ عرق ليلته الممزوج بقسوة أوجاعه /الظّلام يلهث خلفه )ممّا يدفعني إلى رؤيته زمنا نفسيّا داخليّا خاصّا بذات الشّخصيّة يصوّرها السّارد من خلال رصد الزّمن.
أمّا الزّمن الثّاني فهو زمن غير محدّد، غير دقيق يكتفي بامتداده في الماضي كما دلّ عليه اقتران الفعل المضارع بالنّاسخ الفعلي “كان” (كان يقبل /كان يهزّ ) وهو زمن اتّسم بالنّشوة والبهجة والحبور كما استحضره السّارد وهو يسترجع الأحداث ..بينما يليه زمن ثالث هو الصّباح الذي ورد في موضع وحيد من النّصّ (في الصّباح) وقد تلا حدث الفقد . وللصّباح دلالات البدايات الجديدة والأمل والعطاء والتّجدّد ..أزمنة ثلاث انبنت عليها الحكاية لكنّها لا تشير إلى أزمنة موضوعيّة بقدر ما توحي بأنّها أزمنة نفسيّة ذاتيّة من الشّخصيّة تمتدّ وإليها تعود..
مكانيّا تدور الأحداث في قسمها الكبير في مكان ضيّق هو غرفة الشّخصيّة وخرابة الحمار، مكانين يرسمان مأساة المكابدة في مختلف تجلّياتها (صامت /جدران متآكلة /فراش تنزّ منه رائحة الموتى / غرفة بائسة /عزلة/ صدأ / خرابة /رائحة الرّوث /عفونة المكان )يبدوان للقارئ العابر من الحجر والطّين قُدّا لكنّ جملة أوردها الرّاوي مؤشّرا مساعدا في القراءة تنفي تلك الدّلالة الأولى ، حيث يقول :” نافذة خشبيّة تتوارى خلفها أحلام مؤجّلة” وبناء على أنّ الأحلام ليست متاعا من جماد تواريه نوافذ المنازل والغرف فما لتلك النّافذة غير دلالة الرّوح الحالمة المغلقة نافذتها رزحا تحت كلكل الحياة ومشاغلها، وبذلك يتجلّى لنا المكان في النّصّ ذاتيّا أيضا دالّا على الذّات البشريّة المنكفئة على نفسها مستسلمةََ لهموم الحياة مكابدةََ شقاءها باستكانة لاهثةََ خلف تلبية المتطلّبات المادّيّة الحينيّة اليوميّة..

شخصيّة الحمار:
صوّر السّارد هذه الشّخصيّة رفيقا لشخصيّة الرّجل بائع الغاز. وجعل له لقب إله الخمر الإغريقي واسترجع صورته وهو يترنّم بنشوة البذل والعطاء مبهجا ومبتهجا . والحمار هو الحيوان حامل الأثقال دون أن يشتكي المثخن بلذعات السّياط دون أن يردّ الفعل، المحتاج دوما إلى سائس يعتني به ويشير عليه بالعمل أو التّوقّف.. لكن ماعلاقة الحمار بإله الخمرة حسب النّصّ ؟ إله الخمرة باعث النّشوة والبهجة وملهم طقوسهما وما عُرفت الأحمرة بذلك..وبناء على ما تقدّم من استقراء للإطار الزّمكاني أرى أنّ الرّاوي يُخرج شخصيّة الحمار من مجال وجودها الحيواني ليجعلها مرتبطة بما هو ذاتي نفسيّ من دلالات وعسى ما سيأتي من قراءة لملفوظ الشّخصيّة يؤكّد هذا الفهم..

ملفوظ الشّخصيّة الرّئيسيّة:
لم تتكلّم الشّخصيّة في النّصّ إلّا وهي تخاطب رفيقها المحتضر أي الحمار..وهي تخاطبه حمّلها الرّاوي هذا القول:”ديونيسوس، أيّها الرّفيق الدّائم ،لقد تحمّلت مرارة رفقتي، ما باليد حيلة ، أنت تعلم في مكان كهذا ، كنّا جزءا من لعبة الزّمن ، وجزءا من مشهد لم نختره أنا وأنت ، سنكون قصّة منسيّة” وهو قول فيه إقرارات بحتميّة الرّفقة وقدريّة الوجود وحتميّة الفناء..وأيّ رفيقين تضمّهما هذه الإقرارات غير الجسد والرّوح والوطن والمواطن ؟؟! لعلّي أستند على ملفوظين اثنين آخرين لمزيد كشف الحجب عن الدّلالات .حيث نجد بائع الغاز يقول مخاطبا حماره :”أعلم أنّي أهملتك كثيرا” “أعلم أنّ سوطي يتوسّد جراحك ” قولان يحمّل فيهما نفسه مسؤوليّة الخذلان في مسار هذه الرّفقة ، قولان يجعلانني أستغني عن احتمال كونهما يمثّلان الوطن والمواطن وأتشبّث بأنّهما شخصيّتان دالّتين على البعدين المكوّنين للذّات الإنسانيّة وهما البعد الرّوحي والبعد المادّي..بعد مادّي طغى على البعد الرّوحي فأجّل أحلامه ورغباته وهو ملهم كلّ نشوة وبهجة ، تحت ضغط كلاكل الحياة وهمومها وبتقدّم الزّمن والعمر وهنت الرّوح المتألّقة فخبت جذوة الفكر الحالم فيها وغزاها اليأس حتّى ما عاد للوجود الإنسانيّ في هذه الذّات غير البعد المادّي الذي يكدّ لينعم الآخرون بدفء الحياة ..وهي صورة عائل الأسرة في مجتمعاتنا الذي يتخلّى عن الحياة ببعديها مكرّسا بعدا واحدا به يحيا أفراد أسرته ويظلّ كالشّمعة يلذع فتيلها المحترق جلدها ويذيبه حتّى تنار سبل المستنيرين بها…
نصّك سيّدي كالبحر عميق وافر الدّرر وفكري غوّاص مبتدئ يحاول الظّفر ببعضها وعساه وُفّق وإن قليلا..سلمت قريحتك ودمت مبدعا متألّقا…

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
الرفيق ديونيسوس
التالي
عالم آخر

اترك تعليقاً

*