قراءات

قراءة نقدية في نص “رفق”

للكاتبة جمانا العمود

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

حقق نصّ الكاتبة جمانا العامود خاصيّة امتزاج الأشكال الفنيّة الحداثية للآداب في أسلوبه اللغوي، ليبقى الطابع الواسم للأسلوب هو “الققج”، ما جعل النصّ في عداد الفنّ القصصي.. وتلك سمةٌ حسنت وسهلت في الأعمال الروائية، حيث تنطلق قريحة الكتابة في مشاركة الشعر والخاطرة والكتابة التقريرية للتنوع في صيغ الأعمال الأدبية طويلة السرود، ولعل التكثيف الواسم لتشكيلة السرد في “الققج” أبعده كثيراً عن الامتزاج بتلك الأشكال، فالمخاطرة الناجحة للكاتبة بالاستهلال في جملة وصفية تقريرية لم يغيّب تأزيم الحدث، وبدت جملتها ضاجّة بالفعل مستعينة بالاسم المفعول، إذ لا فرق بين استخدام فعل تجوّل أو متجولاً في تعميق التوتر ووحي الدلالة واكتناز السرد بالأحداث الجزئية، فتحققت شروط اكتمال البنية الشكلية لفنّ “الققج”.. وهكذا أوضح النصّ امتلاكه عقده الفنيّة، موزّعة في وحدات انفصال واتصال، أنجزت التلازم وحققت الوحدة، وأضافت تأويلات أيقونية للبناء اللفظي.
عنوان النصّ: (رفق) هو لين الجانب ولطافة الفعل، وهو مفردة إنكارية ضد العنف. رفق الشخص: صار صديقاً لغيره مصاحباً له، ورفق بفلان أو رفق على فلان أو رفق لفلان: لطفّ به وألان جانبه له وأحسن الصنيع له وعامله برفق كالرفق بالمساكين.. كما أن رفق تشير للرفيق ومفعول الكلمة مرفوق، ورفق بحالهِ: حنّ وعطف عليه.. ورفق لي السير: قصد واعتدال، ورفق صاحبه: نفعهُ، ورفق الجمل: ربطهُ بالرّفاقِ.. فالعنوان كما توضح الشروح منح دلالات متنوعة لاحتواء النصّ، من اللطف والمرافقة إلى الوثاق.. ولعل الكاتبة قصدت امتزاج المعاني في غايات نصّها.
(متجولا في أزقة الوقت).. جملة النصّ الاستهلالية أفادت معنى الحركة لمتجوّل في دروب الوقت الضيّقة، فالمتجوّل هو الاسم المفعول من تجوّل، وهو المتنقل من مكان إلى مكان لغاية التنزّه أو رؤية الأشياء والمناظر، وتجوّل في ربوع البلاد تعني سافر متنقلاً ومن مكان لآخر. الأزقة: جمع زقاق، وأبناء الأزقة هم المشردون الذين لا مأوى لهم ودون مورد وعمل. استفادت الكاتبة من عبارة الأزقة الضيّقة والتي تعني “الزنقات” كدلالة فاستبدلت الضيق بالزمن الفسيح لغاية دلالية في تأزيم الحدث وتلوينه بالسخرية المحزنة لا المضحكة،، وفي النصّ إشباع لفظي بظلال الهزء والتحقير لبطل النصّ المتجوّل.. فالوقت هو الزمن وهو اصطلاح قديم دلّ على مرور الأحداث في فترات معينة دون إمكان العودة لها.. وقد نبّه القرآن الكريم بأهميّة الوقت كثيراً وفي سياقات عديدة وصيغ متنوعة، فجاء الوقت أو الزمن بصيغ الدهر أو الحين أو الآن أو الأجل أو السرمد أو الأبد أو المصير وغيرها.. لإن الوقت أغلى ما يملكه الإنسان فإذا ذهب لا يرجع كما أنه يمضي بسرعة (التشبيه بالأزقة الضيقة) واستغلاله يرفع قيمته، لإنه لا يمكن تحويله أو تغييره أو تخزينه، ولهذا قيل: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”.
تكشف جملة البدء في نصّ الكاتبة التمهيد الساخر لانشغال النصّ في وصف حال من تنقّل وتجوّل في ممرات ضيق الزمن الذي عبره ربما دون دراية منه أوتقصّد الاستهزاء به، لينال مصيره في نهاية المطاف.. وما يثبت الاتجاه الذي بدأت به الكاتبة وابتدأت به التأويل هو الجملة التي تلت المقدمة واستخدام مصطلح الأسفار في تناص قرآني مع الآية الكريمة: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) المدثر34.. للدلالة على من يحمل كتاباً لايدري ماعليه وماذا فيه، والكتاب بالنبطية يدعى سفراً، فالأسفار جمع سفر وهي الكتب العظام.
