قراءات

قراءة نقدية في نص “سماء أقل”

بقلم الكاتب علاء حبيب

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

سماء أقل…حين يكون النص مرآة لعصره.
“محاولة في قراءة البنى الحداثية للنص”
النص مشبع بالأسطورة، حد التماهي. فالكاتب اعتمد الرموز الأسطورية عصا يهش بها كلماته؛ لكن له منها مآرب أخرى.
تلك المآرب هي وصف حالة القلق واللاجدوى والعبث، ومحاولة الهروب من عالم نهشته الحرب، وطغى فيه “الصناعي” حتى غدا الإنسان – اللحم والدم والمشاعر والفكر – شيئا ما غريبا، يبحث عن خلاصه خلف هذا العالم الذي صنعه بيديه، فصار عبدا له، ووقودا لحروبه.
منذ البداية، أراد الكاتب أن يعيد تأريخ وجوده، وبالتالي وجود الإنسان، من ساعة هبوطه على الأرض، متماهيا مع أسطورة الخلق المقدسة، ليكون آدم العصر الجديد الخارج، للتو، من أتون حروبه العبثية؛ وليكون هبوطه على الأرض، أو عودته إليها، من برج صناعي، وليس من جنة في سماء عالية، بعد أن أفسدت فتاوى الموت، قدسية تلك الجنة… إذن: هو هبوط نكوصي، أو تراجعي، وليس هبوطا بدئيا؛ هبوط مفارق للإرادة العليا الجديدة، وليس هبوطا استخلافيا لإرادة الإله العليا. ليعيد كتابة وجوده، لحظة نزوله إلى الأرض، والتصاقه بها، التصاقا معنويا ووجوديا، أي: رمزيا، وماديا، على اعتبار أن وجوده الأول كان من الأرض. ثم ليسير النص عبر العصور ، مشيرا إلى أثار الإنسان الخالدة, إشارة تأكيدية على قيمة هذا الإنسان وعظمته من جهة، ومن جهة أخرى: إشارة استنكارية، مقارنة بين ماضي الفكر البشري المبدع، وحاضره المدمر، ماضيا بين تعاريج أساطير الشرق المؤسسة للعقل البشري المبدع، السومرية، والبابلية. والكنعانية، متخذا من الفعل الجنسي، هذا الفعل الذي يشبه فعل الآلهة بالقدرة على الحلق، ومن طقوس عشتار المقدسة في معابدها المنتشرة، أساسا للخطيئة “المقدسة” التي ترسم الوجود الجديد الذي ينشده، لانبثاق عصر آخر، يكون الإنسان هو أساسه، وفعله الجنسي، هو فعله الإنساني المحرك للوجود الجديد. تأكيدا على إنسانية الإنسان. واستعادة لكينونته البشرية: اللحم والدم والفكر والمشاعر.
بعد هذا، هل يهمنا التجنيس؟ (وإن كان ضروريا في الشروط النقدية المنهجية). فالنص، بكثرة رموزه وعمق غورها، وبتلاشي شخصياته، وبغيبوبة الزمن أو تشظيه، وبتداخل الواقع بالوهم؛ هو نتاج إنسان بات متشظيا، متلاشيا، غائبا عن عقله، أو عاقلا غريبا عن الواقع اللامعقول الذي يحيط به.
هو انعكاس مرآوي لحالة هذا الإنسان الجديد،
أليست هذه هي أسباب الحداثة، وهي شروطها وأسلوبها؟
ألم تكن الحداثة الغربية، حين بدأت، ومابعد الحداثة، نتاج معاناة الإنسان الغربي، الذي خاض تجربة السرد مبكرا، في أشكاله الكلاسيكية والرومانتيكية، حتى لم تعد تكفي، للتعبير عن معاناة الإنسان المعاصرة، فاستوجبت معاناته وجود المذاهب الحداثية، في الشعر والسرد والفن؟
أليس هو الضياع الإنساني نفسه؟ أليس هو الذهول والدهشة والقلق الوجودي، الذي أفرزته حربان عالميتان جعلتا وجود الإنسان ذاته، موضع التساؤل، وموضوع الفن؟
وهل يختلف الصراع الرأسمالي الصناعي، الذي جعل الإنسان الغربي مجرد رقم في قائمة اليد العاملة، وقائمة المستهلكين، لنتاج الآلة الصناعية الجبارة التي لاتشبع ولاتهدأ؟
هل تختلف تلك الظروف الغربية، عن ظروفنا العربية الراهنة؟ ألم تطحنا الحروب؟ ألم يحولنا تجار السلاح، وتجار السياسة، وتجار الدين، إلى مجرد أرقام في قائمة القتلى، أو قائمة اللاجئين، أو قائمة المنتظرين على أبواب الحوريات في جنتهم المزعومة، أو قائمة المؤمنين، أو قائمة الكفار؟ أو قائمة الوطنيين، أو قائمة الخونة؟…. والقوائم لاتنتهي، نحن فيها مجرد أرقام.
أليس ذلك القلق الوجودي، في بداية القرن العشرين، هو نفسه القلق الوجودي الذي نعانيه اليوم، في بداية القرن الحادي والعشرين؟
لا يهم إن كان مونولوجا، أو شعرا، أو قصة قصيرة…إنه نص سردي حداثي، توسل بكل معطيات الفنون الأدبية، فجاء متسقا مع موضوعه، ومع ظروفه، ومع العالم الداخلي للكاتب الذي كتبه، بلغته، وأسلوبه. وبكلماته الغائبة – الحاضرة، التي تداعب وجداننا الجمعي، أو تلاعب لاشعورنا البدائي، حين كان الإنسان إنسانا.

السابق
سماء أقل
التالي
توأم الذاكرة

اترك تعليقاً

*