يتطور الحدث مع استمرار السرد دون حشو، منتجاً عقده السردية في ألفاظ صادمة تظهر التيمة والمفارقة بالتمدد الموافق مع وحدات الدلالة، واعتماد السخرية في كل عبارة جديدة يتطور فيها الحدث فتتكشف المفارقة وتتناثر عقد وحدات الدلالة في تناص مع الآية الكريمة.. فالمقصود بحكاية الكاتبة لم يضع مضامين كتبه في رأسه، ولم يستفد منها لتحسين حاله، بل حملها “تحت رأسه” ربماتباهياً أو مرّ عليها مرور العابث متشبّهاً بالحمار الذي يحملها في عنقه ويضيق بها ذرعاً ليضنيه الصبر فيشخر.. (يحمل أسفاراً) أي يحمل كتباً لايدري ما فيها ولا يعقلها ومكانها تحت الرأس وليس فيه.. والشخير مصدره شخر وهو صوت النائم إذا غطّ لضيق نفسه، وشخير الحمار نهيقه وشخير الفرس صهيله، فهو صوت الحمار أو الفرس من الحلق وقيل الأنف كما يفعل الإنسان الشخيّر بترديد الصوت من الحلق دون كلام.
صاحب العلم والمعرفة الذي لم يستفد منها ونال نصيبه بالذم والسخرية، سيكتشف مآله ومصيره في نهاية المطاف،، وهاهو يتحسس قفاه ذات صباح، والقفا مؤخر العنق وقفا الدهر آخره وقفا كل شيء خلفه وعكس وجهه، وقيل “عيناه في قفاه” للمنهزم والخائن.
تنهي الكاتبة نصّها بحكمة تثبت مصير الجاهل والأحمق، الذي لم يستثمر وقته ولم يداري علمه ومعارف عصره وماسبق.. فقد منحه الزمن الذي عبث به ما استحق، ووشم عليه العبودية بسياط بدأ يتحسّسها.. و”الوشم” من أشكال التعديل الجسدي، يتم بوضع علامة ثابتة في الجسم، وذلك بغرز الجلد بالإبرة ثم وضع الصباغ عن طريق الفتحات والجروح، ليبقى داخل الجلد فلا يزول.. والوشم على الإنسان زخرفة وتعديل، وعلى الحيوان فهو الأكثر شيوعاً لتحديد الهويّة أو المالك.. وليس عبثاً ربطت الكاتبة بين نهيق الحمار وشخيره والوشم والعبودية لإكمال خصائص “صاحب الأسفار” الذي كواه الزمن في نهاية الأمر، واحتل موقعه بين البشر متصفاً بالذلّ والعبودية..
فالزمن منح العابث سياطه وهي جمع سوط أي ما يضرب به من جلدٍ، وقيل السَّوط: النصيب وكذلك الشدّة ” فصبّ عليهم ربك سوط عذاب”الفجر13. أما العبودية أو الرقّ فهو الامتلاك، فالعبد أو الرقيق مملوكاً لسيّده بالسخرة والأعمال المجهدة الشّاقة، والدول المستعبدة من قبل أخرى تكون تحت نيرها…
قالت الكاتبة عبر نصّها وفي اختصار شديد.. أن من لم يستفد من العلم واستثمار الوقت لنيل المعارف بهدف تطوير حاله والنهوض بواقعه، سيحكم عليه الزمن بالعبودية والاذلال لغيره.. ولعلها أصابت واقع العرب مقتلاً.. فأوحى نصّها وصفاً صائباً لحالهم.. كيف لا وهم الذين استخفّوا بعلومهم التي نهضت عليها أوربا من ابن حيان والرازي وابن الهيثم والكندي والأدريسي وابن الشاطر وابن سينا وابن رشد والكثيرين غيرهم.. فقعدوا في زمنهم الذي أتيح على سفسطائية مريبة يلهثون خلف نزواتهم واقتتالهم ليوشمهم الزمن بخاصيّة الإلحاق بالعبودية والتبعية لغيرهم…
أقترح على الكاتبة وضع علامة الحذف بعد الانتهاء من التقديم لحال بطل النصّ ونقل حاله، ثم إطلاق حكمة المصير دون الكلام المحذوف لإغناء الدهشة وتوتر الأحداث..(أضناه الصبر… صباحاً تحسس قفاه.. ).

السابق
رخص
التالي
رحلة بحث عن الظل عن النور في نص “ليتني ظل”

اترك تعليقاً

*